محمد سعد | 30/5/1426
القضية الثالثة: دور المعلم في الموقف التعليمي في وجود الوسائل الإلكترونية الحديثة:
لا بد من التفريق في هذه القضية بين أمرين: مبدأ استعمال التقنية والوسائل الحديثة في العملية التعليمية، ودور كل من المعلم والوسيلة في الموقف التعليمي.
الأمر الأول لا خلاف فيه، فقد (أجريت دراسات في الدول المتقدمة حول مستوى التحصيل عند استخدام الحاسوب في العملية التعليمية، فتوصلت مجمل النتائج إلى أن المجموعات التجريبية (التي درست باستخدام الحاسوب) قد تفوقت على المجموعات الضابطة (التي لم تستخدم الحاسوب في التعلم)، وقد توصلت دراسات عربية إلى النتائج السابقة نفسها...)(1) ، ولا ينكر أحد ما للوسائل التعليمية الحديثة من أهمية وإيجابيات وفوائد، وأن استعمال الوسائل الحديثة في التعليم يجعل العملية التعليمية أكثر فاعلية وأعظم تحقيقاً لهدفها.
أما دور المعلم في الموقف التعليمي أمام الوسائل التقنية الحديثة في تعليم العلوم الشرعية؛ فلا بد قبل بيان أهميته من تذكر ما قلناه من أن العلوم الشرعية لها طبيعتها وخصائصها، وأن طلب العلم، ولاسيما في مرحلة التأسيس، يحتاج إلى دور فعال وواضح للمعلم. والعلوم الطبيعية تشترك مع العلوم الشرعية في ذلك، لكن حاجة العلوم الشرعية إلى التفاعل بين المعلم والطالب لاكتساب ملكات الفقه والنظر والتدبر أكبر وأكثر، إضافة إلى ما يقوم به المعلم من دور أخلاقي وتربوي.
وهنا يحتاج المعلم أمام وسائل التعليم الحديثة، ولاسيما فيما يتعلق بالعلوم الشرعية، إلى الدراسات والبحوث التي تحدد العلاقة بين دوره ودور الوسائل الحديثة، بحيث لا يكون استعمال الوسائل الحديثة على حساب دور المعلم، وحتى لا تطغى الوسائل الحديثة بسبب ما يواكبها من تطور وما لها من إمكانيات متقدمة ومؤثرة، ولكي يبقى دورها دائماً دوراً خادماً مساعداً في العملية التعليمية، وهذا أمر تفاوتت فيه الآراء(2) ، وهنا يطرح السؤال نفسه:
أتغني الوسائل التعليمية الحديثة بما لها من تقدم تقني عظيم وتطبيقات واسعة ومؤثرة عن المعلم؟
الوسائل التعليمية مهما تطورت لا يمكن أن تغني عن المعلم، ولا يصح أن يتعاظم دورها على حساب دور المعلم، وهذا ما يؤكده كثير من المتخصصين، (حيث لا يمكن تصور موقف تعليمي بدون معلم مهما حدث من تطور وتقدم علمي وتكنولوجي، فالمعلم هو المرشد والموجه، حتى لو كان المتعلمون يمارسون إحدى طرق التعلم الذاتي فتحت إشراف المعلم وتوجيهه، بل هو الذي يدفع التلاميذ إلى هذه الطريقة أو تلك لما يراه من فائدتها بالنسبة لهم بالقدر الذي يراه مناسباً)(3) ، ويقول الدكتور علاء زايد: "يخطئ من يظن أن الوسائل التعليمية توضح بذاتها، أو أنها تغني عن المدرس، بينما الواقع أنها لا تغني عن المدرس، وإنما تعينه على أداء مهمته، بل يُنتظر أن تزيد أعباءه، ولا يُنتظر أن تحل محله..."(4). يقول صاحبا كتاب (الأصول الاجتماعية للتربية): "يمكن القول إنه مهما تطورت تكنولوجيا التربية واستُعملت وسائل أخرى متقدمة؛ فلن يأتي اليوم الذي يوجد فيه شيء يعوض تماماً عن وجود المعلم"(5).
وسأعرض هنا جانبين لا يمكن تعويض دور المعلم فيهما بالوسائل الحديثة:
1- اعتماد العلوم الشرعية، ولاسيما علوم القراءات، على المشافهة المباشرة بين المعلم والطالب: في الماضي كان طالب العلم الشرعي بين أمرين، بين أن يتلقى العلم من أفواه العلماء وعلى أيديهم، مهما اختلفت طرق المعلم ووسائله في التعليم، وبين أن يتلقاه وحده من الكتب والصحف، والطريقة التي يعتد بها العلماء هي الأولى، أما الثانية فلا يعتدون بها في تأسيس العلماء؛ لما في ذلك من آفات كثيرة، أخطرها سهولة الوقوع في انحراف الفهم؛ لأن في العلم غوامض لا يمكن لمبتدئ في الطلب أن يصل لفهمها وحده، ومشتبهات لا يقدر على السلامة من الضلال فيها بمفرده.
قال الخطيب البغدادي: الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً، ولا يُسمى الذي يقرأ من المصحف من غير سماع من القارئ قارئًا، إنما يسمى مصحفياً. وفي فتاوى العلامة ابن حجر أنه سئل عن شخص يقرأ ويطالع في الكتب الفقهية بنفسه، ولم يكن له شيخ، ويفتي، ويعتمد على مطالعته في الكتب، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب بقوله: "لا يجوز له الإفتاء بوجه من الوجوه؛ لأنه عامي جاهل لا يدري ما يقول، بل الذي يأخذ العلم عن المشايخ المعتبرين لا يجوز له أن يفتي من كتاب ولا من كتابين". بل قال النووي - رحمه الله تعالى -: "ولا من عشرة... بخلاف الماهر الذي أخذ العلم عن أهله وصارت له فيه ملكة نفسانية؛ فإنه يميز الصحيح من غيره، ويعلم المسائل وما يتعلق بها على الوجه المعتد به..."(6).
قال بعضهم:
| من لم يشافه عالماً بأصوله | فيقينه في المشكلات ظنون |
| يظن الغمر أن الكتب تهدي | أخا فهم لإدراك العلوم | |
| وما يدري الجهول بأن فيها | غوامض حيرت عقل الفهيم | |
| إذا رمت العلوم بغير شيخ | ضللت عن الصراط المستقيم | |
| وتلتبس الأمور عليك حتى | تصير أضل من توما الحكيم |
و وفقكم الله