خالد بن عبد الله المزيني | 20/11/1425
لا يختص الفقه المعاصر بكونه صنعةً، إذ قد استحالت العلوم الشرعية كلها صناعات كما ذكر ابن خلدون في مقدمته، وذلك أن الناس في صدر الإسلام كانوا ذوي قرائح نقية، يسهل عليهم اقتراء الدليل وتعقله، واستنباط أحكام الوقائع من مجموع الأدلة وآحادها، فلم يكونوا بحاجةٍ إلى تدوين قواعد اللغة والأصول والفقه، وغيرها مما يسمى بعلوم الآلة، إذ كان الواحد منهم فقيهاً مطبوعاً، يعني أنه فقيه بالملَكَة، أو هو ذو ملَكَةٍ فقهية فطرية.
حتى إذا ما اتسعت رقعة الإسلام، بدخول الناس ـ عرباً وعجَماً ـ فيه أفواجاً، واستعجمت ألسنة القوم باختلاط بعضهم ببعض، واستغلق عليهم كثيرٌ من الفقه، نفرَ طائفةٌ من أهل كل فن إلى تدوين أصوله وقواعده، ضبطاً لأحكامه، ونفياً لما قد يتطرق إليه من خللٍ خارجٍ عن متنه، ومما يشهد لهذا الاستغلاق الذي أشرتُ إليه ما قاله الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ: " كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله بالشافعي"، ثمّ مِن بعدُ قال الإمام البخاري في فاتحة جزئه في رفع اليدين في الصلاة [17]: "الرد على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وأبهم على العجَم في ذلك، تكلفاً لما لا يعنيه، فيما ثبت عن رسول الله من فعله وقوله" اهـ.
ولذا فلا غرو أن نجد أهل العلم يصفون الفقه بالصناعة، وشواهد هذا كثيرة.
وثمة فرقٌ بين فعلي "صنَعَ" و"فعَلَ"، فالفعل لفظٌ عامٌّ، يقال لِما كان بإجادةٍ، وبدونها، ولِمَا كان من الإنسان والحيوان والجماد، وأما الصنع فإنه يكون من الإنسان، دون غيره من الحيوانات والجمادات، ولا يقال إلا لما كان بإجادة، ولهذا يقال للحاذق المجيد، والحاذقة المجيدة: صنَعٌ وصَنَاعٌ، وعليه فالصُّنْعُ أخص وأشرف من مطلق الفعل، ويتبدَّى من ذلك أن في الصنع معنى الإبداع، والصَّنَع والصَّنَاع يطلقان على المتقن المبدع ، قال حسان بن ثابت - رضي الله عنه-:
| أهدي لهم مدحي قلبٌ يؤازرُهُ | فيما أحب لسانٌ حائكٌ صَنَعُ |
جزى الله الكاتب خير الجزاء
وأرجوا أن يحث المشرفون على الموقع الكاتب على إثراء الموقع بمثل هذه الكتابات النفيسة.