طارق ديلواني | 2/5/1426
حملت هجمات الحادي عشر من سبتمبر معها رياح التغيير لتهب على منطقة الشرق الأوسط ، وأحدثت رياح التغيير هذه حالة من المراجعة لكل ما هو قائم من سياسات وأيدلوجيات واستراتيجيات لأكبر تنظيم إسلامي عالمي وهو التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين.
اليوم.. ثمة إجماع على وجود تغيرات طرأت على رؤية الحركة لما يدور حولها بفعل رياح التغيير التي تحدثنا عنها..وهي تغييرات تبعتها إصلاحات بالضرورة بعضها قائم بالفعل وأخرى في الطريق إلى التطبيق..
ولا نعلم إن كان التنظيم العالمي للإخوان المسلمين اليوم بصفته الجامع لتنظيمات الإخوان في كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين يمارس دوار تقريبيا أم أن كل تنظيم يغني على ليلاه في مرحلة أكثر خطورة من أي وقت مضى بالنسبة لأكبر تيار إسلامي في الدول العربية.
وحجم المسؤولية التي يتحملها التنظيم الدولي إذن في تراجع الإخوان في الدول العربية والإسلامية كبير جدا، ومن المفترض أن يخرج هذا التنظيم برؤية جامعة واضحة للتغيير تماشيا مع ما يدور من حولنا بدل أن يقف عائقا أمام الإصلاح والتغيير.
قصور وخلل في التنظيم الأم!
حركة الإخوان المسلمين تمر بمرحلة يعدها البعض تاريخية أكثرها حساسية تلك التي أعقبت وفاة المرشد الخامس مصطفى مشهور، حيث أثيرت مسألة خلافته والإجراءات المتبعة لاختيار المرشد الجديد، ومستقبل الإخوان في ظل الصيحات التي علت بهذه المناسبة داخل الحركة أو داخل الدائرة الفكرية والسياسية المقربة منها، مطالبة بالتجديد في لوائح الحركة وقياداتها.
ثمة إجماع اليوم إذن على أن الوضع التنظيمي للإخوان بلا شك يعاني من مشاكل أو من قصور ما ومرد ذلك بالضرورة إلى خلل واضح في أداء الإخوان دفعنا إلى إخضاع الحركة برمتها للدراسة ووضعها تحت المجهر.
وفي مقابل ذلك فإن تاريخ الحركة حافل بالانشقاقات والانسحابات من قبل شخصيات مرموقة كالنموذج السوداني (الدكتور حسن الترابي).. والنموذج السوري " عصام العطار"..
المفترض بالتنظيم العالمي للإخوان أن يضبط أداء حركات الإخوان في كافة دول العالم العربي والإسلامي وحتى دول الغرب.
غير أن الواقع يقول: إن هذه الحركات يكاد لا يجمع بينها في بعض الأحيان أكثر من الاسم بوجود اختلافات فكرية شديدة أحياناً، فإخوان الأردن غير إخوان مصر، وإخوان سوريا مختلفون عن إخوان السعودية، ولكل طريقته ومذهبه.
منهم من اصطدم بالأنظمة ومنهم من والاها وسايرها، بل وتحالف معها مما أبرز صورة سلبية حول الإخوان، وكأنهم لا يملكون منهجاً أو موقفاً واضحاً من أي شيء.
الصورة ضبابية!
هذا التناقض والتباين خلق أيضاً صورة ضبابية في نظرة التيارات الإسلامية الأخرى للإخوان فمنهم من يرى في الإخوان تيارا معتدلا فقها وسياسة، ومنهم من يراهم مغالين متطرفين في حين أن آخرين يضللونهم ويكفرونهم.
ثمة تيار تجديد داخل الإخوان يحاول الانعتاق من الدور الجامد والقاصر للجماعة الأم إلى دور أكثر رحابة وأهمية دور يوحد جهود كافة التيارات الإسلامية.
أفراد هذا التيار يصفون أنفسهم في أكثر من موضع ومنبر بـ" الشبيبة" وهم من داخل الحركة نفسها، وينشرون مواقفهم عبر شبكة الإنترنت منذ سنوات.
لا ندعو إلى أكثر من دعوات للتطوير الإداري والتنظيمي الداخلي، وهذا لا يمثل "بدائل تنظيمية" عن الهيكلية الحالية للحركة، وفق ما يقول به "التيار التجديدي" والتجديد المطلوب أكثر من مجرد ضخ دماء جديدة في الحركة وإنما خلقة صيغة عمل جديدة تستوعب المتغيرات.
وهذا قد يشمل "سياسة الحركة" و"مناهجها التطبيقية" و"تنظيماتها الإدارية والقيادية".
المحاور التي تؤكّد عليها مواقف القيادات التاريخية لحركة الإخوان المسلمين، وفي مقدّمتها أنّها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين هو لب ما ينبغي أن يتمثل اليوم في كل شيء.
والحقيقة أن ثمة مخاوف للإخوان من أن يساهم التركيز على شعار "جماعة من المسلمين وليس جماعة المسلمين" في تذويب الشخصية المتميزة، والمكانة التاريخية لحركة الإخوان المسلمين، التي تؤكّد قياداتها أنّها "هي" أمّ الحركات الإسلامية عموما، وأنّه قد تتعدد التنظيمات ولكنها جميعا تصدر عن "مشكاة" الإخوان التي وضعت أسس "الفكر الحركي" أو "العمل الإسلامي" في العصر الحديث.
نظرية "الانشقاق" في الإخوان المسلمين عبر أمثلة ذكرناها سابقا من قبيل السودان أو الجزائر أو سوريا" تساهم أيضا، بل وساهمت في إضعاف دور الجماعة الأم.
والحقيقة أنّ التنظيم "العالمي" للحركة ترتكز على "المنطلق الإسلامي الواحد" وليس على "المنطلق التنظيمي المباشر"، والذي عُرف في حدود ضيّقة، كما كان عبر "المجلس التنسيقي للإخوان المسلمين في الأقطار العربية" و"التنظيم الدولي للإخوان المسلمين"، ولم يقترن أيّ من التجربتين بسقوط استقلالية أيّ تنظيم قطري بخصوصياته التنظيمية والسياسية والتطبيقية العملية، وفق متطلبات واقع القطر الذي يتحرّك فيه.
مسألة الأجيال في جماعة الإخوان مهمة ومثيرة فلا زالت رؤوس المؤسسين تسيطر على الإخوان حتى اللحظة في كل دول العالم..والحركة بالصيغة والقيادة الحالية ستبقى تعاني التخبط والتناقض بغض النظر عن حجم الإصلاحات الداخلية التي تشهدها ورغم ازدياد تأثير الجيل الثاني فيها!