متعب عمر الحارثي | 10/4/1426
أخبار البورصات، وأسواق الأسهم، والمشاريع العقارية والتجارية، أصبحت وأضحت وأمست وصارت الشغل الشاغل لشرائح كبيرة من المسلمين، بل مازالت حديث المجالس، وعنوان رسائل الجوالات، وأطروحة الجرائد والمنتديات..
إنها زينة الحياة الدنيا.. ولا يؤاخذ المرء على السعي في ذلك إذا كانت في دائرة الحلال..ولكن ما موقف المؤمن المنصف من هذه الزينة والمتاع والشهوة واللذة؟
لقد وصل النبي _صلى الله عليه وسلم_تبوك في جيش سمي بالعسرة لقوة العدو وبعد المسافة وحرارة الجو ومحدودية الاستعدادات، وصل تبوك وأبو خيثمة _رضي الله عنه_ مازال في المدينة، لقد تأخر عن اللحاق بالجيش رغم دعوة النبي _صلى الله عليه وسلم_المبكرة للاستعداد للخروج وتصريحه بالوجهة!
فما الذي أخر أبو خيثمة _رضي الله عنه_؟ وما هو خبره في تلك الأيام؟
ولنترك ابن إسحاق _رحمه الله_ يروي لنا ذلك حيث قال: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله _صلى الله عليه وسلم_أياماً – يعني إلى تبوك - إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاماً، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله _صلى الله عليه وسلم_في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنَّصَف؟!! (أي ما هذا بالعدل).
ثم قال: والله، لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فهيِّئا لي زاداً. ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_حتى أدركه حين نزل بتبوك.- السيرة النبوية لابن هشام 5/200 –
إنها وقفة المؤمن الصادق المُنصِف..من زينة الحياة الدنيا المباحة، لقد نظر إليها نظرة العدل والإنصاف.. فقد تذكر حال النبي _صلى الله عليه وسلم_وأصحابه _رضي الله عنه_م، وقارنه بحاله، فاستيقض وانتبه من غفلته، وقال مقولة المؤمن المنصف: ما هذا بالنصف؟!فلم يدخل العريش!! وأمر زوجتيه بتجهيز رحله، فلحق بالنبي _صلى الله عليه وسلم_.
أخي القارئ.. قف معي، وأختي القارئة.. قفي معي..موقف أبي خيثمة _رضي الله عنه_ ، ثم لننظر في حالنا كما نظر في حاله، ولنقارن بين واقعنا وما هو المأمول منا، هل موقفنا موقف الإنصاف والعدل؟
خاصة ونحن نعيش في زمن هيمنت فيه الصليبية والصهيونية العالميتان، وظهرت فيه التكتلات الطائفية التي أخذت تدعوا لمناهجها بكل صراحة، فازدادت غربة أهل السنة بينهم، زمن ٍلُمس فيه أثر العولمة الثقافية والإعلامية في أجيال المسلمين، زمن أصبح الترف المعيشي والثقافي والفكري، وغيرها من ألوان الترف سمة بارزة فيه.
فهل أنصف وعدل.. من سعى في جمع المال إلى حد الغرق؟! فأمسى يقوم الليل لا للتهجد والدعاء، بل لمتابعة ارتفاع الأسهم وانخفاضها على الشبكات، وصار يشد الرحال لا لزيارة المساجد الثلاثة ولكن لمتابعة الأسواق والعقارات، فألهاه التكاثر حتى صار من المفرطين في عبادة الله، ومن الغافلين عن الاستعداد للقائه؟ وألهاه عن رعاية أسرته، وأداء أمانة تربيتهم وتوجيههم لما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم؟ وألهاه التكاثر عن شكر الكريم المنان الذي أحسن إليه، القائل _سبحانه_: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (القصص77) ، لقد نسي وربما تناسى تفريج وتنفيس كرب المكروبين من أقاربه وجيرانه ومجتمعه الذي يعيش فيه، ناسياً قول خير المنصفين _صلى الله عليه وسلم_: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به" قال الهيثمي في (مجمع الزوائد 8/167): رواه الطبراني والبزار وإسناد البزار حسن _.
بل فقد الإحساس بآلام إخوانه المستضعفين والمنكوبين من المسلمين فلم يعمل على مد يد العون لهم، ولا تضميد جراحهم!! لقد جاء إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_!! لِما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج!! فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: " "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة" ، إلى أن بلغ "إن الله كان عليكم رقيباً" ، والآية التي في الحشر "اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله" ، تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة"، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال الراوي: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_يتهلل كأنه مُذهبة، فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". رواه مسلم 1017-.
وهل من الإنصاف والعدل.. أن يترك بعض الدعاة والمصلحين والغيورين وطلبة العلم الشرعي ثغورهم وينزلوا منها لينالوا نصيبهم من غنائم دنيوية حازها أهل الدنيا، أو يتغير ترتيب الأولويات في قائمة اهتماماتهم، ناسين ما قاله _صلى الله عليه وسلم_: " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" رواه البخاري ومسلم –.
وهل أنصف وعدل.. مَن رضي بتقديم القليل من الجهد في تعليم الناس ودعوتهم والحسبة عليهم، وإعانة المحتاجين منهم، مع امتلاكه لكثير من القدرات والإمكانيات والوقت والطاقة؟!
وهل من العدل والإنصاف.. ضعف دور بعض العلماء في وقتٍ الناس أحوج ما يكونون فيه لآرائهم، ومواقفهم؟!
وهل من العدل والإنصاف.. تفرق الكلمة، وتمزق الصف، بسبب التعصب لآراء أو لعلماء أو لمصلحين اختلفوا في اجتهادا تهم، رغم عدم خروج تلك الخلافات عن دائرة الاجتهاد الشرعي، ليصل هذا التعصب والخلاف إلى حد التحزب والتنافس والمزاحمة بل وإلى الصراع!! فيحل الفشل وتذهب الريح، بدلا من اجتماع الكلمة ووحدة الصف، ليثمر تعاون المؤسسات والجمعيات الدعوية، والخيرية والإغاثية وتكاملها، فتقوى بحجم التحدي الكبير الذي يواجه الإسلام والمسلمين، قال _تعالى_:" وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال46).
وهل من الإنصاف والعدل..أن تنبهر شريحة من مثقفي المجتمع المسلم، بالتقدم الصناعي والتقني الذي وصلت إليه الأمم الكافرة التي أخذت بأسباب إعداد القوة التي قصر فيها المسلمون؟ ليتجاوز ذلك حد الإعجاب المورث للمحاكاة، ثم المنافسة، (فالحكمة ضالة المؤمن)..تجاوز الانبهار حده ليحدث شكا في صحة المسار وصلاحية المنهج للحياة، وبالتالي سعوا وتنادوا للتغيير دون التفريق بين الثوابت والمتغيرات!!
وهل من الإنصاف والعدل..أن يعيش كثير من الشباب بين إفراط وتفريط، فمنهم من هو غارق في بحر الشهوات، لا هَمَّ لهم إلا إشباع الرغبات وتحصيل اللذات، إلى حد ظهور الخبث المؤذن بغرق سفينة المجتمع والعياذ بالله، إنه من المؤلم تغييب هؤلاء الشباب عن دورهم في بناء مجتمعاتهم وتنميتها على نور من الله _تعالى_.
وهل من النصف.. أن تتحول قوة الشباب وحماسه إلى معول يهدم تراص وتماسك المجتمع، وإلى سلاح يسفك الدماء المحرمة، ويزهق الأنفس البريئة!!
وهل من النَّصَف تسمية الأشياء بغير اسمها؟!
فجهاد المعتدي المحتل للأرض، المستبيح للحرمات والأعراض، والمزهق للأنفس يصبح إرهابا!! بل عَجبك يزداد عندما يتحول القاتل إلى قاض، والسارق إلى رجل أمن، وكل ذلك باسم نشر العدل والسلام في ربوع العالم!!
ويسمى عرض العري والانحلال الخلقي والفجور فناً وثقافة!!
ويتحول ظلم المرأة بحرمان الأسرة من حنانها ورعايتها، وتكليفها فوق طاقتها، وقسرها على مخالفة تكوينها الجسدي والعاطفي لتساوي الرجل وتشبع نهمته، يتحول ذلك كله تحريراً لها من تسلط الرجل!! ودفاعا عن حقوقها!!
هل أنصف عقلاء الأمة قضية المرأة؟!
أي هل كانت مشاريع رعاية المرأة المسلمة، بمستوى تحقيق تطلعاتها واحتياجاتها الدينية والدنيوية؟ حتى لا يدخل دعاة التخريب من ذلك المدخل فيؤثروا عليها.
هل تنادى العلماء والسياسيون والتجار والدعاة والمثقفون المنصفون ليقفوا سدا منيعا بتعاونهم وتحالفهم مع المؤسسات المدنية لصد الهجمة الشرسة على المرأة المسلمة، وذلك من خلال برامج عملية تنفذ على أرض الواقع؟
أخي القارئ الكريم.. "كن أبا خيثمة"، كلمة قالها النبي _صلى الله عليه وسلم_عندما رأى رجلاً يلحق بالجيش من مسافة بعيدة، فكان أبو خيثمة _رضي الله عنه_ - رواه مسلم حديث رقم 2769_ فكان _صلى الله عليه وسلم_عدلاً منصفاً.
إن موقف العدل والإنصاف..مطلوب من كلِّ أحد.. كلٌ بحسب ما حباه الله من علم ومال وقدرات ومواهب..
فالإنصاف المنتظر من العالم ليس كالإنصاف المنتظر من العامي، والإنصاف المنتظر من المتخصص والموهوب ليس كالإنصاف المنتظر من الأخرق (الذي لا يحسن ما يصنع)، والإنصاف المنتظر من صاحب المال ليس كالإنصاف المنتظر من الفقير، والإنصاف المنتظر من الداعية والخطيب البليغ في كلمته ليس كالإنصاف المنتظر من العيي (الذي لا يحسن الكلام)، وهكذا..وفي كُلٍّ خير.
أخي الكريم..أختي الكريمة.. كيف السبيل لتحقيق النصف والعدل في حياتنا؟
إن أول خطوة في طريق الإنصاف والعدل.. أن نشعر بعظم نعمة الله علينا بالهداية للإيمان "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (الحجرات17) وأن نعلم من نحن؟ فنحن بفضل الله علينا من خير أمة أخرجت للناس"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" (آل عمران110).
وأن نتيقن أن العاقبة للمؤمنين مهما عظم الكيد، وهذا الأمر كان مستقراً عند قيصر عظيم الروم حين وصلته رسالة النبي _صلى الله عليه وسلم_التي دعاه فيها إلى الإسلام، فاستدعى أبا سفيان _رضي الله عنه_ قبل إسلامه، وكان في تجارة له في الشام فكان مما قاله قيصر: وسألتك (أي سأل أبا سفيان) هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل، وأن حربكم وحربه تكون دولاً، ويدال عليكم المرة وتدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة».(البخاري رقم 2782)، وأن نستعين ونتوكل على الحي الذي لا يموت _سبحانه_.
ثم لننصف أنفسنا بتحقيق الإخلاص لله وحده في العبادة، والحذر من ظلم النفس بالذنوب والمعاصي، ونعدل في معاملة الأقربين من والدين وزوجة وأبناء وأقارب فهم أولى بمعروفنا وإنصافنا، ونخالق الناس بخلق حسن.
ثم نجب داعي الله "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ" (الصف14) بهمنا، ودعائنا، وعلمنا، ومالنا، ودعوتنا، وجهودنا، ومواهبنا، ومهارتنا، ومهننا، وتفكيرنا وتخطيطنا، وتعاوننا، وتشجيعنا، ودعمنا، و...و...
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
"هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد38).
في الصميم
يحكي الواقع
وأسلوب تربوي رفيع
أشكرك ودمت و إياك بخدمة الإسلام والمسلمين .
حقيقة لقد أبدع الأخ الكريم متعب الحارثي وفقه الله لكل خير واجاد أيما اجادة والطرح الذي ينادي به من العدل والاحسان فالمؤمن ان لم ينصف نفسه بمحاسبتها ومعاتبتها وتفقدها من حين الى حين والا فانه من باب أولى لن ينصف غيره ، والتربية الحديثة على علاتها تسعى جاهدة الى تقديم النموذج الأمثل لتكتسب الجماهير وتؤثر فيهم أما المسلم فانه يسعى الى انقاذ نفسه لأنه مامور بذلك ومن ثم يسعى الى انقاذ غيره من باب التواصي بالحق ، واما ما ذكر اخي متعب من حرص الناس وتنافسهم على الدنيا سواءً بالسهر على متابعة البورصات أو غيرها فيا ليت الأمر يبقى في هذه الدائرة ولا يتعداها لأنني لا اخال أخي متعب يجهل ما يكتنف الكثير من السر من تأثير التقنية بكل صورها وتجلياتها من البث المباشر والذي أشار اليه شيخنا ناصر العمر قبل سنوات خلت ولا من تأثير الانترنت الذي استغله الكثير فيما يسئ ولا ينفع ولا أماكن اللهو التي تصد عن ذكر الله ولا تتبع السفالات عبر الجرايد والمجلات ولو أردت العد لهالك وهالني الوضع سؤواً ولكن حسبنا النصح والدعاء والصبر والمصابرة والهداية والتوفيق من رب العباد.
وحقيقة كنت أتمنى من اخي المفضال متعب لو قسم الموضوع الى حلقات وبعد ان شخص الاسباب يبدأ في وضع العلاج ومن ثم يقدم ويطرح التوصيات ولعله جزاه الله كل خير اراد الاختصار ورسم خطوط عريضة يمكن فيما بعد الافادة منها مستقبلاً.
شكر الله لك ابا عمر
محبك ابراهيم الحارثي