محمد سعد | 21/2/1426
ليس العجيب مكر الذين يحاربون الدين، وليس الغريب مكايدهم ووسائلهم الملتوية التي يفتنون بها الناس، لكن العجيب والغريب هو أن يكون أول المخدوعين والمفتونين أناس ممن يحملون الحق ويحاربون الباطل.
كثرت في السنوات الأخيرة موضة البرامج التي تقوم على فتح النقاش في قضايا ذات غرابة أو أهمية أو ...، ولا خطأ في ذلك ولا خطر، ولكن الخطأ والخطر في أن يـُستغل ذلك النوع من البرامج في محاربة الدين وتشويه صورة العلماء، والخطر الأكبر والأعظم أن يقع بعض من حملة العلم في مصيدة تلك البرامج؛ فيساهمون دون أن يقصدوا في دعم أهداف أصحاب تلك البرامج أو سفههم.
وحين ننظر في تلك البرامج، ونقوّم ما تقدمه، ونستعرض أسلوبها في تقديم القضية المطروحة للنقاش؛ نجد أموراً خطرة جداً على عقول الناس وعقيدتهم ودينهم، وعلى جلال العلم وقداسته، وعلى صورة العلماء وهيبتهم:
- يتم اختيار القضايا ذات الجذب الشعبي، والتي تشد وتجذب العوام، فمن ذلك تفسير الأحلام، وقضية الجن والعفاريت واللبس والمس، أو ما شابه ذلك.
وأحياناً تكون القضية ذات أهمية وتمس حياة المسلمين الاجتماعية؛ مثل: الخلع، والطلاق، والزواج العرفي، وغير ذلك.
- أكثر تلك البرامج يعتمد في جذب الجماهير وشدها على أسلوب فتح المعركة بين الضيوف، بحيث يسعى مقدم البرنامج – أو مقدمة البرنامج في الغالب – إلى إثارة النقاش والحمية كلما هدأت النفوس وكادت أن تستقر على رأي، وإذا شعر أو شعرت مقدمة البرنامج بأحد الضيوف قد أحسن معالجة القضية، وأوشك أن يقدم رؤية إسلامية واضحة أو حجة تبرهن صحة رؤيته الدينية وتخمد الجمر في صدور ضيوف البرنامج؛ سارعت بالمقاطعة وذكّـرت الفريق الآخر ببعض الاعتراضات والاستثناءات؛ لكي توقظ فيه حمية الرد!
- لا بد أن يكون الضيوف من الفريقين على طرفي نقيض، حتى يتمكن المقدم من إثارة الحمية ليبلغ النزاع أشده، فيأتي بضيوف من ذوي الميول العلمانية والفكر الملحد، والفريق الآخر من ذوي الميول الدينية أو من علماء الدين، ليكمل صورة البرنامج وتكون المباراة بين الفريقين حامية الوطيس.
لماذا مثلًا لا يأتي برجال دين - كما يقولون - يمثلون رأيين أو مذهبين شرعيين ليدلي كل واحد بحجته، ويحاولون الوصول إلى الحق فيما ينفع الناس في أمور دينهم ودنياهم، أو برجال فكر أو علماء الطبيعة أو الطب وغيرها من المجالات؛ ليتناقشوا في جو رزين يقدم مصلحة الدين، ومصلحة عقل المشاهد، ومصلحة المجتمع على كل مصلحة شخصية أو نفعية أخرى! ومثل هؤلاء الذين يريدونها ساخنة حتى تشتهر برامجهم بين الناس، حتى لو على حساب الحق؛ لن يعجبهم قول الشافعي - رحمه الله تعالى- : "ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحداً إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه".
أليس هذا أفضل من أن يخرج المشاهدون لا يعرفون رؤوسهم من أرجلهم من الحيرة، ولا يدرون الحق مع رجل الدين - كما يقولون - أم مع الطرف العلماني؟!
- وفي ختام النقاش لا بد أن يحافظ مقدم أو مقدمة البرنامج على سخونة القضية التي طرحها، فيظل يوقد على النزاع حتى ينهي البرنامج دون أن يحصل المشاهد على رأي الدين أو على صورة واضحة عادلة في القضية، وإنما يخرج بشكوك وشبهات، وخطأ يحتمل الصواب وصواب يحتمل الخطأ، ويحار فكره بين مهاترات ومجادلات وسفسطة لا تسمن ولا تغني، ولا يستقر في الذهن بعد مشاهدة تلك البرامج - في الغالب - إلا المفارقات من نكات أو سخرية أو شبهة غريبة، أو صيحة مذيع في الضيف ليسكت ويذعن له، أو صرخة ضيف في الضيف المقابل ليريه العين الحمراء ليقر بخطئه، و قد يصبح من كان من المشاهدين على حق شاكاً في أمره، ومن كان على باطل سادراً في ضلاله.
الغالب فيمن يقدم تلك النوعية من البرامج أن تكون مذيعة سافرة متبرجة، لبست من كل برّاق ولامع، وكشفت عن كل ما تراه صالحاً لفتنة، خادشاً للحياء، مسقطاً للمروءة، تجلس بين رجال ويجلس الرجال حولها، تناقشهم ويردون، تضحك إليهم ويضحكون، فكيف يصح أن يجلس أمام هذه المهازل رجل يحمل علم الدين؟!
الحجة السائدة فيمن يقبل المشاركة في هذه المهازل بالقول أو بلسان الحال، حين نحاول أن نلتمس له عذراً في مشاركته، هو أنه لا يترك المجال للعلمانيين ليبثوا سمومهم وضلالهم، وأن هذا منبر لا يترك لمخاطبة الناس.
وهذا حق لا مراء فيه، ولكنه التبس بباطل وفتنة قلبت معناه رأساً على عقب، فهم لم يأتوا به في تلك البرامج لبيان رأي الدين كما يزعمون، ولكن لتشويه صورة حامليه وتوهين رأيه وحجته، بالمقاطعة والضحك وإيراد شبهات يفرح بها السفهاء والعوام.
فماذا يستفيد الناس من مثل تلك الحوارات المتقاطعة المتدافعة المتشابكة دون نظام ودون هدف إلا إثراء سمعة البرنامج لدى الجماهير أنه برنامج جذاب، وهذا في أحسن أحوال حسن الظن بالبرنامج ومقدمه، أو بهدف تضليل الناس عن الحق وصرفهم إلى الباطل، قال الأوزاعي _رحمه الله تعالى_: " إذا أراد الله بقوم شراً؛ أعطاهم الجدل ومنعهم العمل".
وإذا كان أمام حامل العلم الديني وسيلة مشبوهة فيها فتنة فلماذا يفضلها؟ ألم يفكر في أن بعض الناس قد يُفتن بوجوده في مثل هذه البرامج؟ أليس من المحتمل أن يفتن شاب متدين يتابع هذا الداعية ويستمع إلى محاضراته حين يراه جالساً أمام امرأة سافرة متبرجة تكشف كثيرا مما أمر الله – تعالى - بستره؟!
إنها والله! مصيبة أن يكون الإنسان فتنة، حيث يظن أنه ينصر الدين ويبلغ رسالته!
لقد كنا نرى من قبل – على رغم إنكارنا وقتها له، واستغرابنا لماذا لا يأتون بمذيع رجل يقدم الحوار مع العالم – كنا نرى مقدمة البرنامج ممن عُـرف عنها أنها متبرجة سافرة إذا استضافت عالماً من علماء الدين لبست ما يناسب جلال المقابلة وعظمة الحوار في الدين، فكانت تغطي رأسها وتلبس الفضفاض الواسع حياء وإكراماً للدين وأهله.
أما الآن فقد ذهب حياء كثير، بل قد يكون ذهب الحياء كله في هؤلاء اللائي يقدمن البرامج سافرات ويتحدثن في قضايا الدين وهن يتمايلن بشعورهن ويضحكن ويحاورن رجل الدين، وتسأله إحداهن في برنامجها في كل شيء.. عن رأي الدين، إلا أنها لا تسأله عن رأي الدين فيها! وفي حالها!
بل هو نفسه غفل عن أن يسأل نفسه قبل مشاركته في تلك البرامج، عن رأي الدين فيمن يضع نفسه في مواضع شبهة وفتنة قد لا يسلم هو نفسه منها!
لقد بات الغالب على تلك البرامج استهانتها بالدين، ووالله لقــد رأيت الحق يضيع ويُهدر في بعض تلك البرامج بصورة مهينة - مرات ليست قليلة -، حين يتكلم حامل العلم الضيف فيقطع كلامه ضحكة مقدمة البرنامج، والتفاتها عنه إلى غيره بالكلام.
إن العوام إذا رأوا أحد العلماء مترخصاً في أمر هان عندهم، واحتجوا بفعله على جواز ما هو أعظم منه، قال بعض السلف: "كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يُقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك"، وقال سفيان الثوري: "تعلموا هذا العلم واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب".
إن مكانك يا من تشارك في مثل تلك البرامج هو خارجها؛ تحذر منها ومما فيها، وتنصح وتذكر من يقومون عليها حتى يتوبوا إلى الله - تعالى - ، ويصححوا منهجهم ومسارهم وأهدافهم؛ ليقدموا للأمة ما فيه فلاحها في الدنيا والآخرة.
لا بد لحملة العلم أن يصونوا العلم ويحفظوا له هيبته وقداسته، وأن يحسنوا اختيار الوسيلة الشريفة لإيصاله إلى الناس، ففرض صيانة الدين عن السفه والسفهاء والعبث والعابثين ليس أقل قدراً من فرض إبلاغ الدين ، قال – سبحانه - : "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا" (140) سورة النساء، "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (68) سورة الأنعام. قال - تعالى - عن خشوع العلماء مع آيات الله - عز وجل-: "قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا*(109)" سورة الإسراء.
لا املك الا الدعاء لك وان اقوم بنشر هذا المقال على من اعرف .