جماز الجماز | 21/12/1426
ذكرنا في الحلقة الأولى من القضية التي بين يدينا (المقومات الشخصية للداعية) بعضاً من حاجة المجتمع لهذا الداعية، وبعض الصفات التي يجب أن يتحلى بها، وبعض العوامل في تكوين شخصيته. ونستكمل اليوم الحديث عن البند الأخير، بذكر عوامل أخرى، منها:
3 – أن يعلم الشاب فضل الدعوة والداعية:
أتعرفون يا شباب فضل الدعوة والداعية عند الله؟
أتعرفون المنزلة الكبرى التي خصّ الله بها دعاة الإسلام؟
أتعرفون ماذا أعد الله للدعاة من مثوبة وأجر وكرامة؟
يكفي الدعاة منزلةً ورفعةً أنهم خير هذه الأمة على الإطلاق "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..." (آل عمران: من الآية110).
يكفي الدعاة سمواً وفلاحاً أنهم المفلحون والسعداء في الدنيا والآخرة "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (آل عمران:104).
يكفي الدعاة شرفاً وكرامة أن قولهم في مضمار الدعوة أحسن الأقوال، وأن كلامهم في التبليغ أفضل الكلام "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (فصلت:33).
يكفي الدعاة منّاً وفضلاً أن الله _سبحانه_ يشملهم برحمته الغامرة، ويخصهم بنعمته الفائقة "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة:71).
يكفي الدعاة أجراً ومثوبة أنّ أجرهم مستمر، ومثوبتهم دائمة، قال _صلى الله عليه وسلم_: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً..." [حديث صحيح، أخرجه مسلم].
يكفي الدعاة فخراً وخيرية.. أن تسبّبهم في الهداية خير مما طلعت عليه الشمس وغربت، قال _صلى الله عليه وسلم_: "... فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" [حديث صحيح، أخرجه البخاري 7/70 برقم 3701]، وفي حديث آخر "خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت" [حديث ضعيف، أخرجه الطبراني في الكبير (ضعيف الجامع 4646)].
هل رأيتم يا شباب منزلة تضاهي منزلة الدعوة؟
هل سمعتم في تاريخ الإنسانية كرامة تعادل كرامة الداعية؟
فإذا كان الأمر كذلك فانطلقوا أيها الشباب في مضمار الدعوة إلى الله مخلصين صادقين.. لتحظوا بالأجر والمثوبة، والرفعة والكرامة.. في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. في مجمع من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقاً!!
4 – أن يعرف الشاب الأسلوب الأقوم في التأثير على الآخرين:
إن من معالم الأسلوب الأقوم في التأثير أيها الشباب أن يكون فعل الداعية مطابقاً لقوله "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" (الصف:2، 3)، وفي الآية تنديد بالذين يدعون غيرهم إلى الخير وينسون أنفسهم "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" (البقرة:44).
ومن معالم الأسلوب الأقوم في التأثير، دراسة البيئة التي يتم فيها تبليغ الدعوة، فعلى الداعية أن يعرف مراكز الضلال ومواطن الانحراف، وأسلوب العمل الذي يتفق مع عقلية الناس واستعداداتهم ومستوى تفكيرهم، ومبلغ استجابتهم وتقبلهم.
فبلد انتشرت فيه الشيوعية أو الوجودية أو الماسونية، وأصبحت عند أهله انحرافات فكرية وعقدية وخلقية، مثل هذا البلد تختلف الكتب التي ينبغي أن تُنشر فيه، ونوعية المحاضرات التي تُحاضَر فيه، وموضوع الأسئلة والمناقشات التي تُطرَح فيه، تختلف كلياً عن بلد فيه نصارى، وفيه أفكار رأسمالية، وفيه نزعة إلى الحرية والديمقراطية، قال _صلى الله عليه وسلم_: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" [حديث ضعيف، أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس، ضعيف الجامع 23].
ومن معالم الأسلوب الأقوم في التأثير البدء بالأهم فالمهم: البدء في الدعوة بعقيدة التوحيد قبل العبادة، وبالعبادة قبل مناهج الحياة، وبالكليات قبل الجزئيات، وبالتكوين الفردي قبل الخوض في غمار السياسة.
وهذه هي طريقة النبي _صلى الله عليه وسلم_، وطريقة أصحابه الكرام _رضوان الله عليهم_ في الدعوة كما في حديث معاذ المشهور، كل هذا حتى يستطيع أن يؤثر على الآخرين، وينتشلهم من وهدة الضلال إلى رياض الهداية.
ومن معالم الأسلوب الأقوم في التأثير، الملاطفة الخالصة في دعوة الآخرين إلى الإسلام.
وما أجمل ما عبر عنه القرآن في أسلوب الدعوة وأخلاق الداعية حين قال: "وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران: من الآية159)، وقوله: "فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" (طـه:44)، ويحضرني الآن – أيها الشباب – قصة الرجل الواعظ الذي دخل على أبي جعفر المنصور، وقد أغلظ عليه في الكلام، فقال له أبو جعفر: يا هذا ارفق بي، أرسل الله _سبحانه_ من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل الله موسى إلى فرعون فقال له: "فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى"، فخجل الرجل على ما بدر منه، وعرف أنه لم يكن أفضل من موسى _عليه السلام_، وأن أبا جعفر لم يكن أشد شراً من فرعون!!
وقد جاء غلام شاب إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ فقال له: يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: "قربوه، اُدن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال _عليه السلام_: أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: فكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم" حتى ذكر العمة والخالة، ثم وضع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يده على صدره وقال: "اللهم طهّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصِّن فرجه" فلم يكن شيء أبغض عليه من الزنا!! [حديث صحيح، أخرجه أحمد 5/256-257، الصحيحة 1/645 برقم 370].
أيها الشباب: إن مطابقة أفعالكم لأقوالكم؛ الناس يستجيبون لكم ويثقون بكم..
أيها الشباب: إن دراستكم للبيئة التي تدعون؛ تجعل جهودكم مباركة ولا تذهب أدراج الرياح..
أيها الشباب: إن بدئكم الدعوة إلى الله بالأهم فالمهم.. يحقق الله الهدى والخير على أيديكم..
أيها الشباب: إن ملاطفتكم للناس حين تبلّغون رسالات ربكم، القلوب ترنوا إليكم، والنفوس تتعلق بكم، والناس يقبلون على دعوتكم، فاحرصوا يا شباب أن تكونوا الدعاة الموفقين، والهداة الناجحين، والجنود العاملين المخلصين، فالله لا يخيّب مسعاكم، ولن يتركم أعمالكم، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم...
5 – أن يعمق الشاب في نفسه عقيدة القضاء والقدر:
إنه ينبغي أن يترسخ في نفس المسلم، ولا سيما الداعية إلى الله...
إن معنى ذلك أن تعتقد أن الآجال بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعليه أن يضع نصب عينيه قوله _تعالى_: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (التوبة:51)، وأن يردد صباح مساء قوله جل جلاله: "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً..." (آل عمران: من الآية145)، وبهذا يتحرّر الداعية من الخوف والجزع، ويتحلى بالشجاعة والإقدام، ويهتف بما هتف به علي _رضي الله عنه_حين كان يجابه الأعداء، ويقارع الكفار في غمرات الحروب والوغى:
| أيُّ يوميّ من الموت أفرّ | يوم لا يُقدر أم يوم قُدِر | |
| يوم لا يُقدر لا أرهبه | ومن المقدور لا ينجو الحَذِر |
| أنا إن عشتُ لست أعدم قوتاً | وإذا مت لست أعدم قبرا | |
| همتي همة الملوك ونفسي | نفسُ حرٍّ ترى المذلة كفرا | |
| وإذا ما قنعت بالقوت عمري | فلماذا أخاف زيداً وعمروا |
| حب السلامة يُثني هم صاحبه | عن المعالي ويغري المرء بالكسل | |
| فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاً | في الأرض أو سلماً في الجو فاعتزل |