حين يقل الفقهاء ويكثر الخطباء

د. محمد العبدة  | 7/3/1426

شيء ملفت للنظر، بل مؤلم للقلب أن نرى بعض المسلمين ومن المتعلمين؛ من تأسره الخطب الرنانة التي ليس وراءها شيء من العلم أو الفكر، و يأسره الصوت الهادر يأخذه حيث يشاء من الغوغائية والسطحية السياسية.

في مؤتمر من المؤتمرات كان المتكلم الذي يرفع صوته ويهدد ويتوعد ويصب جام غضبه على الاستعمار وأعوان الاستعمار، كان نصيبه التصفيق الحاد والتكبير (مع الملاحظة على التصفيق)، وأما الذي يتكلم بهدوء وروية، ويدخل في صلب الموضوع، ويحاول الوصول إلى بعض النتائج، فقد كان نصيبه سكوت هذا الجمهور.. ولا ندري ما هو تقويمهم لكلامه؟!

على المنصة الرئيسة طلب المنسق أن يكون لكل متكلم خمس دقائق ولكن عندما جاء دور الشيخ الفلاني أحجم عن الكلام وحرد، وقال: أنا لا يكفيني خمس دقائق. ارتبك مقدم البرنامج وخجل من الشيخ، ثم سمح له بالكلام، وبدأت الخطبة الرنانة، ويبدو أن هؤلاء الذين تعودوا طوال حياتهم على تصفيق الجمهور، وخطبهم تلامس العواطف ولا تلامس العقول، هؤلاء لا يستطيعون إمساك أنفسهم عن الاستمرار في (العنتريات) التي لم تفعل شيئاً.. وهي في النهاية على حساب المصلحة العامة والمصلحة الشرعية.

هؤلاء يعتنون بالشعر للتأثير على عواطف المستمعين أكثر من عنايتهم بإصلاح فكر أو تقويم اعوجاج، إنها مشكلة أعمق مما نتصور، إنها عقلية جاءت من عصور التخلف، حيث يُمجّد الكلام لمجرد الكلام، و حيث يُظنّ أننا بالصياح والعواطف الفائرة نستطيع أن نبني شيئاً.
أبعد كل هذه السنين في الحديث عما يسمونه (الصحوة) لا نستطيع مناقشة أمورنا بهدوء وتعقل وعلمية ومعرفة بالواقع؟!

كانت الجماهير العربية قبل عقود تصفق للزعماء الذين يسبون أمريكا وهم يتعاملون معها سراً، ويتسولون المعونات منها، وكان خميني إيران يقول عن أمريكا: الشيطان الأكبر، ثم نجد (الآيات) يتعاونون مع أمريكا في أفغانستان وفي العراق وغيرها.
ألم يقل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود _رضي الله عنه_ مستشرفاً المستقبل: "حين يكثر الخطباء ويقل الفقهاء"!


  

السلام عليكم
و جزاك الله خيرا يا دكتور و برغم اختصارك الشديد للموضوع فكنت أودّ الاستزادة في هذا الموضوع خاصّة من ناحية المقارنه بين خطبة الخطباء و خطبة الفقهاء و مواطن الخطابة و مواطن الفقه و هل تعني أنّه ينقصنا فقه الخطابة أم تقصد أن الفقيه لا يخطب فالموضوع شيّق و له جوانب متعددة و كثيرة .. و في رأيي و بحسب ما سمعت أن كثرة الخطباء و قلّة الفقهاء ناتج عن أمور لا تستلزم النقص أو السلبية بل ربّما تعني أن كثرة الظلم و قلّة المؤمنين و كثرة انشغال الناس بأمور تافهه جعلت من هذه المرحلة مرحلة خطباء و ليس مرحلة فقهاء فالفقه يحتاج الى أمن ووقت و جهد و اجتماع و هذا لا يمكن توافره و الأمّة تعيش مرحلة هوان و ضعف و ظلم و قهر و اعتداء و قتل و تشريد فهذه الأمور الصعبه تجعل من الطبيعي أن يكثروا الخطباء ليسمع بالمشكلة أكبر عدد ممكن من الناس فرب وا معتصماه انطلقت .....؟؟
و الواجب هو التعاون المثمر بين الفقهاء و الخطباء فأهل العراق لا يمكن أن يطالبوا بالفقه و العدو في ساحتهم و السلاح في أيديهم و الفقر يعتصرهم بل يجب عليهم الخطابة في وسائل الاعلام بأسلوب خطابي مستفزّ و أمّا الفقيه فعليه بتحليل هذا الخطاب و دراسته و بذل النصح و الارشاد على نور من الله و بهدي المصطفى صلى الله عليه و سلّم و بالتالي يستعين الخطباء بالفقهاء و ينشر الفقيه علمه بطرق مختلفة و بلسان غيره ممن يفهمون الخطيب سواء كان عراقيا أو فلسطينياعاميّا أو متعلّما صغيرا أو كبيرا مقاتلا أو قاعدا لأن الخطباء غالبا ما يجلبون الانتباه أكثر من الفقهاء و هذا محمود عموما لأن ما كانت الخطابة الا لظهور أمر أو مصيبة أو نازلة وجب الانتباه لها و الاهتمام بها و لكن المشكلة اللتي ذكرها الدكتور انّما ظهرت بسب أن أغلب هذه النوازل وقعت و حدثت في بلدان و أماكن كثر فيها الجهل بل و الشرك و قلّة العلم الشرعي فيها فظهر منها هؤلاء الخطباء اللذين يقصدهم الدكتور و لأن الخطابه أمر يجذب الانتباه انضمّ اليهم غيرهم من قليلي العلم و البصيرة لاستعجالهم تارة و لتوافر الوسائل الاعلامية الحديثة و السريعة تارة أخرى و المسأله في النهاية توفيق من الله فالاستغراق العميق و المذموم و اللذي ذكره الشيخ ناصر في محاضرته المتميّزة ( الاستغراق في اللحظه الحاضرة ) أدّى الى استحداث البدع في سبيل ايصال الخبر أو استنفار البشر فأدّى هذا الى عدم الاكتراث و عدم المبالاة للفقه الشرعي أو الحالة الشرعية الواجب امتثالها في هذا الموقف أو ذلك و تلكم النازلة أو هؤلاء القوم اللذين هم بحاجّة أحيانا بل دائما الى الفقه لأنّه يوفّر لهم كثيرا من الوقت و المال و الجهد. و جزاكم الله خير و أن شاء الله نسمع توجيهات أكثر و أمثلة متميّزة من سلف الأمّة في هذا الموضوع ..
قلت:


[ ويبدو أن هؤلاء الذين تعودوا طوال حياتهم على تصفيق الجمهور، وخطبهم تلامس العواطف ولا تلامس العقول، ]

وتقول [ إنها عقلية جاءت من عصور التخلف ]


بدل هذا التحامل البين : لم لا يجتمع الفقهاء بعيدا عن الخطباء لمناقشة أمورهم بهدوء وتعقل وعلمية ومعرفة بالواقع؟


كلامكم -شيخنا الكريم- سليم، ولكن أليس من الأولى أن ننعى على أصحاب العقل والفكر، الذين لم يحسنوا مخاطبة عواطف الناس ولا عقولهم، بدلاً من أن نلقي الائمة على من نجح في الأول وفشل في الثانية؟

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف