أ.د. ناصر بن سليمان العمر | 29/11/1425
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
يقول الله _عز وجل_: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"
وإن من أعظم الفساد فساد ذات البين الناجم عن اتباع الشهوات أوالشبهات.
إن الأهواء والشهوات تدفع إلى ظلم الغير في سبيل تحصيل الشهوة فيقع الخلاف وينشأ الافتراق "فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيس للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع "الذات"في كفة، والحق في كفة وترجيح الذات على الحق ابتداء!.. ومن ثم جاء هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة.. إنه من عمليات "الضبط"التي لا بد منها في المعركة.." "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".
وأما الشبهات والتأولات الفاسدة، فتبعد الناس عن الحق إلى أقوال وآراء متباينة، ومن أظهر ذلك الافتراق الذي وقع في الأمة بانحراف ثنتين وسبعين فرقة عن الجادة.
كما أن اتباع الشهوات والشبهات سبب لعدد من الآفات الكفيلة بتمزيق الصف وتفريق الأمة، ولعل من أهما ما يلي:
أولاً: البغي
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو صاحب تجربة واسعة مع المخالفين، قال _رحمه الله_ (الفتاوى 14/482-483):"وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات و القرآن محنة أحمد و غيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم: "ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا".
ثانياً: الغرور بالنفس
فالغرور بالنفس يولد الإعجاب بالرأي، والكبر على الخلق، فيصر الإنسان على رأيه، ولو كان خطأ، ويستخف بأقوال الآخرين، ولو كانت صواباً، فالصواب ما قاله، والخطأ ما قاله غيره، ولو ارعوى قليلاً واتهم نفسه، وعلم أنها أمارة بالسوء، لدفع كثيراً من الخلاف والشقاق، ولكان له أسوة بنبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله - تعالى - له: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران: من الآية159)، وإذا كانت صفة التواضع ولين الجانب من أوائل صفات المؤمنين، فإنها في حق من انتصب للعلم والدعوة والفتوى والتعليم أوجب وأكثر ضرورة وإلحاحاً.
ثالثاً: سوء الظن بالآخرين
فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود، فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيراً كذبه، أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلاً عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته. ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسانه طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء، سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة، بما يكون أخبث وأكثر إقذاعاً، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر. "وأنت ترى هؤلاء الجراح القصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحاً) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان!"
رابعاً: حب الظهور بالجدل والمماراة
ويكون دافع ذلك في الغالب هوى مطاعاً، وقد يكون قلة الفقه أوالفراغ وترك الاشتغال بما ينفع.
وقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: "ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون".
قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة _رحمهما الله_: "الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة. لو كانت فضلاً لسبق إليها أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر، وقال الله _تعالى_: "فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن" [آل عمران:20]، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججاً، وقال له: قل كذا وكذا".
وقال ابن قتيبة _رحمه الله_ يصف الحال في أيام السلف _عليه الرحمة والرضوان_: "كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصاً على غريبة، ورداً على متقدم...
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى، فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى..".
فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس:" قلت للحكم بن عتبة: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات".
وقد روي عن أبي قلابة –وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
قال معن بن عيسى: "انصرف مالك بن أنس _رضي الله عنه_ يوماً من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبوالحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: ياعبدالله! اسمع مني شيئاً أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأيي.
قال: فإن غلبتني؟
قال: إن غلبتك اتبعني.
قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟
قال: نتبعه!
فقال مالك _رحمه الله_: يا عبدالله بعث الله _عز وجل_ محمداً _صلى الله عليه وسلم_ بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين".
وقال عمر بن عبدالعزيز: "من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل".
وجاء رجل إلى الحسن فقال: "يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه"!
وإذا كان الجدل والمراء والخصومة في الدين مذمومة على كل حال فإنها تتأكد في حق المقلدة والجهال.
ويتأكد ترك المراء والجدل في كل مالا طائل من ورائه كملح العلوم والنوادر، وما لا يثمر عملاً غير السفسطة والتلاسن.
أسأل الله أن يجنبنا وإياكم فتن الشهوات والشبهات، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يؤلف بين قلوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
جزاك الله خير يا شيخ على هذا الموضوع المتمييز و عندي بعض الملاحظات أود كتابتها لكم عسى أن لا أكون من أهل الجدال فهناك أمور تدعوني بشدده الى جدال الناس في أمور الدين خاصصة ..
و قولك يا فضيلة الشيخ عن هذا الجدال صحيح 100% .. فأنا أستمتع جدا في مناقشة كثير من الناس عن الأحداث اليومية اللتي نعلمها و اللتي فقط سمعنا بها و أحاول دائما الوقوف في الوسط عند أي نقطة تتعللق بشيخ أو بقائد أو بعالم أو بمفككر اسلامي بارز و لكن اللذين أجادلهم فعلا يثيرون الغضب الشديد في نفسي عندما و بكل سهولة و بساطة في اللفظ يقومون باقصاء امام مسلم أو داعية أو مجاهد عمل الكثير في سبيل الدعوة و الجهاد فيما هو بالنسبة لي يقين على حرصهم المخلص في سبيل الله لأن الله ترك لنا أدللة و براهين و سنن تدلل على التفريق بين الصادق و الكاذب مع وجود نسبة من الخطأ عند كل الناس بما فيهم نبيينا محمد صلى الله عليه و سللم المعصوم و اللذي عللمنا عمليا أن كل انسان معررض للخطأ سواء في الأمور الدنيوية اللتي لا يمكن لأحد الجزم بأننه على علم بالعلوم الدنيوية كللها وهذا يصحح بالشورى و ابداء الآراء وكذلك الانسان معررض للخطأ الشرعي و اللذي كان الرسول صلى الله عليه و سللم معصوما منها نظرا لأننه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى عليه و على أنبياء الله أفضل الصلوات و التسليمات ..المهم أن خير الخطائين التوابون و هذا بنص الحديث الشريف ..
و على هذا أقول نعم يا فضيلة الشيخ اننا نستعجل في أمورنا الدينية و بطريقة فهمنا للدين عندما ندخل في المجادلات هذه و بالنسبة لي فلا أحب الغلو في الدين لأننه منفرر طبيعي و نفسي و مجررب و لكن كما قلت لفضيلتكم استهتار بعض المتأثرين بالعلمانية العربية و بالتوججهات السياسية الغربية يقومون و بشكل استفزازي الى تبنني هذا الغلو سواء في الدعاة الى الله أو في المجاهدين المقاتلين في سبيل الله و اللذين لا نظن فيهم الى ما صررحوا به من سلامة العقيدة و حسن المقصد و نكره و بلا شك أي خطأ شرعي يقومون به و لكن بدون اقصائهم و ابعادهم نهائيا عن الدين و وصفهم بأننهم خوارج و قد علمنا ما معنى الخوارج و لا نرى في هؤلاء ما ينطبق على الخوارج سوى بعض الجزيئييات البسيطة و اللتي يسهل معالجتها بالحوار و ليس بالاقصاء نهائيا أو بكرههم و سببهم في المنابر الاعلامية و غير الاعلامية فلا أستطيع الصبر على سبب أولياء الله من العلماء و الشيوخ سواء كانوا في الهند أو في السند .. و كذلك لا نستطيع الابتعاد عن مواطن الفتن لأننها أصبحت منتشرة و أرى أن تخفيفها واجب على كل مسلم و هو من الجهاد و ما لم ندركها و نناقشها فسوف نتفاجئ بالنتائج و على حسب معلوماتي فان الانعزال أصبح شبه معدوم في هذه الأيام وغير مرغوب به كما أعلم حاليا على الأقل.
و انني أعترف هنا بأن الجدال أصبح هواية حقيقية أسأل الله أن يعينني على تقويمها و تعديلها وفق الكتاب و السننة ..
و جزاك الله خير و نفع الله بعلمكم و جهادكم يا فضيلة الشيخ ..
الشيخ إبن باز و ألباني و ابن عثيمين رحمهم الله مقبولين هل يعود ذلك لتزكية أخذوها من طرف علماء قد وفهم الله أم تشاجروا عليهو بعض الشباب و أقصوا دعاة آخرين حتى يظهرهم للعامة ؟ أم ماذا؟
بل أعطى الله لهم القبول فتأملوا هذا الحديث:
حدثني إسحاقحدثناعبد الصمدحدثناعبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار عن أبيهعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل إن الله قد أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في أهل الأرض"
لهذا أقول لبعض الإخوة لا تتعبوا أنفسكم في كلام على دعاة و العلماء فوالله إن لم يكتب له الله القبول فلن يأخذه بلإقصاء الآخرين كما يحدث من بعض الجماعات.