محمد العبدة | 2/1/1426
الكتابة عن أمريكا ضرورية في هذه الأيام ، ليس لأنها دولة كبرى يحسب لها ألف حساب، بل لأنها تحولت إلى دولة نهّابة ، وحولت العالم إلى بؤر في النزاعات والمشاكل، دولة تريد استعمار الزمن أي استعمار المستقبل كما يصفها الكاتب المكسيكي (اوكتافيو باز)؛ لأنها أمة ليست قائمة على التاريخ كما هو حال الأمم الأخرى، أي ليس لها ماض تعتز به، وبعض الناس في بلادنا يرون أن كثرة الحديث عن أمريكا هو في باب (نظرية المؤامرة) أو هو كلام عاطفي حماسي، ولكن الواقع يفرض نفسه وهو غير ما يعترضون، فهيمنة أمريكا وحبها للسيطرة أصبح واضحاً.
شيء من أصول العقل الأمريكي:
1- تشكل مقولة: الصراع والبقاء للأقوى أحد أعمدة التصور الأمريكي لعلاقة الإنسان بالإنسان، ولكن في حالات مؤقتة يمكن أن يتنازل الأمريكي إلى مبدأ (المصالح المتبادلة)، ومبدأ البقاء للأقوى مأخوذ من نظرية (دارون) البيولوجية، ولكنهم جعلوها دارونية اجتماعية، فالناس الذين يهلكون في الحروب هم الضعفاء وهم عناصر التخلف، والمنتصرون هم الأصلح للتقدم، "ونتيجة لشيوع هذا المبدأ صارت القوة عند الأمريكي جمالاً وزينة وهو معجب بالأقوياء إلى درجة تعميه عن قيمة العدل والإنسانية وهذا ما يبرر إبادة الهنود الحمر؛ لأن هذا تنظيف للأرض من الإنسان المتوحش!!"
ومن المنظرين لهذا المبدأ في أمريكا: جون فسك وهنري كيسنجر وبرجنسكي وألفين توفلر، وهذا الأخير يعد (المعرفة) هي أقوى سلاح لبقاء أمريكا متفوقة.
2- يلعب الدين في أمريكا دوراً أكبر بكثير مما تتصوره غالبية المراقبين في الخارج والتعاطف الأمريكي مع إسرائيل ينطلق من تآلف ديني قائم على (الكتاب المقدس) وإن جرى تغطيته بالحديث عن الديموقراطية المشتركة، وكل تعلق بآمال تغيير أمريكا موقفها من هذا التعاطف هو سراب وأوهام؛ لأن إسرائيل بالنسبة لهم امتداد (ديني- حضاري) يحمل ملامح المشروع الغربي، بل إن المهاجرين في إنكلترا في القرن السابع عشر شبهوا خروجهم إلى الأرض الجديدة (أمريكا) مثل الخروج الجماعي لبني إسرائيل من مصر، تقول إحدى الجماعات المسيحية العاملة في أمريكا، والتي يرأسها الكاهن (جيري فولول): "لا توجد أمة اضطهدت اليهود إلا وعاقبها الإله، وإن الله سيرسل للتشريد والذبح والأسر كل من يحاول منع تجمع شعب إسرائيل في أرضه" ، "وحين يكون لأمريكا مطامع سياسية واقتصادية تكون البعثات التبشيرية إحدى أدواتها كما حدث في جنوب السودان، وكما يحدث الآن في إندونيسيا"
ويقول السياسي والدبلوماسي عادل أرسلان في مذكراته: "قلت ومازلت أقول: إن الولايات المتحدة في قوتها المادية كالطفل يلعب بقطعة سلاح ولولا دولاراتها لانبرى لها الكثيرون فأظهروا مساوئ سياستها، أنا لا أشك في أن روزفلت كان قادراً على حل قضية (دانزيغ) بين ألمانيا وبولونيا وعلى الحيلولة دون الحرب، ولكنه كان خاضعاً لليهود بل حرض على الحرب.."
3- تحولت أمريكا إلى دولة (نهابة) ليس عندها معايير أخلاقية وإنسانية، يجسد هذا طائرات الأباتشي والصواريخ العابرة للقارات وقد كشف الرئيس (نيكسون) صراحة عن أهداف أمريكا بقوله: "لا نذهب إلى هناك دفاعاً عن الديمقراطية ولا نذهب لمحاربة الديكتاتورية، إننا نذهب وعلينا الذهاب إلى هناك؛ لأننا لن نسمح بأن تمس مصالحنا الحيوية"
وليس بلا معنى أن نعلم أن كل وزراء الخارجية الأمريكية في عام 1953-1990م كانوا مرتبطين مباشرة أو مداورة بالشركات النفطية" .
يتساءل مؤلف كتاب (ما بعد الإمبراطورية): لماذا لم تعد هذه الدولة العظمى متسامحة وعقلانية، لماذا أصبحت على هذا القدر من الإصرار على الإضرار بالاستقرار العالمي، هل لأنها بالغة القوة، أو لأنها على العكس من ذلك تشعر بأن العالم يخرج عن سيطرتها، إن أمريكا تخاف من العزلة وأن تجد نفسها وحيدة في عالم لم يعد بحاجة إليها.."
هل تتحول أمريكا إلى إمبراطورية؟
رغم حجم الآلة العسكرية الأمريكية، ولكن هناك شك حول الموهبة العسكرية للولايات المتحدة. يذكر (الخبير العسكري البريطاني) ليدل هارت أن سلوك الجيوش الأمريكية في الحرب العالمية الثانية كان بيروقراطياً، وفي فيتنام لم يكن أداؤها مرضياً أما في حرب الخليج فقد تم الانتصار على الجيش العراقي الذي كان منهكاً، وكانت خرافة المقولة التي روّج لها الإعلام أنه من أقوى الجيوش في العالم، ويرى الباحث (تيد) أن من شروط الإمبراطورية معاملة الشعوب المغلوبة بالتساوي مع المواطنين، ولكن هذه المساواة عند أمريكا هي الاضطهاد للجميع، ويضرب (تيد) مثالاً على القدرة على المساواة بين الشعوب بالإمبراطورية العربية (حسب تعبيره) التي يفسر توسعها بمبدأ المغالاة في المساواة الذي يعتمده الدين الإسلامي، بينما نرى الازدواجية الأنجلوسكسونية موجودة وخاصة في أمريكا ونظرتها إلى الآخر: السود، الهنود، الأسبان. والزعامة تحتاج إلى درجة عالية من الالتزام الثقافي والإشباع الوطني بينما الثقافة السائدة في أمريكا تتركز حول اللهو والهروبية الاجتماعية، والخوف الذي زرعته حكومة (بوش الابن) وحين يتم فقدان الثقة بالنفس فلا يبقى سوى هوس الأمن، والعجيب أن المحافظين الجدد هم لا يحبون هذه التسمية؛ لأنهم ليسوا محافظين، بل يعدون أنفسهم أصحاب رسالة تجديدية؟!! العجيب أن هذه الرسالة الديمقراطية وتعميمها على مستوى العالم أجمع ولو بالقوة هي تناقض صارخ بما تمارسه أمريكا في العراق وأفغانستان وفي كل الدول العربية، وإذا كان الشعب العراقي وقع تحت ظلم صدام؛ فإنه انتقل من ظلم مختل إلى ظلم منظم ومن ظلم يحمل العصا إلى ظلم يحمل الدساتير والمجالس المعنية والسفارة الكبيرة، من استبداد الفرد إلى استبداد باسم التحالف متعدد الجنسيات
أمريكا والمستقبل:
هل من المحتمل ظهور قوة عالمية تنافس أمريكا؟
الجواب عند (برجينسكي) المنظر لمستقبل أمريكا أنه لا يحتمل ظهور أي تحد منفرد لمنافسة زعامة أمريكا على المدى القريب، ولكن مفكرين آخرين يقولون: إن أمريكا وأوروبا الغربية صارتا تجدان صعوبة في مواجهة النتائج الحضارية لطغيان مبدأ اللذة في المجتمع، والتردي الحاد في القيم، وقد شعر المؤرخ (هانز كوهن) بالقلق من أن الغرب يمكن أن يكون قد أجهد واستنفد.
إن محاولة تركيز القوة في يد دولة واحدة تهيمن على العالم هي محاولة فاشلة، فالمعرفة أصبحت أكثر انتشاراً وأكثر مشاركة، والقوة الاقتصادية أكثر توزعاً، وهناك عقبة حقيقية أمام أمريكا، وهي: روسيا، اليابان، أوروبا، الصين ، وإذا كانت بريطانيا تخطط للانضمام إلى منطقة (اليورو) فهذا سيشكل ضربة كبيرة لنيويورك. وإن العجرفة التي تمارسها أمريكا هي التي مارسها الاتحاد السوفيتي على أوروبا الشرقية وكانت أحد أسباب انهياره، وهي عجرفة الرومان قديماً، والعجرفة مؤشر على بداية الانهيار "ومع حاجة الولايات المتحدة إلى تعزيز قدرتها العسكرية لابد لها من التخلي عن دورها في التطوير العلمي والتطور الاقتصادي، ومع ميلها لفرض إرادتها دولياً لابد لها من المزيد من الاستعداء من مختلف الأطراف، وتعريض نفسها لمزيد من المواجهات"
وهكذا تمر الولايات المتحدة بوقت عصيب فحكومتها في أيدي أشخاص لا يتصرفون بعقلانية أو بأخلاقية، وستضع هذه الحكومة الولايات المتحدة على طريق منهك طويل.
هذه الدولة الورقيّة مجرّد ما ينتهي البترول فستكون في لمح البصر نسيا منسيّا
بل بمجرد قطع الامدادت البترولية لفترة بسيطة و خاصة في حالتها المصروعة حاليا سيؤدّي الى انسحاب و تفكك هذه الولايات الورقيّة اللتي تستمدّ و تواصل مسيرتها الى النهاية من خلال السرعة الفائقة في تبديل أوراقها المرسومة بشكل كرتوني مفبرك لا يخاف منه و لا يشد انتباه أهل العلم و البصيرة فأوروبّا هي من سيكون في المستقبل القوّة اللتي يريدها النصارى لأنّه كما قال الكاتب المبارك أمريكا ليس لها تاريخ و شعبها القديم أو اللذي قدم من أوروبا و من البلدان الأخرى بدأ في التآكل و الانقراض و سيفاجئ الاستراتيجيون بأن استراتيجيّاتهم رقميّة وليست نفسيّة أو انسانية بشكل عام ..
و دعاية الطاقة البديلة ووجود طاقة بديلة و بطاريات ضخمة تستطيع استراتيجيا توفير الطاقة الازمة للأمّة الأمريكية ( التعبانه ) هذه الاستراتيجية لا تفيد مع أول زلزال أو عاصفة أو بركان يعيد أمريكا الى عصور لم تشهد مثلها من قبل .. لأن أمريكا ليس لها تاريخ ...
فكلّما عزز المسلمون القيم الحضاريّة اللتي تعتمد على الأخلاق الاسلامية و تمسّكوا بها في السلم و الحرب فهذه هي الاستراتيجية الاسلامية الفطرية اللتي تعتمد على التعاون الانساني الأخلاقي سواء في بترول أو ما في بترول لأن الشاعر يقول
انّما الأمم الأخلاق ما بقيت
فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فبناء الأخلاق أقوى و أدوم .. ألا ترون أننا مازلنا هنا نعيش ولو بجزء يزيد عند أناس و ينقص عند آخرين و البقاء للأصلح أي للأكثر خلقا و معرفتا بأفضل الأخلاق و خير الخلق هو الخلق اللذي أتمّة نبيينا محمد صلى الله عليه و سلّم فالحمد لله ثمّ الحمد لله اللذي هدانا للاسلام و الرجاء ثمّ الرجّاء من الله للثبات و للزيادة من هذه الأخلاق النبوية و فالصلاة خلق المؤمن و الصيام خلق الصابر المؤمن و الجهاد خلق الشجاع المقدم المؤمن بقضاء الله و قدره أخلاق فمن يستطيع بناء الأرض غير من تخلّق بخلق النبي فالنتزوّد فان خير الزاد التقوى و التقوى أفضل الأخلاق لأنّها خلق المؤمن مع ربّه سبحانه و تعالى و لسنا بواصليه و لكن رحمة الله واسعة ولوا هذه الرحمة المهداة من ربّ العالمين لمسّنا منه عذاب أليم ..