المرأة ورئاسة الدولة.. الرد على الشبهات

محمد سعد  | 13/1/1427

يحاول بعض الناس اليوم أن يهدم ما استقرت عليه الأمة وجمهور علمائها وأئمتها على مدى 14 قرناً(1)، ويحاول إثبات أن المرأة يجوز أن تتولى الولايات العامة ورئاسة الدولة، ولو كان الأمر قاصراً على مجرد تبن لرأي بعض العلماء ممن قال بجواز تولي المرأة القضاء -مع أنه قول محجوج بالنصوص الشرعية ومخالف لقول الجمهور الذي استقرت عليه الأمة- لهان الخطب ولبقيت المسألة دائرة في نطاق خلاف فقهي، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتعدى إلى محاولة شاملة لتغيير الثوابت الأصولية في الاستدلال، ولمحو التراث الفقهي ليحل محله فقه جديد يقوم على آراء مائعة لخدمة مصالح التيار التغريبي.

فبعض هؤلاء لما رأى أن مناقشة القضية على الأصول العلمية في الاستدلال لن يحقق له غرضه؛ أخذ يتطاول على علماء الأمة، ويسفه عقولهم، ويجعل فقههم قديماً لا يناسب الفقه المعاصر، ويضرب الأحكام بعضها ببعض، ويعمل بالأدلة متى احتاج إليها، ويستهين بها حينما لا تخدم غرضه، ففي موضع يستدل بالإجماع ويقول: (والمسلمون مجمعون على أن للمرأة ولاية على نفسها...)، ويقول: (والمسلمون مجمعون على أن للمرأة ولاية ورعاية وسلطاناً في بيت زوجها)، أما حين يخشى وجود إجماع ضد ما يريد إثباته فإنه يتذكر وقتها أقوال العلماء في صعوبة تحقق الإجماع فيقول: (أنكر كثير من الفقهاء إمكانية حدوث الإجماع في مثل هذه الفروع أصلاً)! وهكذا يستخدم الأدلة بحسب هواه ويوجهها لخدمة أغراضه، ليصل في النهاية إلى أنه لا دليل في القضية، وما لدى العلماء من نصوص قد فهمومها فهماً مغلوطاً، ومن ثم يجوز تولي المرأة الولايات العامة ومنصب الرئاسة. وهذه كلها أساليب مضللة ليس لها هدف إلا الهروب من مقتضيات النصوص الشرعية. والخطير في ذلك أن تُنشر تلك الشبهات في برنامج إلكتروني(2) مخصص لبيان حقائق الإسلام!

وقد بنى الكاتب شبهاته على مقدمات تثير جواً من الشك في أقوال العلماء، وتهز صورة البناء الفقهي الإسلامي ليصل إلى إبطال ما قرره العلماء من منع المرأة من تولي الولايات العامة ومنصب الرئاسة، على النحو الآتي:

أولاً: الاستخفاف بعلماء الأمة كلهم واتهامهم بأن فهمهم مغلوط:
يقول كاتب الشبهات: (أما الإضافة التي نقدمها... فهي خاصة بمناقشة الفهم المغلوط للحديث النبوي الشريف: "ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة".. إذ هو الحديث الذي يستظل بظله كل الذين يحرّمون مشاركة المرأة في الولايات العامة والعمل العام).

انظر إلى هذا الاستخفاف بعلماء الأمة! فمن هم الذين يستظلون بهذا الحديث؟ إنهم الصحابة والتابعون وأئمة الفقه والعلم منذ عصر النبوة، قال ابن قدامة المقدسي: (لم يول النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من خلفائه ولا مَن بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد‏,‏ فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً)(3). وقال الماوردي عن تولي المرأة الوزارة: "ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة وإن كان خيرها مقبولاً؛ لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"، ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور"(4). وقال القرطبي: (وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماماً)(5)، وقال ابن حزم عن الخلافة: "ولا خلاف بين أحد في أنها لا تجوز لامرأة"(6). والسؤال: أكل هؤلاء العلماء منذ عصر النبوة فهموا الحديث فهماً مغلوطاً؟! ألم يستطع أحد من علماء الأمة كلها فهم الحديث فهماً صحيحاً غير هذا الكاتب المجهول!

ثانياً: تجاهل النصوص التي استدل بها جمهور العلماء وادعاء عدم وجود أدلة:
ففي موضع آخر من مقاله يزعم عدم وجود نصوص في ولاية المرأة للقضاء، يقول الكاتب: (فالقرآن الكريم لم يعرض لهذه القضية، كما لم تعرض لها السنة النبوية، لأن القضية لم تكن مطروحة على الحياة الاجتماعية والواقع العملي لمجتمع صدر الإسلام، فليس لدينا فيها نصوص دينية أصلاً، ومن ثم فإنها من مواطن ومسائل الاجتهاد). وقال: (علة اختلاف الفقهاء حول جواز تولي المرأة لمنصب القضاء، في غيبة النصوص الدينية – القرآنية والنبوية – التي تتناول هذه القضية...).

وكلامه هذا غير صحيح لأن القرآن نص على أن الرجال قوامون على النساء، وأن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ونص الحديث على أنه لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، وأنها لا تلي النكاح ولا تزوج نفسها إلا بولي، وكل هذه أدلة على عدم صلاحيتها للقضاء كما قال جمهور العلماء، بل إن علماء المذهب الحنفي الذين أجازوا ولايتها القضاء فيما تصح شهادتها فيه قالوا بأن من يوليها القضاء في غير ذلك يأثم، قال في مجمع الأنهر: (ويجوز قضاء المرأة) في جميع الحقوق لكونها من أهل الشهادة لكن أثم المولّي لها للحديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (في غير حد وقود)؛ إذ لا يجري فيها شهادتها وكذا قضاؤها؛ في ظاهر الرواية)(7).
وقال صلى الله عليه وسلم: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)(8)، قال الشوكاني: (وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلاً)، وقال: (استدل المصنف أيضاً على ما ذهب إليه الجمهور بحديث بريدة المذكور في الباب لقوله فيه "رجل" و "رجل" فدل بمفهومه على خروج المرأة)(9).
ولا أدري ماذا يقصد الكاتب بـقوله "غيبة النصوص الدينية"؛ أيريد نصاً يقول لا تولوا المرأة القضاء! لو كانت الأحكام لا تؤخذ من الكتاب والسنة إلا هكذا؛ لما استطاع أحد مثلاً أن يقول بحرمة تناول المخدرات لأنه لا يوجد نص يقول لا تتناولوا المخدرات!

ثالثاً: التهوين من شأن الأحكام الفقهية بدعوى أنها اجتهادات الفقهاء وليست ديناً:
يقول: (ومعلوم أن "الأحكام الفقهية" التي هي اجتهادات الفقهاء، مثلها كمثل الفتاوى، تتغير بتغير الزمان والمكان والمصالح). (ما لدينا في تراثنا حول قضية ولاية المرأة لمنصب القضاء هو "فكر إسلامي" و "اجتهادات فقهية" أثمرت "أحكاماً فقهية".. وليس "ديناً" وضعه الله سبحانه وتعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم).

هذا كلام فيه تلبيس وتهوين لقيمة الفقه الإسلامي، فإن كان يقصد باجتهادات الفقهاء؛ بذل الفقيه جهده لمعرفة الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، فالفقهاء لا يجتهدون في استنباط الأحكام إلا بأصول وقواعد تحكم عملهم، وقد تعبدنا الله _تعالى_ عموماً بالأحكام الفقهية التي يستنبطونها لنا، فالدين الذي نعبد الله _تعالى_ به عموماً هو الأحكام الفقهية التي استنبطها الفقهاء من الكتاب والسنة بجهدهم واجتهادهم، وهو الدين الذي سنحاسب عليه، وإلا فمن أين لنا أن نعرف الدين والحلال والحرام؟! قال _تعالى_: "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" [النحل: 43]، وفي الحديث: "ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال"(10)، وقال _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" [النساء: 59]، رجح القرطبي في تفسير قوله _تعالى_: "أولي الأمر" أنهم الأمراء والعلماء، وقال أيضاً: (قال جابر بن عبد الله ومجاهد: "أولو الأمر" أهل القرآن والعلم؛ وهو اختيار مالك _رحمه الله_، ونحوه قول الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين)(11)، وقال ابن كثير: (والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء)(12). وقال _سبحانه_: "وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً" [النساء83]. وبيّن _عليه الصلاة والسلام_ أن الناس بدون العلماء يقعون في الضلال، فقال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"(13).

وإن كان الكاتب يقصد الاجتهاد الاصطلاحي؛ فالاجتهاد عند العلماء لا يصح إلا في عدم وجود النص المحكم المفسر كما قرر العلماء في العبارة المشهورة: "لا اجتهاد مع النص"، فمتى وجد النص الثابت الصحيح فلا اجتهاد.

أما كلامه عن تغير الحكم الفقهي بتغير الزمان والمكان والمصالح، فلا يصح على إطلاقه، فالذي يتغير بتغير الزمان والمكان هو الفتوى المبنية على العادات والأعراف والأحوال المعتبرة شرعاً، والحكم الشرعي إذا لم يكن متعلقاً بعادة أو عرف فلا مجال للتغير فيه، كستر العورة هو حكم مبني على حدود الشرع وليس على أعراف الناس وعاداتهم في اللباس، فمهما تغيرت عادات الناس وأعرافهم فيما يعدونه عورة فلا اعتبار لها في الشرع ولا يتغير الحكم الشرعي بتغيرها. وأما إذا كان الحكم الشرعي متعلقاً بأعراف وعادات معتبرة شرعاً؛ مثل تغير سن البلوغ بحسب المناطق المناخية وغيرها، ومثل تغير أساليب الناس في ألفاظ الطلاق وألفاظ الأيمان والنذور وغير ذلك، فهذا هو المقصود بقول العلماء "العادة محكمة" وقولهم بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، ولهذه الأعراف والعادات شروط وضوابط لتكون معتبرة، وليس الأمر على إطلاقه في كل الأحكام كما يزعم الكاتب وإلا لما بقي شيء من الدين ثابتاً، وحكم تولي المرأة للولايات العامة ومنصب الرئاسة ليس من الأحكام المتعلقة بأعراف الناس وعاداتهم حتى نقول إنه حكم يتغير بتغير الزمان والمكان، ولكنه متعلق بشرط دلت عليه النصوص الشرعية وهو شرط الذكورة.

رابعاً: الزعم بأن تولي المرأة من المعاملات التي تحكمها المقاصد والمصالح وليس النصوص:
ويدعي كاتب الشبهات أن مقاصد الشريعة لا علاقة لها بالنصوص، مع أنه يصف المقاصد بالشرعية! ويجعل المقاصد قسيماً للنصوص! ويزعم أن المعاملات لا تحكمها النصوص فيقول: (ثم إن هذه القضية هي من "مسائل المعاملات" وليست من "شعائر العبادات".. وإذا كانت "العبادات توقيفية" تُلْتَمس من النص وتقف عند الوارد فيه، فإن "المعاملات" تحكمها المقاصد الشرعية وتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة.. والموازنة بين المصالح والمفاسد فيها.. ويكفى في "المعاملات" أن لا تخالف ما ورد في النص، لا أن يكون قد ورد فيها نص).

وهذا كلام باطل خلطه ببعض الحق، فتقسيم الدين إلى عبادات ومعاملات موجود في كتب الفقه، ولكنه تقسيم اصطلاحي محض وضع لترتيب الأحكام الفقهية وتنظيمها إلى أحكام تنظم العلاقة بين الأفراد والمجتمع والدولة، وتسمى أحكام المعاملات، وأحكام تنظم العلاقة بين العبد وربه وتسمى أحكام العبادات. ولم يقصد العلماء بهذا التقسيم التفريق بين أحكام القسمين في نوع الدليل والاستدلال، فجميع الأحكام الشرعية سواء في المعاملات أو العبادات مصدرها واحد هو الكتاب والسنة، بل المقاصد والمصالح نفسها لا تكون معتبرة ومشروعة إلا إذا كان عليها دليل من الكتاب والسنة، وإلا فكيف نعرف مقاصد الشريعة دون وجود لنصوص الشريعة نفسها! فصارت الأحكام والمقاصد والمصالح كلها راجعة إلى النص، ومن ثم فتولي المرأة للولايات العامة من المعاملات، والمعاملات كالعبادات تعرف أحكامها بالاستنباط في ضوء مقاصد الشريعة من النصوص الشرعية.

وغرض الكاتب هو أن يبتعد عن النصوص، ويوجه الأحكام الشرعية باستخدام عدد من مقاصد الشريعة العامة التي توافق هواه- بعيداً عن الأدلة- ، وهذا هو المكر الذي يستعمله العلمانيون دائماً في كثير من القضايا التي يريدون تغيير حكمها الشرعي، وهو ما يطلقون عليه عبارة فضفاضة هي "روح الشريعة".

الرد على شبهات من يجيز تولي المرأة رئاسة الدولة:
بعد أن استعرضنا المقدمات التي بنى عليها الكاتب شبهاته حول تولي المرأة الولايات العامة؛ نرد هنا على بعض الشبهات التي أوردها ليجيز تولي المرأة لرئاسة الدولة على وجه الخصوص:
1- قال الكاتب: (فملابسات ورود الحديث تجعله نبوءة سياسية بزوال ملك فارس -وهي نبوءة نبوية قد تحققت بعد ذلك بسنوات– أكثر منه تشريعاً عاماً يحرم ولاية المرأة للعمل السياسي العام).

الجواب: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، وهي قاعدة مشهورة، ولهذا قال الإمام الشافعي: "السبب لا يصنع شيئاً إنما تصنع الألفاظ". والحديث يفيد العموم، لأن لفظي "قوم" و"امرأة" في الحديث جاءا نكرة، وقد سبق اللفظين نفي وهو "لن" أو "لا" في بعض الروايات، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، وليس هناك ما يخصص الحديث، وهذا يدل على كونه عاماً يشمل كل قوم وكل امرأة.

من ناحية أخرى؛ الأحاديث الشريفة التي تحمل أخباراً غيبية تعد مصدراً للتشريع يستنبط منها العلماء الأحكام، ويأخذون منها الدروس والعبر، وحديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" على وجه الخصوص ذكره العلماء في متون أدلة الأحكام كمتن بلوغ المرام، ومتن منتقى الأخبار، واستدلوا به في أمهات كتب الفقه على منع المرأة من الولايات العامة كالقضاء والإمامة.

وبفرض أن الحديث نبوءة ومخصوص بأهل فارس؛ نقول لهذا الكاتب إذا كانت النبوءة تحمل ذماً على فعل أيجوز لنا أن نرتكب هذا الفعل ولا نلقي للحديث بالاً لأنه مجرد نبوءة؟! الجواب لا يجوز، قال السرخسي -رحمه الله- صاحب (المبسوط في الفقه الحنفي): (ما أخبر الله _تعالى_ عن الأمم السالفة على وجه الإنكار عليهم، ففائدتنا أن لا نفعل مثل ما فعلوا)، وقد أخبرنا رسولنا _صلى الله عليه وسلم_ بأن الفرس لن يفلحوا؛ لأنهم ولوا أمرهم امرأة، والواجب أن لا نفعل مثل ما فعلوا، قال الشوكاني: (تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب)(14). وقال أيضاً: (قوله _صلى الله عليه وسلم_: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" فليس بعد نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد)(15). وقال الصنعاني: (والحديث إخبار عن عدم فلاح من ولي أمرهم امرأة، وهم [يعني المسلمين] منهيون عن جلب عدم الفلاح لأنفسهم، مأمورون باكتساب ما يكون سبباً للفلاح)(16).

من ناحية ثالثة؛ فإن أبا بكرة _رضي الله عنه_ راوي الحديث، فهم أن الحديث ليس خاصاً بالفرس وحدهم بل هو عام في كل قوم وكل امرأة حتى لو كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولذلك عمل به ولم يخرج معها حين تولت أمر المطالبة بالقصاص من قتلة عثمان _رضي الله عنه_، مع أنها من أمهات المؤمنين ومن علماء الصحابة.

2- قال الكاتب: (ولايات الأقاليم والأقطار والدول القومية والقطرية والوطنية... لا تدخل في ولاية الإمامة العظمى لدار الإسلام وأمته.. لأنها ولايات خاصة وجزئية، يفرض واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر المشاركة في حمل أماناتها على الرجال والنساء دون تفريق).

الجواب: كل من تولى أمر المسلمين في دولة أو إقليم فولايته هي ولاية عامة، يشترط فيمن يتولاها الذكورة، ولا يصح أن تتولاها المرأة، سواء تسمى الحاكم بالخليفة أو الملك أو الأمير أو الرئيس. أما وصف الولاية المعاصرة بأنها ولاية جزئية أو خاصة إنما هو وصف بالنسبة إلى ما هو أكبر منها وهو الولاية العظمى، وهذا لا يخرجها عن كونها ولاية عامة، قال الشوكاني: (يدخل في لفظ الإمارة الإمارة العظمى وهي الخلافة، والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد)(17). وقال: (يدخل في الإمارة: القضاء والحسبة ونحو ذلك)(18). كما أنه يجوز تسمية الملوك بالخلفاء، قال ابن تيمية: (ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين ‏[‏خلفاء‏]‏ وإن كانوا ملوكاً ولم يكونوا خلفاء الأنبياء؛ بدليل ما رواه البخاري ومسلم...: ‏"...وستكون خلفاء فتكثر..." فقوله‏:‏ ‏(‏فتكثر‏)‏ دليل على من سوى الراشدين؛ فإنهم لم يكونوا كثيراً‏)(19).‏

ومع وجود فروق بين الإمامة العظمى وبين سائر الولايات العامة؛ فإن شرط الذكورة ثابت في جميع الولايات العامة إلا ما خالف فيه الحنفية قول جمهور العلماء، حيث قال الحنفية بتوليها القضاء فيما تشهد فيه، وكذا ابن جرير حيث قال بتوليها القضاء مطلقاً وهو ما نفاه عنه أبو بكر ابن العربي وأنكر رواية ذلك عنه حيث قال: (ونُقل عن محمَّد بن جرير الطَّبَريِّ إمام الدِّين أَنَّهُ يَجُوز أَن تكون المرأَةُ قاضيةً؛ ولم يصحَّ ذلك عنه؛ ولعلَّه كما نُقِلَ عن أَبِي حنيفة أنها [إنَّما] تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأَن تَكون قاضيةً على الإطلاق، ولا بأَن يُكتب لها منشورٌ بأَنَّ فلانة مُقَدَّمَةٌ على الْحُكْمِ، إلا في الدِّماء والنِّكاح، وإنَّما ذلك كسَبِيلِ التَّحكيم أو الاسْتِبَانة في القضيّة الواحدة، بدليل قوله - صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم -: "لن يُفلحَ قومٌ وَلَّوْا أَمرَهم امرأَة". وهذا هو الظَّنُّ بأَبي حنيفةَ وابنِ جرير)(20).

فشرط الذكورة ليس من الفروق التي ذكرها العلماء بين الولاية العظمى وسائر الولايات، وهذه الفروق – كما ذكرها السيوطي رحمه الله- أربعة هي: القرشية، وعدم جواز تعدد الإمام في عصر واحد، ولا ينعزل بالفسق، ولا ينعزل بالإغماء، وضخامة ما يحدث في عزله من الفتن(21).

أما قول الكاتب: (يفرض واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشاركة في حمل أماناتها على الرجال والنساء دون تفريق) ففيه خطأ كبير، وضرب للأحكام الشرعية بعضها ببعض، وتجاوز لكثير من الأحكام، فالشريعة الإسلامية أوجبت على الجميع الرجال والنساء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن مع وجوب مراعاة الضوابط والأحكام التي شرعت لتنظيم حركة الرجل والمرأة في المجتمع المسلم ودور كل منهما، فقيام المرأة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني أن تتخلى المرأة عما أُمرت به من الستر وعدم الاختلاط والحجاب، أو تتجاوز ما منعه الشرع عنها، فالرجل مثلاً يختص بكونه يخطب الجمعة فيأمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يصح للمرأة أن تخطب الجمعة لتأمر وتنهى، وكذلك للرجل أن يتولى رئاسة الدولة ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يصح للمرأة أن تتولى الرئاسة، ومن ثم فلا يصح أن تكون الرئاسة طريقاً لها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- قال الكاتب: (تغير مفهوم الولاية العامة في عصرنا الحديث، وذلك بانتقاله من: "سلطان الفرد" إلى "سلطان المؤسسة"، والتي يشترك فيها جمع من ذوى السلطان والاختصاص... فإذا شاركت المرأة في هذه المؤسسات فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة لهذه السلطات والولايات بالمعنى الذي كان في ذهن الفقهاء الذين عرضوا لهذه القضية في ظل "فردية" الولايات، وقبل تعقد النظم الحديثة والمعاصرة، وتميزها بالمؤسسية والمؤسسات).

الجواب: ليس كل تغير يصلح أن تتغير به الأحكام، ولو كان الأمر كذلك لتغيرت أحكام الشريعة كلها، وهل يصح مثلاً أن نقول لا يجوز قصر الصلاة في هذا العصر؛ لأن وسائل السفر الآن تغيرت ولم يعد مفهوم السفر الآن كمفهوم السفر لدى الفقهاء قديماً، لأن وسائل السفر صارت مريحة وسريعة؟! لا يصح القول بذلك؛ لأن الحكم الشرعي هنا غير متعلق بوسائل السفر وتطورها، وإنما يتعلق بكون السفر سفراً، وكذلك هنا فإن حكم منع المرأة من الولايات العامة غير متعلق بتطور الإدارة أو تخلفها ووجود المؤسسية أو عدم وجودها، بل يتعلق بكونها امرأة.

من ناحية أخرى؛ فإن تلك المؤسسات مهما بلغ تقدمها الإداري لا بد لها من رئيس واحد يتولى أمرها، حتى لو كان الأمر راجعاً لجمع من ذوي السلطان والتخصص فلا بد لهذا الجمع من رئيس واحد يحكمهم، وهنا يعود الأمر حتى في ولاية المؤسسات المعاصرة إلى الفردية، وإلا فلماذا يحدث الصراع على الرئاسة وتولي الحكم في أكثر البلاد اعتماداً على نظام الحكم بالمؤسسات كأمريكا مثلاً؟! فالتطور في الإدارة من الفردية إلى المؤسسية لا يلغي سلطان الفرد، ولذلك يتميز عهد كل رئيس دولة بسياساته ورؤيته عن غيره من الرؤساء، ومن ثم لا يمكن القول بأن رئيس المؤسسة هو مجرد مشارك لجمع من ذوي السلطان والتخصص، بل هو رئيس - مهما شاركه ذوو التخصص- له صلاحياته الرئاسية الخاصة، والتي تمكنه من التحكم في المؤسسة وتوجيه سياساتها حسب رؤيته وخبراته وشخصيته، ومَن معه مِن ذوي التخصص مهما كثروا لا يمكن أن يقال فيهم إلا أنهم تحت سلطانه، وهذه هي الولاية، وهو المعنى نفسه الذي يقصده الفقهاء، ومن ثم فتطور الحكم من الفردية إلى المؤسسية وإن غيّر من بعض أساليب الولاية إلا أنه لم يغير من معنى سلطان الولاية، وبناء عليه فالحكم الشرعي لا يتغير ما دام معنى الولاية واحداً قديماً وحديثاً.

كما أن تطور الولاية من الفردية إلى المؤسسية أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ولا يمكن قياسه، وغير ثابت لأن الفردية والمؤسسية من الأحوال المتأرجحة، فقد تغلب المؤسسية في وقت، وقد تعود الأمور إلى الفردية في وقت آخر، وما كان نسبياً وغير ثابت لا يصلح أن يعلق عليه حكم شرعي كما هو مقرر في علم الأصول، ولذلك لم يرتبط الحكم الشرعي هنا بالفردية والمؤسسية، بل ارتبط بشروط يجب توفرها فيمن يتولى منصباً من مناصب الولايات العامة، ومن هذه الشروط شرط الذكورة. إضافة إلى هذا فإن الدول العربية على وجه الخصوص هي أبعد الدول عن معنى سلطان المؤسسة كما هو معلوم، فالكاتب يتكلم عن مؤسسية غير موجودة في واقعنا.

من ناحية أخرى فإن القضية ليست مرتبطة بتحول نظم الحكم في العصر الحديث من الفردية إلى المؤسسية، بل ترتبط بمنظومة متكاملة من الأحكام الشرعية تحكم وتنظم حياتنا، والواجب مراعاة هذا النظام الإسلامي والحفاظ عليه وعلى تكوينه، لأن الخلل والتهاون في جزء منه يؤدي إلى أضرار كبيرة في المجتمع، ومن ذلك الأحكام التي تنظم حركة المرأة في المجتمع، وتهدف إلى صيانتها وحفظها والإعلاء من كرامتها، وهنا نسأل كيف للمرأة مثلاً – ونحن هنا نتكلم عن المرأة المسلمة لا الغربية - إذا تولت منصب الرئيس أن تحافظ على ما أمرها به الشرع من الحجاب والستر وعدم السفر إلا بمحرم، وكيف تقوم بعقد اجتماعات تقتضي الخلوة برجل؟ وكيف لها أن تقوم بمهامها لو غضب عليها زوجها يوماً وأمرها ألا تخرج من البيت؟ وكيف لها أن تقود الأمة وقت الحرب وهي حامل، أو تباشر مهامها الرئاسية وهي في حال ولادة؟

4- قال الكاتب: (لقد تحدث القرآن الكريم عن ملكة سبأ - وهي امرأة - فأثنى عليها وعلى ولايتها للولاية العامة، فلم تكن العبرة بالذكورة أو الأنوثة في الولاية العامة، وإنما كانت العبرة بكون هذه الولاية مؤسسة شورية).

الجواب: قوله: "فأثنى عليها وعلى ولايتها للولاية العامة" غير صحيح، فأين هو هذا الثناء على بلقيس قبل أن تسلم في الآيات، وما هي ألفظ الثناء؟ بل السياق فيه ذم لها؛ لأنها كانت تعبد هي وقومها الشمس من دون الله، كما ورد الذم لها قبل إسلامها بأنها كانت من قوم كافرين، وكيف نجعل عملها حيث تولت الملك وهي كافرة قبل أن تسلم مصدر تشريع لنا، كما أن الآيات ليس فيها تصويب لتوليها الملك ولا حث على الاقتداء بها في ذلك، بل هي حكاية لواقع أمرها، وكل ما في الأمر هو أخذ العبرة واستفادة الحكمة من حسن تقديرها للأمور وأخذها بالمشورة. وقوله: (فلم تكن العبرة بالذكورة أو الأنوثة في الولاية العامة) مردود بنص الحديث، حيث علل الحديث عدم فلاح دولة الفرس بأنهم ولوا أمرهم امرأة، وهذا يشملهم ويشمل غيرهم وقد سبق بيان ذلك، قال أبو بكر بن العربي: (فِي الصحيح...: "لن يُفلحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمرَهُم امرأَة"، وهذا نَصٌّ في أَنَّ المرأَةَ لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه).

5- قال الكاتب: (من وقائع تطبيقات وممارسات مجتمع النبوة والخلافة الراشدة لمشاركات النساء في العمل العام بدءاً من الشورى... وحتى ولاية الحسبة والأسواق والتجارات التي ولاّها عمر بن الخطاب رضي الله عنه للشِّفاء... وانتهاء بالقتال.. وأيضًا الموالاة والتناصر بين الرجال والنساء في العمل العام... نعتقد أن ما سبق وأوردناه حول هذه القضية...كاف وواف في الردِّ على الذين يمارون في ولاية المرأة للعمل العام).

الجواب: دور المرأة في المجتمع الإسلامي دور عظيم وكبير، ولكن يجب أن يكون منضبطاً بما فرضه الله _تعالى_ على المرأة من الأحكام الخاصة بها، ولا يصح تصوير الأمر على أن منع المرأة من الولايات العامة عائق لتأدية المرأة دورها في المجتمع وإلا كان اتهاماً للشريعة بالاضطراب، وشريعة الإسلام منزهة عن ذلك، والصواب هو أن تقوم المرأة بدورها في المجتمع مع التزامها بالضوابط والأحكام الشرعية، وأن تقوم بدورها الذي وضعه الشرع لها وجعله مناسباً لطبيعتها وتكوينها البدني والنفسي، ولا تتعداه إلى دور الرجل الذي جعله الشرع مناسباً لطبيعته وتكوينه، وهذا هو ما حدث فعلاً في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة من مشاركة المرأة في تأسيس الدولة والشورى والمناصحة والمشاركة في بعض الغزوات، فلم يكن في ذلك خروج عن الدور الذي وضعه الشرع للمرأة أو الضوابط التي نظمت حركة المجتمع، ولم يفهم ولم يقل أحد بأن تلك المشاركات التي قامت بها المرأة كانت مناصب وولايات عامة تولتها المرأة.

أما الاستدلال بتولية عمر -رضي الله عنه- للشفاء فلا يصح، قال أبو بكر بن العربي: (وقد رُوِي أَنَّ عمر قَدَّمَ امْرَأَةً على حسْـبَة السُّوق، وَلَمْ يَصحَّ؛ فلا تَلْتَفِتُوا إليه؛ فإنّما هو من دسائس المبتدعة في الأَحاديث)(22).

_________________
(1) ثار الجدل حول هذا الموضوع قبل أشهر، حين فتح باب الترشح لمنصب رئاسة الدولة في مصر، وقامت بعض النساء بمحاولات للتقدم لهذا المنصب، ثم عاد الجدل مرة أخرى في شهر نوفمبر 2005م حول هذا الموضوع، لكنه تركز في نطاق بعض الهيئات الشرعية كمجمع البحوث الإسلامية ومشيخة الأزهر، ويقف وراء إثارة هذه القضية إعلامياً بعض من ناشطات حقوق المرأة، اللاتي لهن توجه علماني، ويرى كثير من المحللين أن هذه الإثارة هي فرقعات إعلامية، ولا علاقة لها بهموم المرأة وقضاياها الواقعية.
(2) هذه الشبهات مذكورة في برنامج إلكتروني على أنها حقائق الإسلام، تحت موضوع النموذج الإسلامي لتحرير المرأة، مبحث ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، والبرنامج اسمه: حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين، والاعتراض على هذا المقال لا يعني الاعتراض على جميع البحوث المطروحة في البرنامج، فهو مليء بالبحوث والمقالات المهمة، والتي تجلّي كثيراً من حقائق الإسلام بصورة جيدة، وتدفع كثيراً من الشبهات التي تثار حوله، ولكن يبدو أن كاتب هذا المقال، وهو غير مذكور، تأثر بضغط الدعوات التي تنادي بتولي المرأة ولاية كل شيء من الولايات الصغرى وحتى الولاية الكبرى، ولم يحرر بحثه من لوثات المفهومات الغربية والعلمانية، كما أن موقع المركز المصري لحقوق المرأة استخدم بعض هذه الشبهات للرد على الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر السابق؛ لأنه أصدر فتوى لم يجز فيها تولي المرأة منصب رئيس الجمهورية. ولا يخرج ما يُنشر من شبهات، في الغالب، في الوسائل الإعلامية الأخرى، عما أوردته للرد عليه هنا.
(3) المغني لابن قدامة المقدسي، كتاب القضاء، شروط القاضي.
(4) الأحكام السلطانية، ص 46.
(5) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله القرطبي المالكي، تفسير سورة البقرة.
(6) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/129.
(7) مجمع الأنهر، لعبد الرحمن بن محمد المشهور بشيخ زاده، كتاب القضاء.
(8) رواه أبو داود وغيره، انظر صحيح سنن أبي داود للألباني، كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ، رقم 3051.
(9) نيل الأوطار 8/ 264- 265.
(10) رواه أبو داود وغيره، وحسنه الألباني، انظر صحيح سنن أبى داود، كتاب الطهارة، باب المجروح يتيمم، رقم325.
(11) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تفسير سورة النساء.
(12) تفسير ابن كثير، تفسير سورة النساء.
(13) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 100، ومسلم، رقم: 2673.
(14) نيل الأوطار، كتاب الأقضية والأحكام.
(15) السيل الجرار، ج4، ص 274.
(16) سبل السلام، للصنعاني، كتاب القضاء، حديث رقم 13، ج4 ص 123.
(17) نيل الأوطار، كتاب الأقضية والأحكام، باب كراهية الحرص على الولاية وطلبها.
(18) المرجع السابق.
(19) مجموع الفتاوى، كتاب الفقه، باب الخلافة والملك وقتال أهل البغي.
(20) أحكام القرآن، لابن العربي، تفسير سورة النمل، الآية 23، الآية التاسعة: المسألة الثالثة.
(21) الأشباه والنظائر للسيوطي، ص 527.
(22) أحكام القرآن، لابن العربي، تفسير سورة النمل، الآية 23، الآية التاسعة: المسألة الثالثة.


  

السلام عليكم
الأخ الكربم، إن هذه العبارة "لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة" من مراسيل الحسن البصرى، وقد أجمع (أو هناك شبه إجماع) علماء الحديث على ضعف مراسيله، وأنا شخصيا لا أفهم لماذا صحح هذا الأثر وبني عليه منهج حياة، خاصة وقد قص الله-تعالى- علينا في كتابه الكريم خبر قوم أفلحوا في الدنيا و الأخرة حين ولوا أمرهم إمرأة.

أرجو التوضيح وشكرا.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أسأل الله تعالى لنا ولكم الهداية والفقه في الدين.
الأخ الفاضل/ نور الدين:
لك أن تطلع على ما يتيسر وتحبه من الكتب المعتمدة من شروح الأحاديث والتفسير والفقه حول هذا الحديث. لكن أرجو أن تسمح لي بملاحظات لي على تعليقك لإيضاح بعض النقاط:
قولك : (إن هذه العبارة... من مراسيل الحسن البصري) : هذا خطأ واضح
لأن هذا الحديث ليــس من مراسيل الحسن البصري، وإنما هو من أحاديثه التي رواها مرفوعة متصلة السند. فالمرسل هو سقوط واحد أو أكثر من آخر السند، بمعنى أن التابعي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير أن يذكر الصحابي الذي روى عنه الحديث. وحديث :"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه الحسن البصري عن الصحابي أبي بكرة رضي الله عنه، وأبو بكرة سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم..."
كما أن الحسن البصري ثبت سماعه من أبي بكرة، قال البخاري: "قال الحسن [يعني الحسن البصري]: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صل الله عليه وسلم على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه... قال البخاري: قال لي علي بن عبد الله المديني: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث" .
إذا نحن هنا لسنا أمام عبـارة، كما تقول، وإنما أمام حديث شريف مرفوع متصل، رواه الحسن البصري عن أبي بكرة، وسمعه أبو بكرة من رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح لأن البخاري رواه في صحيحه، في المغازي رقم 4073، وفي الفتن رقم 6570.
كما أن هذا الحديث لم يروه عن الصحابي أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه الحسن البصري وحده، بل رواه لنا غير الحسن البصري: ابن أبي بكرة واسمه عبد الرحمن ، انظر مسند أحمد، رقم 19603. ابن آخر لأبي بكرة هو عبد العزيز، انظر مسند أحمد ، رقم 19556. ورواه عبد الرحمن بن جوشن عن أبي بكرة، انظر مسند أحمد رقم 19507، 19573، 19575، 19576.
وقد أخرج الحديث أيضا برواية الحسن عن أبي بكرة: البخاري كما سبق، وأحمد في المسند رقم 19542، والترمذي في الفتن رقم 2188، باب ما جاء في النهي عن سب الرياح، وصححه الألباني رقم 2262، والنسائي في آداب القضاة رقم 5293، باب النهي عن استعمال النساء في الحكم، وصححه الألباني رقم 5388.
قولك: (وقد أجمع (أو هناك شبه إجماع) علماء الحديث على ضعف مراسيله) :
كما بينت لك هذا الحديث متصل، ولا وجود في هذه المسألة وأدلتها لمراسيل الحسن البصري، ومن ثم لا مجال للكلام عنها هنا أصلاً.

الأخ الفاضل
هذه تكملة للملاحظات على تعليقك
قولك: ( وأنا شخصيا لا أفهم لماذا صحح هذا الأثر وبني عليه منهج حياة) :
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل مجال، ما دام أنه ثبتت لنا صحته، ولا سيما إن ورد في صحيحي البخاري ومسلم اللذين أجمعت الأمة على قبولهما بعد كتاب الله تعالى، فإنه يجب العمل به وبناء منهج حياتنا عليه بحسب ما يبينه لنا العلماء من فقهه وأحكامه، كالأحاديث التي بينت كيفية الصلاة، ومقادير الزكاة.. إلخ.
قولك: (وقد قص الله-تعالى- علينا في كتابه الكريم خبر قوم أفلحوا في الدنيا والأخرة حين ولوا أمرهم إمرأة) :
لقد أخبرنا الله تعالى عن قوم هم خير من ملكة سبأ وقومها، وأنهم أفلحوا في الدنيا والآخرة، وهم إبراهيم عليه السلام وأبناؤه من الأنبياء، وأن من شريعتهم أن الذي يسرق تكون عقوبته أن يدفع إلى من سرق منه، ولذلك استطاع يوسف عليه السلام أن يأخذ أخاه حين وجد صواع الملك في رحله، قال تعالى: (قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [يوسف : 75]، قال ابن كثير: (هكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام أن السارق يدفع إلى المسروق منه)؛ فهل يصح أن نطبق تلك العقوبة الآن؟ لا يصح لأن هذا من شرع من قبلنا وقامت أدلة في شريعتنا على نسخه، قال الدكتور عبد الكريم زيدان: (النوع الثاني: أحكام قصها الله تعالى في قرآنه، أو بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، وقام الدليل من شريعتنا على نسخها في حقنا، أي أنها خاصة بالأمم السابقة، فهذا النوع لا خلاف في أنه غير مشروع في حقنا، من ذلك... قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" ...الحديث دل على حل الغنائم للمسلمين، وما كانت حلالاً للأمم السابقة) الوجيز، ص 260. وتولي المرأة الحكم فيمن سبق من الأمم، لا يصح أن يكون شرعاً لنا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ، ولهذا تجد كثيراً من المفسرين عند تفسير الآيات التي وردت فيها قصة ملكة سبأ يوردون هذا الحديث الشريف للتنبيه على عدم جواز تولي المرأة للحكم في شرعنا.


....(2)
سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي
223 - الحسن البصريّ، أبو سعيد
هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري.
.... وقد روى بالإرسال عن طائفة: كعلي، َوأم سلمة، ولم يسمع منهما، ولا من أبي موسى، ولا من ابن سريع، ولا من عبد الله بن عمرو، ولا من عمرو بن تغلب، ولا من عمران، ولا من أبي برزة، ولا من أسامة بن زيد، ولا منِ ابن عباس، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي ثعلبة، ولا من أبي بكرة، ولا من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من أبي سعيد.
قاله: يحيى بن معين.
وقال البخاري: لم يعرف للحسن سماع من دغفل.
وقال غيره: لم يسمع من سلمة بن المحبق، ولا من العباس، ولا من أبيٍّ.
قال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المدينِي:
يقال عن الحسن: أخذت بحجزة سبعين بدريا.
فقال: هذا باطل، أحصيت أهل بدر الذين يروى عنهم، فلم يبلغوا خمسين، منهم من المهاجرين أربعة وعشرون.
..... قال أحمد بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
قيل له: ففي بعض الحديث: حدثنا أبو هريرة!
قال: ليس بشيء.
..... والحسن - مع جلالته -: فهو مدلس، ومراسِيله ليست بذاك، ولم يطلب الحديث في صباه، وكان كثير الجهاد، وصار كاتبا لأمير خراسان الربيع بن زياد.
....قال محمد بن سعد: كان الحسن -رحمه الله- جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصِيحا، جميلا، وسيما، وما أرسله فليس بحجة.
.... وقال ابن عون: كان الحسن يروي بالمعنى.
.... قال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن عن فلان، وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لفلان المعين، لأن الحسن معروف بالتدليس، ويدلس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك. انتهى.
وهذه قاعدة المحدثين:
تيسير مصطلح الحديث: د. محمود الطحان

المدلس:
9- حكم رواية المدلس:
اختلف العلماءفي قبول رواية المدلس على أقوال أشهرها قولان:
أ) رد رواية المدلس مطلقا وإن بين السماع، لأن التدليس نفسه حرح. (وهذا غير معتمد)
ب) التفصيل: (وهو الصحيح).
1- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال "سمعت" أو نحوها قبل حديثه.
2- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال"عن" أو نحوها لم يقبل حديثه. انتهى.

وعلى هذا فبأي القولين أخدنا فالحديث مردود (ليس بشيء كما يقول يحيى بن معين)، لأن الحسن مشهور بالتدليس وقد عنعنه ولم يصرح بالسماع.
والطرق الأخرى لا تقوي هذه الرواية لمن تأمل أسانيدها جيدا.
والقضية لا علاقة لها بشرعنا وشرع من قبلنا لأن الله –سبحانه وتعالى – يخبر عن أمر, أما هذا القول فيخبر عما يناقضه.
لست صاحب المقالة ولم يتسن لي الإطلاع عليها، وإن كنت أود ذلك، وبالتالي فليس لي موقف مما جاء فيها، سواء أكان تأييدا أم اعتراضا.
نفع الله بكم والسلام.


(1)

السلام عليكم
الأخ الكريم شكر الله لكم، وبعد:
هذا هو الحديث كما ورد في صحيح البخاري:
4186 حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ".
6721 حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". انتهى.
والحديث معنعن لم يصرح فيه الحسن بالسماع.
وهذه آراء العلماء في روايات الحسن البصري:

نصب الراية، للزيلعي:
وأما المراسيل فهي أربعة: أشهرها مرسل أبي العالية. والثاني: مرسل معبد الجهني. والثالث: مرسل إبراهيم النخعي. والرابع: مرسل الحسن.
.... ثم أسند الدارقطني عن عاصم، قال: قال ابن سيرين: لا تاخذوا بمراسيل الحسن. ولا أبي العالية، وما حدثتموني قفلا تحدثوني عن رجلين من أهل البصرة عن أبي العالية. والحسن. فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا حديثهما.
وأسند عن ابن عون، قال: قال محمد بن سيرين: أربعة يصدقون من حدثهم، فلا يبالون ممن يسمعون: الحسن، وأبو العالية. وحميد بن هلال، ولم يذكر الرابع. وذكره غيره، سماه "أنس بن سيرين".
....

5- ثم لماذا تنسى قول الزيلعي في نصب الراية عن المراسيل، ولم تأت لنا بكلامه عن صحيح البخاري، وكلامه عن الحديث المرسل؟
قال الزيلعي عن الصحيحين: (صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تُكلم فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلا، ولا يروون ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات...) نصب الراية (1/ 341، 342) ط دار الحديث.
وقال الزيلعي عن الحديث المرسل:
(يرى الحنفية قبول الخبر المرسل إذا كان مرسله ثقة، كالخبر المسند، وعليه جرت جمهرة فقهاء الأمة، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إلى رأس المائتين، ولا شك أن إغفال الأخذ بالمرسل - ولا سيما مرسل كبار التابعين - تَرْكٌ لشطر السُّنَّة. قال أبو داود صاحب "السنن" في رسالته إلى أهل مكة المتداولة بين أهل العلم بالحديث: "وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء، فيما مضى، مثل سفيان الثوري. ومالك بن أنس، والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلم فيه"، وقال محمد بن جرير الطبري: "لم يزل الناس على العمل بالمرسل، وقبوله، حتى حدث بعد المائتين القول برده" كما في "أحكام المراسيل" - للصلاح العلائي، وفي كلام ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع، ومناقشة من ناقشهم بأنه يوجد بين السلف من يحاسب بعض من أرسل محاسبة غير عسيرة، مناقشة في غير محلها، لأن تلك المحاسبة إنما هي من عدم الثقة بالراوي المرسل، كما ترى مثل هذه المحاسبة في حق بعض المسندين، فإذن ليست المسألة مسألة إسناد وإرسال، بل هي مسألة الثقة بالراوي، والشافعي، لما رد المرسل، وخالف من تقدمه اضطربت أقواله، فمرة قال: إنه ليس بحجة مطلقاً، إلا مراسيل ابن المسيِّب، ثم اضطر إلى رد مراسيل ابن المسيِّب نفسه في مسائل، ذكرتها فيما علقت على طبقات الحفاظ، ثم إلى الأخذ بمراسيل الآخرين، ثم قال بحجية المرسل عند الاعتضاد، ولذلك تعب أمثال البيهقي في التخلص من هذا الاضطراب، وركبوا الصعب، وفي "مسند" الشافعي نفسه مراسيل كثيرة، بالمعنى الأعم الذي هو المعروف بين السلف، وفي "موطأ مالك"، نحو ثلاثمائة حديث مرسل، ... وفيما علقناه على شروط الأئمة الخمسة، وجه التوفيق بين قول الفقهاء بتصحيح المرسل، وقول متأخري أهل الرواية بتضعيفه، مع نوع من البسط في الاحتجاج بالمرسل، بل البخاري نفسه تراه يستدل في كتبه بالمراسيل، وكذا مسلم في المقدمة، وجزء الدباغ، ولا يتحمل هذا الموضع لبسط المقال في ذلك بأكثر من هذا).
وأخيراً : قول ابن معين (ليس بشيء) ليس كما استعملته في تعليقك على معنى واحد، فقد تكون أحياناً بمعنى قلة الحديث؛ قاله ابن القطان الفاسي. كما في هدي الساري421

4- ليست كل أسانيد الحديث الأخرى ضعيفة كما تقول، فمنها ما هو صحيح أو حسن، فلماذا تغفل تصحيح العلامة الألباني للحديث في سنن الترمذي وسنن النسائي من طريق الحسن، كما أن من روايات المسند من غير طريق الحسن البصري، رواية عبد الرحمن بن جوشن، صهر أبي بكرة على ابنته (وهو ثقة- ابن حجر، ووثقه أبو زرعة) عن أبي بكرة رضي الله عنه، ورواه عن عبد الرحمن بن جوشن: عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن (وثقه ابن معين والنسائي، وهو عند ابن حجر وأبي حاتم صدوق)، ورواه عن عيينة:
- يحيى بن سعيد القطان: (وهو إمام حافظ متقن قدوة - ابن حجر، وقال الذهبي عنه: الحافظ الكبير، قال العجلي: كان نقي الحديث لا يحدث إلا عن ثقة)، ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان في المسند برقم 19889: (حدثنا يحيى عن عيينة حدثني أبي عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة").
- يزيد بن هارون: (قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، وقال ابن معين: ما رأيت أحفظ منه، وقال أحمد: حافظ متقن)، ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون في المسند برقم 19964 : (حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عيينة عن أبيه عن أبي بكرة: لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة").
وإليك هذه الأسانيد الأخرى، لو أحببت دراستها وإن كان فيها ما هو ضعيف:
فالحديث أخرجه الحاكم في المستدرك، انظر : 4608، 7790، 8599.
وأخرجه البزار في مسنده، انظر: 3647، 3648، 3649، 3684، 3685، 3688.
كما أخرجه الطبراني في الأوسط عن جابر بن سمرة برقم 4855، وانظر مجمع الزائد: 9060، 9061.

وعلى كل حال فسوف أبين هنا بعض الأخطاء التي ذكرتها في تعليقك الثاني:
1- نقلت كلام الذهبي في سير أعلام النبلاء، وهو كما الطبعة التي معي (ص 566)، لكن لو قرأت الصفحة السابقة لهذه الصفحة لوجدت الإمام الذهبي يقول عن الحسن البصري (ص565): (رأى عثمان وطلحة والكبار. وروى عن عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة...وأبي بكرة الثقفي، والنعمان بن بشير...).
ثم لماذا تنسى كلام الذهبي عن رجال الصحيحين! قال الذهبي: (من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين: أحدهما: ما احتجا به في الأصول. ثانيهما: من خرجا له متابعة وشهادة واعتباراً. فمن احتجا به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز؛ فهو ثقة، حديثه قوي. ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه؛ فتارة يكون الكلام تعنتاً، والجمهور على توثيقه، فهذا حديث قوي أيضاً. وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن، التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول وروايته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة.... فكل من خرج له في الصحيحين فقد قفز القنطرة فلا معدل عنه إلا ببرهان بين) الموقظة في علم مصطلح الحديث، للذهبي، (79،80).
2- ثم إنك نقلت عن سير أعلام النبلاء أيضاً قوله: (قال محمد بن سعد: كان الحسن -رحمه الله- جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصِيحا، جميلا، وسيما، وما أرسله فليس بحجة). وهو في الطبعة التي معي ص 572. ولكن هذا النقل في طبعة سير أعلام النبلاء ناقص، فحين تنظر في طبقات ابن سعد في الجزء السابع، الحسن البصري: ستجد أن كلام محمد بن سعد بكماله هو: (وكان الحسن جامعاً عالماً رفيعاً فقيهاً ثقة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً، وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فحسن حجة، وما أرسل من الحديث فليس بحجة) انظر: الجزء السابع من الطبقات، فالكلام الناقص الذي سقط في سير أعلام النبلاء من كلام محمد بن سعد هو: (وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فحسن حجة). وهذا كما تعلم يحل لك بعض الإشكال الذي عندك، فهو يقول هنا أن ما أسنده الحسن البصري عمن سمعه فهو حجة. فسماع الحسن البصري من أبي بكرة ثابت، كما قال شيخ البخاري الحافظ علي بن عبد الله المديني، في كتابه (علل الحديث ومعرفة الرجال ص 60)، حيث قال : (سمع الحسن [البصري] من عثمان بن عفان –وهو غلام- يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص، ومن أيى بكرة...). وقال الحافظ المزي في تهذيب الكمال عمن روى عنه الحسن البصري: (روى عن ...أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي).

الدكتور محمود الطحان نفسه يقول: (هناك بعض الأحاديث لسنا في حاجة للبحث في أسانيدها، لأن الجهابذة من أئمة الحديث ونقاده قد بحثوا فيها بدقة وعناية تامتين مع ما كانوا عليه من المهارة والاطلاع الواسع على قواعد هذا الفن ومعرفة علل الحديث الغامضة، لذا فقد كفينا مؤنة البحث في الأحاديث التي بحث الأئمة السابقون فيها، وأعطوا حكمهم على تلك الأسانيد والمتون، فلا حاجة إذن لإعادة البحث فيها، وإلا صرنا كمن يكيل البحر؛ فلا هو بمستطيع ولا مستفيد شيئاً. ومن هذه الأحاديث التي بحث الأئمة السابقون في أسانيدها. ومتونها أيضاً: الأحاديث التي في الصحيحين أو أحدهما (أي صحيحي البخاري ومسلم): فقد التزم البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى إخراج الأحاديث الصحيحة بأسانيد نظيفة لا تحوي رجالاً ضعفاء أو متروكين، كما أنها خالية من العلل القادحة الخفية التي تقدح في صحة الحديث. فوجود الحديث في أحد الصحيحين يكفي للحكم على صحة الحديث، ولا حاجة إلى البحث في إسناده، لأن الغاية من البحث في الإسناد إنما هو الوصول إلى معرفة صحة الحديث أو عدم صحته.
ولا تغتر بما يثيره بعض الناس –باسم البحث العلمي أو غير ذلك من الشعارات- في هذه الأيام من أنه يوجد بعض الأحاديث الضعيفة في الصحيحين أو أحدهما، ويعزون ذلك إلى نتيجة بحثهم العلمي الذي توصلوا إليه، حسب قواعد أصول الحديث وعلومه، أو إلى مخالفة تلك الأحاديث للعقل – أي عقلهم – أو لتعاليم الطب. أو لقواعد بعض العلوم الكونية المسلمة عندهم أو غير ذلك من التعليلات. فهؤلاء إما أشخاص لهم إلمام بالحديث وعلومه أرادوا إظهار أنفسهم بأنهم علماء كبار عندهم المقدرة العلمية التي تمكنهم من أن يتعقبوا أئمة الحديث ويبينوا أخطاءهم، ولسان حال هؤلاء كما قال الشاعر:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل
وإما أشخاص مستأجرون من قبل أعداء الإسلام، وأكثر هؤلاء ليس عندهم علم بالحديث وعلومه... فويل لهؤلاء مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ص 208.
قال الشوكاني: (أجمع أهل هذا الشأن على أن أحاديث الصحيحين، أو أحدهما كلها من المعلوم صدقه بالقبول المجمع على ثبوته، وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة ويزول كل تشكيك. وقد دفع أكابر الأمة من تعرض للكلام على شيء مما فيهما، وردوه أبلغ رد، وبينوا صحته أكمل بيان، فالكلام على إسناده بعد هذا لا يأتي بفائدة يعتد بها، فكل رواته قد جاوز القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين واهن) قطر الولي: ص 230، 231
قال ابن حجر عن أحاديث الصحيحين وأنها متلقاة بالقبول: (هذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر) شرح النخبة ، ص 21، 24.
قال أبو إسحاق الإسفرائييني في كتابه أصول الفقه: (أهل الصّنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال...) نقله عنه الزركشي في نكته على ابن الصلاح.
قال العلامة أحمد شاكر: (الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحقيقين ومن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها ليس في واحد منها مطعن أو ضعف...) شرح أحمد شاكر لألفية السيوطي، ه 11، ط مكتبة ابن تيمية.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
الأخ الفاضل نور الدين/
هدانا الله وإياك، أرجو أن يتسع صدرك لما سأقوله، وأن تراجع من لديكم من أهل العلم ليزيل ما لديك من إشكالات أو شبهات:
لكن لتعلم أنه لا يصح، مع العلم وأئمة العلم، كأمير المؤمنين في الحديث البخاري، أن يطلع أحد على ورقات من كتاب سير أعلام النبلاء، وبعض كتب المبتدئين في مصطلح الحديث، ليتكلم بعدها في أحاديث البخاري ويقول هذا حديث مردود فيما أثبته البخاري في صحيحه، وما أجمعت عليه الأمة بالقبول. الأمر هنا لا يحتاج إلى بحث في الحديث، ولكن يحتاج إلى مراجعة للنفس، ومعرفة قدرها أمام جبال العلم، والإقبال أولاً على التأدب معهم ومع أقوالهم، مع التنبه إلى أن قراءة بعض الكتب في علم ما لا تعني فهم أسراره، ولا القدرة على الخوض في غماره. ولا بد أن تفرق أيها الأخ الكريم بين قراءة كتاب في مصطلح الحديث، وبين سبر غور هذا العلم، إذ لا يصح لمبتدئ أن يستعمل ما قرأه في بداية طلبه لمصطلح الحديث في نطح الأسانيد، ولا سيما إن كانت من الجبال الراسية في الصحيحين.
وإذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: (أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني: كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً) (ابن أبي حاتم آداب الشافعي : 94،95، وانظر الأم 1/ 13) فهل يصح لباحث مبتدئ أو طالب علم أن يرفع رأسه أمام أعلام الأئمة الراسخين!
قال الحافظ ابن حجر عن التعليل: (... وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهماً غائصاً، واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا الأفراد أئمة هذا الشان وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، ولاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك) النكت لابن حجر على ابن الصلاح، 2/711.

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ نور الدين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو أن تسمح لي بعرض رأيي فيما قلته من تعليق:
لكن قبل أن أبدأ أرجو أن تعلم أولاً أن المدلسين ليسوا على مرتبة واحدة، وليس كل ما رووه بالتدليس على درجة واحدة، كما أن (التدليس ليس كذباً، وإنما هو ضرب من الإبهام بلفظ محتمل) كما ذكر ابن الصلاح ص35، كما أن ما أخرجه صاحبا الصحيحين من أحاديث معنعنة لبعض من فيهم تدليس محمول على ثبوته لديهم بالسماع كما قال أهل العلم:
قال ابن شرف في التقريب: (وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى).
وقال الحافظ أبو سعيد صلاح الدين العلائي في (جامع التحصيل لأحكام المراسيل): ( هؤلاء كلهم ليسوا على حد واحد بحيث أنه يتوقف في كل ما قال فيه واحد منهم (عن) ولم يصرح بالسماع، بل هم على طبقات: ... ثانيها: من احتمل الأئمة تدليسه، وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع، وذلك إما لإمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة، وذلك كالزهري وسليمان الأعمش وإبراهيم النخعي... والثوري وابن عيينة وشريك وهشيم، ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ (عن) ونحوها عن شيخه وفيه تطويل، والظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم آنفاً من الأسباب). ومن أمثلة العنعنات التي في الصحيحين، على الرغم مما ذكره بعض العلماء من عدم وجود ما يثبت السماع من قائلها لمن روى عنه : رواية سليم بن عامر عن المقداد، قال أبو حاتم لم يدرك المقداد بن الأسود، وحديثه عنه في صحيح مسلم. وعامر الشعبي أنكر أحمد سماعه من أبي هريرة، وخرجا في الصحيحين حديثه عنه، وأبو عبيدة ما سمع أباه ابن مسعود، وحديثه في الصحيح. فهذا القبول لهذه العنعنات لأحد الأسباب المتقدمة التي ذكرها العلائي.
وقال النبهاني في المنظومة البيقونية: (المدلس: ...وبعضهم جعل المدلس ثلاثة أقسام: أحدها: أن يسقط اسم شيخه...وإنما يكون تدليسا إذا كان المدلس قد عاصر الذي روى عنه أو لقيه ولم يسمعغ منه ، أو سمع منه ولم يسمع ذلك الذي دلسه عنه، فلا يقبل ممن عرف بذلك إلا ما صرح فيه بالاتصال كسمعت. وفي الصحيحين من حديث أهل هذا القسم المصرح فيه بالسماع كثير... وما فيهما من حديثهم بالعنعنة ونحوها محمول على ثبوت السماع عند المخرّج من وجه آخر، ولو لم نطلع عليه، تحسيناً للظن بصاحبي الصحيحين). النخبة النبهانية، ص 109.

...(2)
صحيح مسلم: للإمام مسلم
10 - (2069) حدثنا يحيى بن يحيى. أخبرنا خالد بن عبدالله عن عبدالملك، عن عبدالله، مولى أسماء بنت أبي بكر. وكان خال ولد عطاء. قال:
أرسلتني أسماء إلى عبدالله بن عمر. فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله. فقال لي عبدالله: أما ما ذكرت من رجب، فكيف بمن يصوم الأبد. وأما ما ذكرت من العلم في الثوب، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنما يلبس الحرير من لا خلاق له) فخفت أن يكون العلم منه. وأما ميثرة الأرجوان، فهذه ميثرة عبدالله، فإذا هي أرجوان.
فرجعت إلى أسماء فخبرتها فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية. لها لبنة ديباج. وفرجيها مكفوفين بالديباج. فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت. فلما قبضت قبضتها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها. فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها.
وحري بنا أن نقتدي بأسماء-رضي الله عنها- في مثل هذه الحالة.
أما ما نقله ابن كثير في تفسيره وكذلك ابن أبي حاتم:
تفسير ابن أبي حاتم
15244 حدثنا أبي، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد قال: ثنا أيوب قال: سمعت الحسن، يقول: وسئل عن هذه الآية: والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قال: " ولوا أمرهم علجة تضطرب ثدياها ".
فإنها عبارة تكشف عن نظرة جاهلية إلى المرأة تجعل من الصعب على المرء أن يتقبل ما يأتيه من هذا الطريق سواء أسند او لم يسند.
دام فضلكم والسلام.


(1)
السلام عليكم
الأخ الكريم، لنتأمل مثلا رواية الطبراني لهذا الأثر:
المعجم الأوسط للطبراني
5012 حدثنا عبد الوارث بن إبراهيم أبو عبيدة قال: نا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة قال: نا أبو عوانة قال: نا سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لن يفلح قوم يملك أمرهم امرأة ". "لا يروى هذا الحديث عن جابر بن سمرة إلا بهذا الإسناد ، تفرد به: عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة".
وهو مذكور في:
مجمع الزوائد. للحافظ الهيثمي
9060-عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم يملك أمرهم امرأة".
رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه أبي عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
ومعنى هذا أن عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة ثقة عند الحافظ الهيثمي، ولكن...
لنتأمل جيدا رأيه فيه عندما يروي أحاديث أخرى:
مجمع الزوائد. للحافظ الهيثمي
11522-وعن حفصة بنت سيرين قالت لنا أم عطية: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمنع الماعون قلت: وما الماعون؟ قالت: ما يتعاطاه الناس بينهم.
وفيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة وهو متروك.
13162- وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمن، إن شاء أشار وإن شاء لم يشر".
رواه الطبراني من طريقين في إحداهما إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، وفي الأخرى عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة وهو متروك.
18185- وعن أم عطية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بحفظ فروجنا وألسنتنا وقال: "إنهما يوردانكن ولا يصدرانكن".
رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة وهو متروك.
وهو فعلا كذلك عند الزيلعي.
نصب الراية، للزيلعي
-وأما حديث أنس، فأخرجه الدارقطني عن داود بن المحبر عن أيوب بن خوط عن قتادة عن أنس، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي بنا، فجاء رجل ضرير البصر يمثل الأول، ثم قال داود بن المحبر: متروك الحديث، وأيوب ضعيف، والصواب من ذلك قول من رواه عن قتادة عن أبي العالية مرسلاً، ثم أخرجه عن عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة ثنا سلام بن أبي مطيع عن قتادة عن أنس. وأبي العالية أن أعمى تردى فذكره، وقال: لم يروه عن سلام غير عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو متروك يضع الأحاديث.
وسأتجنب الكلام عن الأسانيد الأخرى عمدا وليس نسيانا ولا هروبا.
أما ما أوردته فضيلتكم عن المرسل من قواعد عامة فإنه لا ينفي ولا يناقض ما قيل عن مرسل الحسن خاصة، ويبدو لي أن ابن سيرين من أعلم الناس به.
والمرسل يبقى في النفس دوما منه شيء، ومتى عارض المحكم من كتاب الله فهو "لا شيء" ومعذرة إن كانت هذه العبارة لا تعجبك.
...
السلام عليكم
هذه خواطر عن ملكة سبأ أحببت أن أضيفها لعلاقتها بالموضوع.
أثنى الله-سبحانه وتعالى- عليها في عدة مواضع:
- "قالت إني ألقي إلي كتاب كريم" ولم تمزقه كما فعل ذلك بعض الذكور مع كتاب رسول الله-ص-.
- "قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون" تأصيل لمبدإ الشورى والعمل المؤسساتي في إدارة شؤون الدولة على لسانها.
- "قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة" إشارة إلى بعد نظرها وحسن تقديرها لعواقب الأمور وعدم انخداعها بحماسة المحيطين بها.
- "وكذلك يفعلون" تصديق من رب العزة لكلامها وهو ثناء عظيم.
- "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون" وهذا عين الحكمة.
- "قالت كأنه هو" فيه دلالة على رباطة جأشها ورجاحة عقلها.
- "إنها كانت من قوم كافرين" ولم يقل إنها كانت كافرة والفرق واضح وشاسع.
- "قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين" خصها من دون قومها بذكر إسلامها، وفي هذا إشارة لكون إسلام قومها كان تبعا لإسلامها وبهذا عظمت بركتها على قومها وخلد الله ذكرها في العالمين.
إن نبي الله سليمان-عليه السلام- كان أكبر همه هداية الناس وتعبيدهم لرب العالمين وليس جمع الأموال ونكاح النساء، وكان نبيا من الصالحين ولم يكن ملكا من المفسدين.
إن نبي الله سليمان-عليه السلام- الذي رد الهدية وهي له حلال لم يكن ليعقد مجلسا يحضره سراة الإنس والجن كي يعينوه على غنم عرشها والغنيمة عليه حرام.
إن نبي الله سليمان-عليه السلام- عندما نكر عرشها زاد فيه وجعله أجمل مما كان.
إن ملكة سبأ كانت ملكة صدق لا تخون قومها وقد أشكل عليها كيف تقنع قومها بترك عبادة إله بزعمهم يرونه صباح مساء، ويستبدلوا به إلها آخر لا يمكنهم رؤيته، فبنى نبي الله سليمان الحكيم-عليه السلام- الصرح لكي يريها وقومها أن البصر يزيغ فلا يصلح بالتالي أن نعتمد عليه في معرفة الإله.
فلما أسلمت رد إليها عرشها وملكها وما زادها الإسلام إلا عزة ورفعة وغنى وما أنقصها شيئا ولا خيب ظنها.
البعض يظن أن الله-سبحانه وتعالى- إنما قص علينا خبر القوم لكي يعلمنا حيل الأنبياء في الكشف عن عورات النساء، ولكن نفسي لا تستسيغ هذا التفسير.
مع التحية.
صلى الله على محمد وعلى أزواجه وذريته وسلم.
سلام.


هل كان في القرآن إقرار لتملك بلقيس سبأ وترؤسهاعليهم؟!
لا .. بل الهدهد حين أخبر بخبرها سليمان استنكر تملكها على قومها، قبل أن يستنكر كفرها وسجودها وقومها للشمس فقال لسليمان مستنكراً وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (النمل:22-24).

ولما جاءها تهديد سليمان الملك عليه السلام!! صانعت سليمان، بأن أرسلت إليه هدية، ولما علمت أنه ليس ملكاً من ملوك الدنيا ممن يشترون بالهدايا، وعلمت عزمه على غزوهم، أدخل الله الإسلام في قلبها، وطاوعت سليمان فخرجــت عن ملكها، وجاءته مسلمة مذعنة.


  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق