الهمم التائهة

عبد الله بن سريِّع الدوسري  | 28/3/1426

قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" رواه مسلم.
كل واحد من الناس يغدو فيبيع نفسه؛ فمن باعها للرحمن فقد أعتقها، ومن باعها للشيطان فقد أوبقها.

وهكذا هم أصحاب الهمم، صنفان لا ثالث لهما، ناس هممهم قوية في الحق فهي همم قوية زكية عالية، وناس هممهم قوية في الباطل فهي همم قوية تائهة تنتهي بأصحابها إلى الهاوية، وفي اعتقادي أن من أقوى الهمم عبر التاريخ الإنساني (همة أبي جهل) الذي كان يسمى أبا الحكم، إلا أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أصدر قراراً بتسميته بـ (أبي جهل) ذلك؛ لأنه كره ما أنزل الله على رسوله وحاربه، لقد حارب الإسلام وقاومه بهمة قوية، إلا أنها كانت همة تائهة، حتى أنه كان يقول في معركة بدر وهو يتشحط في دمه: لمن الدائرة اليوم؟!

ثم لم يلبث أن فارق الحياة، بعد أن ذاق العذاب الأليم الذي تمناه هو وأمثاله عندما دعوا على أنفسهم كما في قوله _سبحانه وتعالى_ عنهم: "وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [ الأنفال: 32 ]، بدلاً من أن يقولوا - بلا تكبر ولا عناد - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.

والحديث هنا ليس عن أصحاب الهمم التائهة الذين لا يقيمون وزناً لهذا القرار؛ اتباعاً لقدوتهم في الجهل (الهالك أبي جهل)؛ ولأنه - عندهم - قرار قادم من الماضي عبر مسارب التاريخ الإسلامي (وأزمنته المنسية)، وهم قد جعلوا همهم وديدنهم إعلان البراءة من ماضيهم (حلوه ومره خيره وشره)، ومحاربة تاريخهم وما يمت إليه بصلة، في سطحية واضحة، وانهزامية مشينة، وتبعية مقيتة لمن استعمر عقولهم عن بعد، ناسين أو متناسين أن الأمم التي ليس لها ماض تعتز به وتستند إليه؛ ليس لها حاضر، كما أنه ليس لها مستقبل. قال الله _تعالى_: "أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء" [ فاطر: 8 ] وقال _تعالى_ في سورة يونس: "وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ" [ يونس: 36 ].

الحديث هنا ليس عن هؤلاء وليس موجهاً إليهم، ولكنه موجه إلى المنخدعين بهم، وهم كثيرون، وفي جميع المستويات الثقافية والفكرية، ليس على مستوى الشخص الذي يمكن أن يقول لك (مثلاً) وهو يتحدث عن وسيلة إعلامية (تائهة) إنها متزنة وإنها إسلامية لولا أنها تظهر صور النساء، حتى ولو كانت في حقيقتها معول هدم في صرح المجتمع المسلم.

هذا الانخداع ليس على مستوى هذا الشخص المسكين فحسب، وإنما على مستوى الرموز والدعاة الذين وقعوا من حيث لا يشعرون في فخ إضفاء الشرعية على بعض وسائل الإعلام العلمانية، وعلى مستوى المثقفين الذين شاركوا ويشاركون في تعزيز جهود أصحاب تلك الهمم التائهة، ومساعدتهم في تنفيذ استراتيجية نشر البلبلة الفكرية والثقافية وهز ثوابت الأمة ومسلماتها بـ (تكتيكات) محددة، تحت مسمى التنوير وحرية الرأي؛ فلَيْتهم يتعاملون معها بذكاء وفطنة؛ حتى يصدق على الواحد منهم القول المأثور: "المؤمن كَيِّسٌ فَطِن"، واضعين نصب أعينهم- في تفقه وتدبر - وهم يجاهدون لخدمة قضايا الأمة قول الحق _تبارك وتعالى_: "لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [التوبة: 108]. والله وحده المستعان.


  

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاك الله خير على حماسك وأسلوبك الرائع ما أجمل أن نربط حماسنا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عله وسلم
السلام عليكم
و الله انّك صادق يا شيخنا تكفى لا تبقي منهم و لا تذر .. و الله أنّهم و أبوجهل وجهان لعملة واحدة و أقصد أصحاب الصروح الاعلاميّة الفاسدة اللذين يستميتون اليوم ليصبح اسم محمد أو عبدالله أو عمر أو صالح موجود في برامجهم الماجنة بل و يشارك في اجتماعاتهم الفاضحة لكل أنواع الرذيلة الا في الفتنة سقطوا ..الله يستر من اللي جاي .. خاصّة و أن الأسى و الحزن ينسكب انسكابا على الأموال اللتي تتدفّق من جيوب المسلمين الى هؤلاء بكبسة زر أو باعلان تلفزيوني باهظ الثمن ..

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق