يسري صابر فنجر | 21/12/1426
إني في البداية أتمنى وأرجو من الله – عز وجل – أن يعود كل حاج إلى أهله سالماً غانماً مغفوراً له، مقبولاً سعيه، وأقول لكل حاج: كيف تجد قلبك الآن وبماذا تحس؟ وما هو شعورك؟ هل تعود فتنغمس في الدنيا كما كنت من قبل أو لابد من التغيير؟ "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: من الآية11).
وهذا التغيير ما هي خطواته وما مراحله؟ أخي الحاج: لقد قضيت أياماً منذ خروجك من بيتك عاقداً العزم على الحج وأنت مع الله –عز وجل- قلباً وقالباً، مؤتمراً بأمره، بعيدا عن نهيه، تاركاً الأهل والدنيا وراء ظهرك، تنتظر حتى تأتي الميقات فتحرم، ثم تلبس الإحرام وتنوي، وتأتي البيت الحرام فتطوف وتسعى وتبيت وتقف بعرفات، وترمي وتتحلل، خروج من طاعة إلى طاعة، ومن أمر الله إلى أمر الله فاحذر أن ترجع إلى بلدك فتخالف أمره _سبحانه_ فلابد أن تستمر على ذلك؛ لأن أمر الله لا ينفك عنك منذ مجيئك إلى هذه الدنيا ومنذ ولادتك، وها قد عدت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك فاحذر أن تسود هذه الصفحة البيضاء بخطاياك، وزينها بحسناتك لتقابل الله -عز وجل- على ذلك، ذكر في البخاري (1521) ومسلم (1350) عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" يقول الحافظ ابن رجب –رحمه الله-: مباني الإسلام الخمس، كل واحد منها يكفر الذنوب والخطايا ويهدمها، ولا إله إلا الله لا تبقي ذنباً، ولا يسبقها عمل، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق، يرجع صاحبه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقد استنبط معنى هذا الحديث من القرآن طائفة من العلماء، وتأولوا قول الله –تعالى-: "فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى" (البقرة: من الآية203)، بأن من قضى نسكه ورجع منه فإن آثامه تسقط عنه إذا اتقى الله -عز وجل- في أداء نسكه، وسواء نفر في اليوم الأول من يومي النفر متعجلاً، أو تأخر إلى اليوم الثاني.
وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" رواه عبد بن حميد في مسنده (1150) وابن حجر في المطالب العالية (1162) من حديث جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- وفي صحيح مسلم (21) من حديث عمرو بن العاص –رضي الله عنه- قوله –صلى الله عليه وسلم-: "وأن الحج يهدم ما قبله" وفي البخاري (1773) ومسلم (1349) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قيل للحسن: الحج المبرور جزاؤه الجنة قال: آية ذلك أن يرجع زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، وقيل له: جزاء الحج المبرور المغفرة قال: آية ذلك أن يدع سيئ ما كان عليه من عمل.
فأنت أيها الحاج بينك وبين الله عهود أكيدة، أولها: يوم "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" (الأعراف: من الآية172) والمقصود الأعظم من هذا العهد ألا تعبدوا إلا إياه. وتمام العمل بمقتضاه أن اتقوا الله حق تقواه. وثانيها: يوم أرسل إليكم رسوله –صلى الله عليه وسلم- وأنزل عليه في كتابه "وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ" (البقرة: من الآية40)، قال سهل التستري: من قال: لا إله إلا الله فقد بايع الله، فحرام عليه إذا بايعه أن يعصيه في شيء من أمره، في السر والعلانية، أو يوالي عدوه، أو يعادي وليه.
| يا بني الإسلام من علمكم | بعد إذ عاهدتم نقض العهود | |
| كل شيء في الهوى مستحسن | ما خلا الغدر وإخلاف الوعود |