رجل السياسة.. واغتصاب المفاهيم الثقافية

جواد الشقوري  | 14/4/1426

تمطر الأحزاب السياسية في عالمنا العربي والإسلامي؛ خاصة في الآونة الأخيرة، مجتمعاتنا بوابل من المفاهيم التي وصل إليها الإنسان بعد مخاض طويل وصراع مرير.. وهي مفاهيم في غالبها ذات عمق فلسفي، ترنو- في ظاهرها- إلى إيجاد مجتمع يقترب من " الكمال الإنساني".. وتكفينا نظرة خاطفة كي نرى مدى الاختلاف البين والتناقض الصارخ بين الخطاب الذي يمنح لهذه المفاهيم مركزية خاصة، وبين ما تحقق على أرض الواقع من وقائع هي نقيض مقاصد تلك المفاهيم.

مفاهيم كثيرة، من قبيل: الحداثة، الديمقراطية، احترام الآخر، التعددية، التسامح... فلا يكاد يخلو ما تنتجه الأحزاب السياسية من أدبيات وتصوغه من شعارات، كيفما كان مستواها الفكري وجنسها الأدبي، من إدراج هذه المفاهيم في سياقها، ولو كان هذا الإدراج/الإقحام يتم في أحايين كثيرة بشكل قسري وبتعسف ملحوظ.

وإن تدفق هذه المفاهيم في خطاب جل الأحزاب السياسية، وتكرارها يشعر القارئ كما السامع ولو للحظات معدودات، بأن هذه الأحزاب فعلا أحزاب متخصصة في تبني مثل هذه المفاهيم وتلك؛ تقرأ خطابها عن الحداثة حتى تخال أن أحزابنا حداثية، تنظر في حديثها المسهب عن الديمقراطية حتى تظن أنها كائنات ديمقراطية، تمعن التأمل في ما تقوله عن التعددية حتى تخال أنها أحزاب تعددية..

وهكذا يريد هذا الخطاب أن يقنعنا بأن رحم أحزابنا السياسية هي التي احتضنت ولادة هذه المفاهيم، وأن هذه المفاهيم موجودة في جيناتها.. وكأن هناك جينة مسؤولة عن مفهوم الحداثة، وأخرى عن مفهوم الديمقراطية.. وهكذا دواليك؛ أي أن ارتباطتها بتلك المفاهيم هو ارتباط بيولوجي أو قل وجودي.

ومشكلة هذه الأحزاب أنها تريد أن تحتكر لوحدها الانتساب لهذه المفاهيم.. وتعمل كل ما في وسعها من أجل أن تصنف نفسها في صف هذه المفاهيم، وأن تصنف خصمها السياسي في صف المعادين لها.. وكأن تبني مثل هذه المفاهيم هو الذي يمنح لهذه التنظيمات السياسية شرعيتها المجتمعية واعتبارها الوجودي..

ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الخطاب، أي خطاب، لا يملك لوحده هذه القوة في الإقناع والاستقطاب، بل إن ما يؤول إليه الواقع من تمظهرات وتجليات، لهو الكفيل بامتحان مدى صدق انتماء هذه الأحزاب لجملة تلك المفاهيم الفلسفية التي تنادي بها.

إن كل الأحزاب تقريباً، تدعي وصلاً بهذه المفاهيم، لكن المفاهيم لا تقر لها بذاك.. وأصبحت علاقة هذه الأحزاب بها علاقة غير شرعية.. إذ ليس هناك ميثاق غليظ يربط نخبنا السياسية بما تنادي به من مفاهيم ثقافية نبيلة.. فنجدها ترفض مؤسسة الزواج ( كمؤسسة شرعية) بهذه المفاهيم، وتفضل في المقابل أشكالاً أخرى من الارتباط غير الشرعي بها..

إن أطرافاً سياسية كثيرة في بلادنا تترقب، على أحر من الجمر، صدور مدونة " الأحوال المفاهيمية"؛ لأنها ستمنع الأحزاب من الزواج بأكثر من واحدة من تلك المفاهيم بطريقة شرعية تحفظ للمجتمع نسله المفاهيمي واستمراره.. والتي تجعل من هذه المفاهيم روحاً قبل أن تكون جسداً فقط، وضداً على الذين فضلوا بدلاً ذلك أن يمنع التعدد، على أن تكون علاقتهم بتلك المفاهيم علاقة صداقة وزمالة، ومصلحة واستغلال، واغتصاب جسد تلك المفاهيم.

في المستوى الأول، تكون العلاقة عبارة عن ميثاق والتزام ومسؤولية، أما في المستوى الثاني فعلاقة مرور واستغلال واغتصاب.
إن المفاهيم الراقية عندما يكون الارتباط بها ارتباطاً مصلحياً ومنفعياً، تصبح كتلك المرأة التي لا نرى فيها المرأة الإنسان، وإنما المرأة الأنثى فقط..

إننا كما لا ننكر، كما يقول الطب الحديث، أن الارتباطات الجنسية من خارج مؤسسة الزواج قد ترتبت عنها أمراض فتاكة وخطيرة كالإيدز مثلاً، فإننا ينبغي ألا نتجاهل البتة ما ترتب عن الزواج غير الشرعي بمفاهيم الإنسانية الثقافية، من أمراض لا تقل في خطورتها عن الأمراض العضوية؛ ألا يمكن أن نتحدث هنا عن مرض الإيدز المفاهيمي الذي يفتت المفاهيم تفتيتا! الإيدز الأول يصيب الجسد البيولوجي، أما " الإيدز" الثاني فيصيب الروح المتسامية.. الأول يصيب الرأسمال البشري، أما الثاني فيصيب الرأسمال الرمزي.. الأول يقتل الجسد أما الثاني فيبيد الثقافة.

إن الدفاع عن شيء ما لا يعني بالضرورة إعادة الاعتبار لهذا الشيء والانتصار له.. كما أن الدفاع بحرارة عن قضايا المرأة لا يستلزم بالضرورة إعادة الاعتبار لها والانتصار لها؛ فكم من حركات لم تر في المرأة إلا أنوثتها ولم تر فيها ذلك الكائن المفكر المبدع،وكذلك فإن الدفاع عن المفاهيم المختلفة لا يعني بالضرورة الوفاء لها، والعمل بمقتضياتها التي وضعت لأجلها؛ فقد يكون الدفاع عن المفاهيم خيانة لها، كما قد تكون ترجمة نص ما خيانة له.

إن حقوق الإنسان لن تنال إلا بإعادة الكرامة للمفاهيم الراقية، وبجعل الارتباط بها ارتباطاً شرعياً؛ ارتباطاً يساهم في تكوين أسرة ثقافية تسمو بالروح.. أو ليست الثقافة المثمرة هو ذلك التفاعل الإيجابي بين الإنسان وتلك المفاهيم، والذي يتوج بإنتاج منظومة قيمية تخطو بالمجتمع خطوات نوعية إلى الأمام!

أما أن نتعامل معها كما يروق لنا، وكما تمليه علينا مصالحنا الضيقة، فستضيع حقوق الإنسان كما ستضيع حقوق هذه المفاهيم أيضاً.. خاصة عندما يتعلق الأمر بأنبل ما وصلت إليه البشرية من مفاهيم.

إننا نزعم أن السياسي، بصورته الراهنة الغالبة، هو الذي ينتهك أعراض هذه المفاهيم ويغتصبها اغتصاباً ويتعدى على شرفها على مرأى ومسمع من العالم.. وتكون المصيبة أعظم عندما نعرف أن هناك طائفة من مثقفينا الذين ألقوا سلاحهم المعرفي، وأصبحوا لا يغارون على عرضهم المفاهيمي، وهم يرون كيف أن السياسي في بلدنا يتعدى على حرماتهم المفاهيمية.. علماً بأن النخبة المثقفة هي أقرب الشرائح المجتمعية إلى تلك المفاهيم؛ ولا معنى للثقافة التي يحملها المثقفون على كاهلهم دون تلك العلاقة الحميمة والإنسانية التي تربطهم بتلكم المفاهيم.

إن المثقف الأصيل هو ذلكم المثقف الذي يشحذ أسلحته الخطابية والمعرفية من أجل إعادة الاعتبار والكرامة لهذه المفاهيم.. ولا ننسى أن هناك طائفة من المثقفين( يسميهم بورديو بالمثقف المحترف) الذين سخروا من طرف السياسيين من أجل تسويغ سياساتهم المختلفة، عن طريق جعل هذه السياسات تستند إلى خلفيات مفاهيمية معينة.. ومن منا لا يتذكر ذلك الجيش العرمرم من المثقفين الأمريكان الذين وظفتهم الإدارة الأمريكية وساسة أمريكا ورجال الأعمال الأمريكان، لتبرير قتل أطفال العالم، في أفغانستان والعراق وفلسطين على وجه الخصوص، وفي بلدان أخرى كثيرة .. وكان التبرير دائماً يمر عبر قناة المفاهيم.
لا أدري هل الإنسانية المعاصرة بحاجة إلى محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي انتهاك المفاهيم الإنسانية النبيلة.

إن النازية التي ارتبط فكرها بالإبادة؛ حتى صار هناك تماه بين النازية والإبادة، لدى العامة كما لدى الخاصة.. إن هذه النازية وصلت إلى الحكم في ألمانيا عن طريق الديمقراطية، والإيمان بفكرة الديمقراطية.. فهل غير إيمانهم هذا من كونهم نازيين وإباديين! ألا توجد في عالمنا المعاصر نازية جديدة تركب المفاهيم للوصول إلى استعباد الشعوب وإذلالها وتشويه الحقائق.. ودائما عبر الاستغلال اللاشرعي لتلك المفاهيم!

إن أحرار العالم مطالبون اليوم بالتوحد في جبهة واحدة لسد الطريق أمام الذين يتعاملون مع المفاهيم النبيلة كما يريدون لا كما هو مقتضى تلك المفاهيم.

أما بالنسبة لعالم حر وأصيل، والذي يترقبه كل غيارى وأحرار كوكبنا، فإن إعادة الحقوق للمفاهيم الثقافية، لهذه الكائنات الحية، لا تقل أهمية عن إعادة الحقوق للإنسان؛ بل إن الوفاء لهذه المفاهيم هو جزء لا يتجزأ من الحقوق التي يجب أن تمنح للإنسان.. وفي هذا الصدد نقول، كم سيكون الشعب كله سعيداً إذا ما استطعنا أن نضع خطة وطنية لإدماج المفاهيم في تنمية أسرتنا الإنسانية، وإذا ما نجحنا في صياغة مدونة " الأسرة الثقافية" لتعريف المجتمع، خاصة نخبه السياسية ونخبه المثقفة المحترفة، بكيفية تنظيم العلاقة بهذه المفاهيم..


  

رجل السياسة = اغتصاب المفاهيم الإنسانية
لله ذرك ياجواد، وعلى منوالك أقول بأن تمة نضال مستميت من أجل كثير من المفاهيم اللقيطة، في محاولةلتبنيهاكمفاهيم (طبيعية) ولوكان استنباتها قد تم في أرحام مجهولة .

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف