محمد سعد | 13/3/1426
من الغريب والعجيب لو تأمل المتأمل حرص بعض الناس على البدعة، فتراهم يجتهدون فيها، وينافحون عنها، في الوقت نفسه الذي ينفرون فيه من السنّة، ويهملون في أدائها، ويحاربون من يذكّـر بها الناس!
مع أن التمسك بالسنّة سهل خفيف محبب إلى النفس، يزيد الإيمان، ويزكي القلب، وينير العقل، ويقرب العبد من الله _تعالى_، في حين أن البدعة ثقيلة، تظلم النفس، وتضلل العقل، ولا يستفيد بها القلب، ولا يزيد بها الإيمان.
كيف يترك الإنسان الطيب ليتمسك بالخبيث، وكيف يترك ما فيه نفعه ويشتهى ما يضره! ولا شك أن هذا من عبث الشيطان ببعض بني آدم، ولعبه بعقولهم، ليصرفهم عن السنّة ويوقعهم في البدعة.
للبدعة التي يبتدعها بعض الناس أغلال وقيود، حينما يضعون أنفسهم فيها يصعب عليهم التخلص منها، والتحرر من أسرها، وتُحمّـلهم بدعتهم ما لم يطلبه الشرع منهم ولا أمرهم به، ولا رتب عليه ثواباً.
انظر إلى الأمثلة الآتية وتأمل فيها، ووازن بين غل البدعة والقيد الذي يضع بعض الناس أنفسهم فيه وبين رحاب السنة ويسرها:
- ينفق كثير من الناس أموالاً طائلة لإقامة احتفالات المولد بزعم محبة الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وقد يسافر بعضهم إلى مساجد مخصصة للاحتفال، ويقرؤون أوراداً مبتدعة، مع أن محبة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ ليس معناها ذلك، ولا يدل عليها إقامة المولد، فأصحابه _صلى الله عليه وسلم_ لم يقيموا له مولداً وهم أكثر الناس حباً له _صلى الله عليه وسلم_. ومحبة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ معناها في الشرع واضح وصريح، ليس فيها الاحتفال بالمولد، ولا الغلو في المدح، ولم يرد أن قراء السيرة في المولد سنة، بل قال – تعالى - في بيان المحبة الشرعية: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، فجعل أساس المحبة اتباع السنّة، وجعل الرسول _صلى الله عليه وسلم_ علامات محبته سهلة يسيرة لا تكلف فيها، منها طاعته، ومنها الصلاة عليه _صلى الله عليه وسلم_ وغير ذلك كثير، ورتب على ذلك الثواب العظيم والأجر الكبير والفلاح والنجاح.
- تذهب كثير من النساء وخصوصاً في قرى مصر في صباح يوم العيد الذي جعله الله _تعالى_ يوم فرح وسرور، إلى المقابر لزيارة موتاهن، مع أن السنّـة قد ورد فيها ذم زوارات القبور من النساء، وجعلت السنّـة الزيارة لأخذ العبرة والموعظة دون تحديد أو تخصيص بأوقات معينة، كما جعلت السنّـة الشريفة العيد وقت فرح وأكل وشرب.
- يقيم الناس سرادقات تتكلف مبالغ كثيرة ويأتون بالقراء من ذوي الأجرة المرتفعة، يرون ذلك من الوفاء للميت، وتزداد الأحزان ويسود سكان الحي كلهم ظلام الحزن لوقت طويل، حتى صارت قراءة القرآن على هذا النحو علامة الموت والحزن لدى بعض الناس، مع أن السنة جعلت العزاء سهلاً لا كلفة فيه، وجعلته لتخفيف الأحزان على أهل الميت لا لزيادته بطول إجراءاته ومراسمه، ولم تجعل له مثل هذه المراسم والنفقات التي ترهق أهل الميت الذين قد يكونون في أشد الحاجة إلى المال، وإلى تخفيف الحزن عنهم.
- في العزاء يقول الناس: "البقية في حياتك"، وهذا لا نفع فيه ولا فائدة، لا من حيث تقديره بخبر ولا يصح، ولا من حيث تقديره بدعاء، ودعاء السنة في العزاء دعاء جميل يُطيّب نفس المصاب، ويبعث فيها الأمل، ويوجهها إلى الرضا بقضاء الله _تعالى_ وقدره، ويطرد عنها وساوس الشيطان.
- يتمسك أصحاب الطرق وأتباعهم بأوراد مخترعة للذكر، في كثير منها شطحات وضلالات، بل في بعضها من الألفاظ الشركية الكثير والخطير، ويتركون أذكار السنة التي هي سهلة الحفظ، طيبة اللفظ، المليئة بمعاني التوحيد التي تزكي القلب، والجامعة لأنواع كثيرة من العبادات من شكر ورغبة ورهبة، المبلغة لخيري الدنيا والآخرة.
- وفي تركيا تجد كثيراً من النساء في بعض الأوساط المتدينة يرتدين غطاء الرأس عند قراءة القرآن الكريم ويعتقدن وجوب ذلك، كما يعتقدن وجوب تغطية الرأس أمام المحارم، كالأب والأخ، فلا يكدن يكشفن شعرهن في بيوتهن، حتى إن بعضهن يصبن ببعض الأمراض كتساقط الشعر وغيرها الناجمة من ذلك، في حين لم يرد دليل على ما يفعلن، ولم يأمر الشرع به.
وهذا قليل من كثير، فإن البدع كثيرة منتشرة لاسيما لدى أصحاب الطرق الصوفية ومن يتبعهم من العوام والجهال، حيث يُلزمون أتباعهم بطرق خاصة في العبادة، ووظائف مخترعة، واعتقادات باطلة، وأوراد ما أنزلها الله ولا شرعها، فضيقوا على الناس طريقهم إلى الله _تعالى_ بإلزامهم بطرق اخترعوها، وابتعدوا عن طريق السنة الواضحة السهلة، وحكايات الصوفية وشطحاتهم كثيرة، قال القرطبي: ذكر إبراهيم بن البنا قال: "صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصاً وملحاً كان معي، وقلت: هلم. فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت نعم. قال: لست تفلح! فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يسف منه. وقال أبو يزيد: ما أكلت شيئاً مما يأكله بنو آدم أربعين سنة"، قال القرطبي معلقاً: قال علماؤنا: وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه.
نقلة مع أبي إسرائيل.. إلى رحبات السنة:
الدخول إلى من وقعوا في البدع من هذا الباب وسيلة جديرة بالاهتمام سيكون لها _إن شاء الله_ تأثير كبير؛ لأننا حين نبين لهم عدم شرعية البدعة ومساوئها ومخالفتها للشريعة، ونظهر في الوقت نفسه جمال السنة المقابلة، وقيمة التمسك بها في الإيمان والثواب والتقرب إلى الله _تعالى_، سيكون من السهل _بإذن الله تعالى_ انكشاف ظلمة البدعة عنهم، وسيشعر هؤلاء في الوقت نفسه أن رغبتهم في التقرب والمحبة لها في السنة ما يرويها ويُشبعها وينميها مع جزيل الثواب والأجر، وبهذا يمكن أن ننقل _بإذن الله تعالى_ كثيراً من هؤلاء نقلة مثل تلك التي نقلها الرسول _صلى الله عليه وسلم_ للنفر الذين ابتدعوا طريقة للتقرب إلى الله _تعالى_، فألزم أحدهم نفسه أن يصوم ولا يفطر، والثاني أن يقوم الليل ولا ينام، والثالث أن لا يتزوج النساء، فبين لهم الرسول _صلى الله عليه وسلم_ الطريق الصحيح الموصل إلى الله _تعالى_، وهو التزام سنته عليه الصلاة والسلام وطريقته، والتي لا غلو فيها ولا تفريط، فقال _صلى الله عليه وسلم_: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني" متفق عليه.
وكان هناك رجل اسمه قشير، وكنيته أبو إسرائيل، وكان _رضي الله عنه_ لديه رغبة شديدة في التقرب إلى الله _تعالى_ ومحبته وتعظيم رسوله _صلى الله عليه وسلم_، فأحب أن يظهر محبته لله _تعالى_ ولرسوله _صلى الله عليه وسلم_، لكنه أخطأ الطريق وألزم نفسه بقيود لم ترد في الشرع، حيث نذر ألا يتكلم، ولا يستظل من الشمس ولا يقعد تعظيماً للرسول _صلى الله عليه وسلم_ وهو يخطب الجمعة، ومع ذلك كله يصوم مبالغة في المحبة والتقرب إلى الله _تعالى_، فسأل عنه الرسول _صلى الله عليه وسلم- فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فصحح له الرسول _صلى الله عليه وسلم- منهجه فقال: "مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه"، فأبطل _عليه الصلاة والسلام_ ما ابتدعه هذا الرجل من عند نفسه دون أصل شرعي، مما لا نفع فيه ولا ثواب، وأقر فقط ما كان له أصل في الشرع وهو الصيام مما له أجر ونفع. (القصة أخرجها البخاري، حديث رقم 6326).
قال ابن رجب: "فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله _تعالى_ بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يُشرّع الله ورسوله التقرب بها بالكلية.
وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقاً، فقد رأى النبي _صلى الله عليه وسلم_ رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم، فأمره النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه، فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما... مع أن القيام عبادة في مواضع أخر كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يُـتَّـبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها..." (جامع العلوم والحكم..)
نهاية الطريق:
هما إذن طريقان واضحان، أحدهما مستقيم واضح نهايته الهدى والفلاح والجنة "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري(رقم 6851)، والآخر معوج مظلم، وعلى الرغم من ذلك يفضل بعض الناس الطريق المعوج المظلم، ويتعمدون السير فيه، ولا يدرون إلى أين سيصل بهم، ولن يصل بهم إلا إلى هلاك وضلال، قال النبي _صلى الله عليه وسلم_: "إني فرطكم على الحوض، مَن مرَّ عليّ شرب، ومَن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غـيَّر بعدي". أخرجه البخاري (رقم 6212)، ومسلم، (رقم 2290). (سحقاً): بعداً، (فرطكم) الفرط الذي يتقدم الواردين ليصلح لهم حياض المياه ونحو ذلك. (يحال): يمنعون من الورود والشرب.
وقال _صلى الله عليه وسلم_: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك..."، أخرجه أحمد وغيره. وفي رواية "على المحجة البيضاء" والمحجة هي وَسَطُ الطَّرِيقِ، أي الملة الواضحة التي لا تقبل الشَّـبَه بغيرها أصلاً. وعن عبد الله بن مسعود قال: "... إن الله شرع لنبيكم _صلى الله عليه وسلم_ سنن الهدى... ولو تركتم سنة نبيكم _صلى الله عليه وسلم_ لضللتم"، رواه مسلم.
وصلوات الله وسلامه على هادي الأمة، وكاشف الغمة الذي أوضح الله به المحجة، وأقام به الحجة، وأنار به السبيل، وأوضح به الدليل.
يدفعها عبيد القبور لسدنتها .. نذرا وذبحا ومولدا يقيمونه . ووقتا يضيعونه .. الخ .
ويدفعها عبيد ( الموضة ) من أوقاتهم في تصفيف شعرهم و ( حبك ) مكياجهم ، ومن أموالهم في شراء ما استجد من اللباس والزينة .
ويدفعها الجبناء الأنذال من ارتضو الرضوخ لسلطان الجاهلية .. من أعراضهم ـــ حين يسمحون لبناتهم ونسائهم بالتكشف ـــ ، ويركضون كالكلاب المسعورة في أتون هذه الحياة التي صنعتها يد المبتدعة .
هل من عاقل يتدبر ؟
بارك الله فيك ولك
كلام طيب جدا؛أحسبه من مخلص.. والله حسبك.