فرحان العطار | 21/3/1426
إن من يتأمل قصة فرعون في القرآن، يجدها مشحونة بألفاظ القتل والإبادة، والذبح والنحر، يظهر هذا جلياً لكل من قرأ وتأمل، مما يُنبئ عن نفس مريضة، تتمتع بمشاهد التعذيب، وقلب يُصِر على الاستكبار والتكذيب، ويد تمتد للبطش والتخريب، ولسان يصرخ بالتهديد والوعيد.
يقول الله عن فرعون: " إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ " [ القصص 4] ويقول – سبحانه وتعالى – عنه: " إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ " [الدخان:31 ]
وموسى وهارون "قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى" [ طـه:45]
وتقول عنه زوجته التي هي أعرف الناس بحالة: "وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [ التحريم: 11]
و السحرة يقولون: "وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ" [ طه: 73 ]
و بنو إسرائيل يقولون: "أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا" [ الأعراف: 129]
فلم يبق إلا الحاشية والأتباع "فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ " [ هود: 98 ].
كما ترى مذموم على كل لسان، لا خير فيه لأحد البته، وأما تعطشه لسفك الدماء، وإزهاق الأرواح، فقد تجاوز فيها الحد، حتىأصبحت ديدنه وهجيره، وأصبح علماً على هذا المسلك الوعر ينادي كل متعطش للدماء: أن تعال، حيث الخراب والهلاك والوبال، فتأمل:
يقول الله _عز وجل_ ممتناً على بني إسرائيل: "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ...." [ البقرة: 49]
و يقول نبي الله موسى: "فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ " [الشعراء: 14 ]
وزوجته في بيته تقول: "لاَ تَقْتُلُوهُ " [الشعراء: 9 ]
وفي مجلس ملكه يقول مؤمن آل فرعون: "أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ "[غافر: 28 ]
وهذا رجل يركض من أقصا المدينة ويقول: "َيا مُوسَى إِنَّ الْملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ "[القصص: 20 ]
و هناك رجلان في غفلة الناس: "َيقْتَتِلاَنِ" [القصص: 15 ]
إنه جو مشحون بالقتل والذبح في البيت والعمل والشارع، لا فرق عنده بين صبي أو نبي، حيث لا دين ولا عقل وإذا لم تستحي فاصنع ما شئت.
في قصة فرعون: تعذيب، وقتل، وذبح، وتقطيع، وصلب، ورجم، وكل هذا في القرآن.
في قصة فرعون: ترهيب، وتخويف،و ترقب،، وطغيان، وسجن، ووعد، ووعيد، وظلم.
في قصة فرعون: قحط، وجدب، وبلاء، وتطير، وطوفان، وعذاب، وهلاك وغرق.
في قصة فرعون: أنبياء، وملوك، ووزراء، ونساء، وأبناء، وجنود، وسحرة، ورعاة، وأم، وشيخ كبير.
في قصة فرعون: جراد وقمّل، وضفادع، وحيات، وأنعام، وثعبان، وغنم.
هذا الطاغية لا يحسن من القول إلا: "لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ" [الشعراء: 49 ] قراره: "سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ" [ الأعراف: 197] أمره "اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ " [ غافر: 25 ] مشاورته: " ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى" [ غافر: 26 ].
و بعد هذه الجولة، تعالوا بنا لنتأمل في حادثتين، نُطل من خلالهما على طبيعة التفكير عند هؤلاء القتلة، ولنعرف أن الذين يتجرؤون على نفس واحدة ظلماً وعدواناً، سوف لن يجدوا حداً يقف عنده طمعهم، وليس هناك دم مُراق يروي ظمأهم، بل انحدار وهوة لا ممسك فيها ولا مُنقذ – إلا من رحم الله – "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً "[ المائدة: 32 ]
الوقفة الأولى: قتل الأطفال:
إن الأطفال هم محل الرحمة، وزينة الحياة، ومظهر من مظاهر الجمال في هذا الكون، يتميزون بنظرة خاصة من جميع الناس على اختلاف دياناتهم وأفكارهم، ولكن الطغاة وسافكو الدماء
لا يعرفون للأطفال حرمة ولا ميزة، ولا يتمتعون بحصانة ولا استثناء؛ لأن طوفان النهم والشره، قد أعمى أبصارهم وبصيرتهم عن بكاء الأطفال واستغاثتهم.
يا أيها الفضلاء، من يتخيل بأن القرآن قد جاء بسبع آيات يخبر فيها بتجرأ فرعون على قتل الأطفال وذبحهم!
ففي سورة البقرة[ 49] " يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ " وفي الأعراف [141 ] "يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ "، وأيضاً [ 127 ] " سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ " وفي سورة إبراهيم [ 6] " وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ "، وفي سورة القصص [ 4] "يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ "، وأيضاً [ 9] "لاَ تَقْتُلُوهُ "، وأخيراً في سورة غافر[ 25] "قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ".
اسمحوا لي أن أتجاوز هذا كله إلى قول تلك الزوجة الصالحة: "لاَ تَقْتُلُوهُ "، سبحان الله، طفل صغير عمره يوم أو بعض يوم، يحتاج فرعون إلى استعطاف شديد، وإغراء وحوافز، حتى يُبقي على حياته، أي قلب هذا القلب الذي يحمله الطغاة وسافكو الدماء، قد يكون إصدار الأوامر بقتلهم هيناً عند فرعون، ولكنه الآن وجهاً لوجه مع طفل يبكي ويصيح من الجوع، يتحرك ويضطرب أمام عينيه، إنه مشهد يبعث الرحمة والشفقة لمن سمعه فضلاً على من رآه، فضلاً أن يستعطف أحد على عدم تلطيخ اليدين بدم هذا الطفل! وليس في الحسبان أن يُقدم عرض في ذلك الموقف، تُقدم فيه الإغراءات والعروض والمنافع والمصالح التي ستجنى من هذا الطفل في المستقبل، فضلاً أن تكون هذه المنافع والمصالح هي شرط البقاء لهذا الطفل!
إنني أريد تجاوز هذه الوقفة بآلامها وآمالها، ولكن أجدني محتاجاً للتنبيه على أمر مهم، وهو أن القائل "لا تقتلوه " هي زوجة فرعون، وهذا له دلالات عميقة، حيث إنها من أعلم الناس به، ولا يكون قولها هذا إلا بسبب خلفيات سابقة في ذاكرة الزوجة، جعلها تقول هذا القول الذي يُلمس فيه اللهفة والحرص وصدق الطلب، وبحكم معرفتها بطبيعة زوجها قدمت ما قدمت من عروض ومصالح قد يجنيها فرعون إذا أبقى على حياة هذا الطفل.
وصدق الله إذ يقول عن فرعون: " إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ " [القصص: 4 ]
الوقفة الثانية: موسى يقتل رجلاً :
إننا أمام شخصيتين متباينتين، شخصية تعشق الدماء وإزهاق النفوس، وأخرى تعرف للنفس قيمتها ومنزلتها، إن الأولى مثال على المستهترين بالأرواح، الذين لا يرعون لنفس حرمة ولا حقاً ولا حصانة، والأخرى مثال على تلك النفوس المرهفة، التي تعرف بأن الروح غالية، لا تُزهق إلا بحقها.
قد سبق ذكر فرعون واستهتاره وعبثه بالدماء دون مبالاة أو مراجعة أو محاسبة.
و موسى _عليه السلام_ وبدون قصد يقتل ذلك القبطي من قوم فرعون، فلم يتأول، ولم يبحث عن الأعذار والمبررات من ظلم آل فرعون وبطشهم وجبروتهم، بل ندم واستغفر وتاب إلى ربه مباشرة – مع عدم قصده – بل أخبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ كما في الصحيحين أن موسى _عليه السلام_ يذكر هذا الأمر يوم القيامة برغم مغفرة الله له، ولكن لقيمة النفس ومنزلتها عند ربها " إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي...." فهذا درس عملي من نبي الله موسى على عِظم القتل وهوله.
فليكن عندك أيها المؤمن إحجام عن قتل النفوس وإزهاقها، إلا ما أذن الله بقتلها، وكان ذلك واضحاً لا تلتبس به شبهة أو مانع، وليكن عندك هذا الخوف والوجل عندما تُبتلى بقتل نفس خطأ – عافانا الله وإياكم -.
و قبل أن أختم هذه الكلمات، لعلي أقف عند غضب فرعون من قتل ذلك الرجل، ويكبر في نفسه حتى لا يستطيع أن يُسمي ما فعله موسى فيقول: " وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ " [الشعراء: 19 ] فموسى في نظر فرعون، منتهك لحقوق الإنسان، خطر على البشرية؛ لأنه قتل إنساناً خطأ، وهم هكذا يقتلون الأمم، ويبيدون الشعوب، ويدكون القرى والبيوت، لا يرحمون صغيراً، ولا كبيراً، ولا مريضاً، ولا معتوهاً.
مبادئ وشعارات ولافتات، هي في حقيقتها سندان ومتكأ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.