الشيخ/ سامي الخطيب | 27/4/1426
إذا كنا ندعو إلى قراءة السيرة النبوية قراءة استخلاصية فإننا لا ننطلق في دعوتنا هذه من فراغ، ولا نبتدع في دعوتنا أي ابتداع، إذ إن التوجيه الرباني هو الذي يحدو مسيرتنا ويوجه مسارنا، حيث يقول _سبحانه_ في معرض دعوته إلى الاتباع : "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً" ولأنـه: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، ومن الخطأ أن نعتقد أننا أمرنا باتباع النبي _عليه الصلاة والسلام_ في أوامره ونواهيه فحسب، وإنما أمرنا باتباعه _صلى الله عليه وسلم_ في الهدف والوسيلة جميعاً، ونحن نتعبد الله بالوسيلة كما نتعبده _سبحانه_ بالهدف؛ سواء بسواء.
وإذا كان علماؤنا عبر التاريخ الماضي قد بذلوا جهوداً كبيرة في استخلاص الأحكام ووضع الفقه وتصنيف العلوم المختلفة التي ترتبط بالأهداف، في الوقت الذي لم يكتبوا فيه إلا النـزر اليسير في آليات الدعوة ووسائل الحركة وتقنيات العمل، فإنهم كانوا قريبي عهد _في زمن التصنيف- بالقرون المزكاة، ولم تكن الحاجة عندهم مُلِحَّة إلى الكتابة في التخطيط للدعوة واستخلاص الأحكام في الوسائط والآليات من المواقف. أما اليوم فإن الأمة تحتاج أشد ما تكون الحاجة إلى دراسات جماعية تستخلص من سيرة النبي _صلى الله عليه وسلم_، ومن حركة صحابته الكرام _رضوان الله عليهم أجمعين_ ما يشكل لها منارات بها تهتدي ومعالم على هديها تسير. وهذا هو الواجب الذي ينبغي أن تتصدى له مجامع الفقه التي تعقد اليوم لتبحث فيما يرتبط بالأهداف دون الوسائل (!!)
هذا النوع من القراءة الاستخلاصية للمنهج الدعوي والحركة اليومية في الدعوة والعمل، يحتاجه الأفراد كما تحتاجه الأمة، ونحن وإن كنا ندعو إليه كل مسلم مهما بلغت عنده درجة النظر في الأحكام والقدرة على التحليل والاستنتاج، إلا أننا نقول إن الاجتهاد للأمة واستخلاص الأحكام للجماعة لا يتقنه كل إنسان؛ وهو يحتاج إلى العلماء الربانيين والدعاة العاملين والفقهاء المجتهدين، وإذا كانت الأحكام الشرعية عامة لا تأخذ صفة الثبات، فإن أحكام العمل الدعوي وتقنياته وآلياته ووسائله أكثر عرضة للتغير بتغير الظروف والأحوال والمواقف، ولذلك وجب أن تشكل للاجتهاد في هذا المجال مجالس لها صفة الدوام، تنعقد دورياً وتأخذ من السيرة النبوية والواقع المعاش مادة للبحث وإصدار الأحكام، فتنظِّـر للدعوة؛ وتضع للدعاة حدود المرحلة؛وترسم للعاملين الخطوط التفصيلية للحركة والخطط الواضحة للعمل والمحطات الدعوية الواجب الوقوف عندها؛ ليعرف العاملون الطريق وحدوده والدعوة ومتطلباتها.
إن أكثر ما نعيشه اليوم من تهاون في أساسيات، أو تجاوز لبدهيات، أو وقوع في محرمات وانحراف أفراد وجماعات عن الجادة مردُّه إلى سـوء فهم لروح الشريعة، وتفسير خاطئ لنصوصها.. وقد رأينا في عصرنا الحاضر من يرى حرمة إقامة المسلم في أرض الكافرين عملاً بقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى نارهما". والحديث إنما "ورد في وجوب الهجرة من أرض المشركين إلى النبي لنصرته" كما يقول العلامة رشيد رضا _رحمه الله تعالى_، وورد الحديث في رواية أخرى تشير إلى أن النبي يبرأ من دمه إذ قتل لأنه عرض نفسه للقتل بإقامته بين محاربين أعداء!! وينتفي الحكم إذا لم تكن إقامته في دار حرب، كما ينتفي بتغير الظروف وانتفاء العلة مع تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة كما هو معروف عند علماء الأصول.
وكذلك الحال فيما وقع فيه كثيرون من خطأ في قراءة النص كحكمهم على لزوم البحث عن القرشي حصراً لتولي الخلافة، وقتل الكافر أينما وجد عملاً بالآية الكريمة: "اقتلوهم حيث ثقفتموهم"، وقصر زكاة الزروع والثمار على الأصناف التي ذكرت حصراً في الحديث، ومنع القيمة في زكاة الفطر، هذا في اتجاه الحرص على النص والالتزام بحرفيته، فيما بالغ آخرون في التأويل والبحث عن العلة حتى دعا بعضهم في كندا منذ سنوات إلى أداء صلاة الجمعة يوم الأحد؛ لأن الهدف هو اجتماع المسلمين في يوم عطلتهم!!!
يحتاج الدعاة أشد ما تكون الحاجة اليوم إلى من ينير لهم الطريق ويحدد لهم المعالم، قراءةً للنص وفهماً للواقع وقدرة على إنزال النص على الواقع، حيث تشكل هذه الزوايا الثلاث عناصر أساسية لا يستغنى عن واحدة منها في إصدار الحكم الشرعي؛ لأنه لا يكفي أن أعرف النص لأصدر الحكم حتى ولو عرفت مع النص ظروفه وسببه وعلته وحدوده، فالنص إنما جاء لإصلاح الواقع، وهنا يأتي دور العلماء الربانيين والفقهاء المجتهدين في معرفة الواقع معرفة وافية؛ ثم معرفة مدى صلاحية هذا النص بالذات لتلك الواقعة بعينها.
ويكفي أن نشير هنا إلى أن الشافعي _رحمه الله_ كان له مذهبه في بغداد فلما جاء إلى مصر أفتى بكثير مما لم يكن يفتي به في بغداد، وكذلك كان شأن الإمام أحمد رضي الله عنه حيث قنت في الفجر وليس من مذهبه القنوت عندما جاء إلى بغداد، وهذا ما درج عليه العلماء حتى أطلق الأصوليون قاعدتهم الذهبية: " تغير الأحكام بتغير الأزمان"، و"تغير الفتوى بتغير حال المفتى له" كما ورد من أن رجلاً جاء إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ يسأله عن أفضل العمل فأمره النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالذكر، وجاءه في المجلس نفسه آخر يسأله السؤال عينه فأمره _عليه الصلاة والسلام_ بالجهاد مراعاة لمقتضى حال كل منهما.
إننا نحتاج إلى الاجتهاد السلوكي في الدعوة واستخلاص معالم السير فيها حاجتنا إلى الاجتهاد في مستجدات ما يطرأ على حياتنا ومجتمعاتنا من طوارئ، وحرام حرام على أمة "اقـرأ" أن تظل متخلفة في القراءة الإدارية والتخطيطية، وحرام حرام أن نظل مسبوقين في مجالات الإدارة والتخطيط، كما في مجال الإحصاء وفهم الواقع، في الوقت الذي نرى فيه كعبتنا قائمة على غير الأساس الذي بناها عليها إبراهيم _عليه الصلاة والسلام_ انطلاقاً من قراءة واعية لواقع رآه النبي _صلى الله عليه وسلم_ في يوم من الأيام، فهل ينبري لتشكيل مجلس القراءة التخطيطية علماء ربانيون من بيننا ودعاة عاملون منا؟!!