مَروان كُجُك | 21/2/1427
كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن (منظمات المجتمع المدني) من خلال البَرَم بالأوضاع السائدة في العالم عامة، وفي عالمنا الإسلامي خاصة، وبوجه أخص وأظهر العالم العربي منه؛ فالعرب هم مادة الإسلام التي نزل بها الوحي، والمكلفون قبل غيرهم من سائر الأجناس والأعراق والشعوب والقبائل بحمل الرسالة الخاتمة، وإبلاغها لسائر الناس بيضاء نقية، ليلها كنهارها، وهم الذين سيُسألون قبل غيرهم عما فعلوه لأجلها، وما قاموا به أو قصروا فيه تجاهها؛ حيث قال - سبحانه - مخاطباً نبيه _صلى الله عليه وسلم_: "وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ" (الزخرف:44)، وهم بذلك المثال الذي عليهم تحقيقه في شؤون حياتهم الخاصة والعامة حيث يُقتدى به ويُسار على منواله.
وقد سنَّ الإسلام من السنن الواقعية والرؤى المنطقية ما يدفع بالمجتمع الإسلامي عن طواعية وبِدار إلى المشاركة الفعالة في إدارة شؤونه العامة إلى جانب حكامه ورعاته، وكان من أبرز ذلك (سُنَّة الوقف) التي أتت لتترجم بأمانة وصدق عن الأهداف العامة للمجتمع الإسلامي.
ما هي المؤسسة الإسلامية؟
المؤسسة الإسلامية هي كل مؤسسة تتكون أساساً لتحقيق أهداف، دعويةً كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك مما يحض الإسلام على فعله، أو لتحقيق أهداف شخصية؛ وذلك وفق تصوُّر إسلامي نقي، وآليات لا تخالف شيئاً من ثوابت الإسلام وأصوله دون النظر إلى مرجعية تلك الآليات ومصادرها؛ انطلاقاً من القاعدة الذهبية المتمثلة بحديث النبي _صلى الله عليه وسلم_: «الحكمة ضالة المؤمن؛ فحيث وجدها فهو أحق بها»(1) . وهي - أي المؤسسة الإسلامية - تمثل إحدى الخلايا المهمة في الجسد الإسلامي الواحد.
ويمكننا القول: إن المؤسسة الإسلامية مؤسسة ذات هوية تتخذ من الإسلام تصوراً ومنهجاً في أهدافها وأعمالها، سواء كانت جمعية أو فردية، وهي بذلك تكون عامة النفع للمسلمين وغيرهم.
إن المؤسسة الإسلامية ينبغي أن تمثل خلية فاعلة؛ بحيث إذا ما نظرنا إليها برؤية مكبرة خِلنا أننا أمام نموذج مصغر للولاية العظمى أو أحد جوانب مهامّ إدارة هذه الولاية لشؤون رعاياها من مسلمين وغيرهم؛ وهذا لا يعني أنها خلية سرية تمارس نشاطها في خفاء - كما قد يتبادر إلى مرضى القلوب وملوَّثي الأذهان - أو مؤسسة منفلتة عن وقع مجتمعها المتطلع إلى التقدم والرقي، وإنما هي خلية واضحة المعالم، بيِّنة القسمات، تعمل تحت الشمس وعلى مرأى ومسمع من الناس؛ لأن ذلك ييسِّر لها مجالاً للنقد البنَّاء من محبيها، والطعن المغرض من شانئيها، وكِلا الحالين مفيد سواء كان التقويم من هذا المحب أو ذلك الشانئ؛ لأنه ينبه إلى مواطن تحتاج إلى تعديل أو تبديل، أو بيان للحقيقة وتنويه بالأهداف، وما يتبع ذلك مما يقتضيه كل نوع من تلك الأنواع.
والمؤسسة الإسلامية الخيرية - على وجه الخصوص - عليها أن تتطور وفق التصور الإسلامي لوظيفة الإسلام في هذا الوجود بأن تنتقل من كونها أداة لتوزيع الصدقات والتبرعات وغيرها على مستحقيها إلى مؤسسة منتجة أو مشجعة على الإنتاج تساعد في دفع المجتمع نحو التهيؤ لتقديم صورة عملية صادقة عن عبقرية الإسلام في إصلاح أحوال الفرد والأسرة والمجتمع، والسير بالأمة نحو تمثُّل الدولة الإسلامية بكل صفاتها السامية، ومقوماتها الطاهرة، وأهدافها النبيلة.
المؤسسات الإسلامية وعالم اليوم:
إن الدور الذي على المؤسسات الإسلامية أن تلعبه في عالم اليوم هو الحفاظ على ما بقي من جذوة الإسلام بكل تشريعاته وغاياته في النفوس وتذكيتها، وتوجيه أنظار العالم لما في الإسلام من خير وبر للإنسانية جمعاء، من حيث حمل همومها وتقديم الحلول المناسبة التي ترفع عنها آصار ما نُكبت به من ظلم وطغيان ومهانة.
وفي غياب الدولة الإسلامية بمفهومها الراقي الشامل في وقتنا الحاضر يقع على عاتق المؤسسة الإسلامية أن تمثل صورة مصغرة أو تقريبية للدولة الإسلامية التي لا يمكنها أن تقوم وتنهض إلاَّ على أسس متينة من الحق والعدل، وتحقيق طموح الإنسانية في قيام نظام تتحقق فيه كرامة بني آدم التي قررها الخالق بقوله - تعالى -: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء: من الآية70). ويجدر بكل مؤسسة إسلامية أن تشكل نموذجاً عملياً يوضح في أذهان من يقرؤون تاريخ الدولة الإسلامية أن قيامها في عالم اليوم ممكن حقيقةً ومطلوب ضرورةً، بل إن كثيراً مما في عصرنا من مبتكرات ومخترعات يقدم خدمة جُلَّى لهذه الدولة المرجَّاة، ويساهم بشكل فعال في قيامها على أسسها الأصيلة النبيلة، وبمعطيات عصر الذرَّة والفضاء وثورة الاتصال والتدفُّق المعرفي المذهل.
والمؤسسة الإسلامية ينبغي أن تمتد بخدماتها إلى جميع الناس الأقرب فالأقرب، بل إنها ترى في الإحسان إلى كل نفس منفوسة صدقةً ولو لم تكن نفساً مسلمة؛ وخير الناس أنفعهم للناس؛ تفعل ذلك ما وسعها الجهد والطاقة وفق معايير واقعية دقيقة تنأى بها عن التورط في ما لا ينبغي ولا يليق.
وما قصة البغي من بني إسرائيل التي نزلت إلى بئر فملأت خفها وسقت كلباً يكاد يهلك ظمأً، فغفر الله لها، إلاَّ الدليل على حرص الإسلام على الإحسان للخلق جميعاً.
وحديثنا عن المؤسسة الإسلامية لا يعني المؤسسات الخيرية غير الربحية دون غيرها، بل يعني المؤسسات الربحية كذلك؛ فإن الأخيرة أحوج من الأولى للأخذ بمنهاج الإسلام في رسم الأهداف وتحديد الغايات وتحرِّي مختلف أنواع المعاملات والمنتجات وتسييرها وفق الشريعة الإسلامية التي جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد في مختلف النشاطات الإنسانية فردية كانت أو جماعية.
المؤسسات الإسلامية والعنصر البشري:
العنصر الأول والأهم في كل شأن من شؤون الحياة على كوكبنا هو الإنسان، الذي جعله الله خليفة في الأرض، وليس أحد من بني البشر يمكنه التخلف عن هذه المهمة المناطة بهم جميعاً؛ كما أنه ليس لأحد منهم أن يحول دون تفعيل هذه الخلافة في أي فرد من الأفراد؛ فهم مكلَّفون جميعاً دون استثناء بالقيام بما أُوكل إليهم من مهام في هذه الحياة، كل حسب طاقته ووسعه؛ فكما أنه لا يكلَّف فوق وسعه فإنه ينبغي ألاَّ يقصر في ما عليه من واجب تجاه نفسه وغيره.
وما دام الإنسان هو العنصر الأول في كل عمل، وله أعد الله ما خلق في الأرض لتكون له مرافق وأدوات تعينه على القيام بتحقيق الغاية الكبرى من خلق الإنس والجن ألا وهي عبادة الله - سبحانه - على الوجه الذي أراده من خلقه وبلَّغهم إياه بوحي منه إلى أنبيائه؛ فإن عليه الاسترشاد بوصايا الله ورسوله التي تقوده إلى الخير وتنأى به عن الشر.
وقد قدَّر الله لبني آدم من الأنظمة الشرعية والكونية ما يحقق الغاية المطلقة من الخلق، وأناط بكل فرد ما يليق به وفقاً لِـما مُـنِـح من الطاقة والوسع؛ إذ "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا" (البقرة: من الآية286). وللوسع طرفان: - أدنى لا يجوز للإنسان أن ينزل عنه. - وأعلى غير مكلف بتخطِّيه.
ونتابع _بإذن الله_ في الحلقة القادمة، توضيح ما يتعلق بحقوق العاملين في الإسلام بشكل عام، وفي المؤسسات الإسلامية بشكل خاص.
_______________
(1) أخرجه الترمذي: كتاب العلم، رقم 2611، وقال: هذا حديث غريب. وابن ماجه: كتاب الزهد، رقم 4159.
(2) البخاري: كتاب تفسير القرآن، رقم 4568. مسلم: كتاب القدر، رقم 4787.
فتجدها تعمل على المحتسبين ولاتعطي العاملين حقوقهم بشكل كامل مع العلم انه من المفروض ان تكون هي القدوة في هذا المجال ولي في هذا العديد من التجارب ومن مؤسسات كبيره وشهيرة جدا
وفاقد الشيء لايعطيه ..