أ.د. ناصر بن سليمان العمر | 29/10/1425
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد: فمازلنا في وقفاتنا مع سورة يوسف _عليه السلام_، ونقف اليوم مع الأمر الجائر بالسجن، والصادر من إمرأة العزيز ابتداء، قال الله _تعالى_: "ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ" (يوسف:35)، وهنا يرد سؤال: لماذا سجنوه بعد ظهور براءته؟ ألم يرو الآيات؟! ألم يشهد شاهد من أهلها؟ بلى ولكنه سجن لأمور كلها باطلة، ومنها:
أولاً: من هذه الأسباب قوة سيطرة النساء وقوة مكرهن وتأثيرهن على الرجال، وخاصة على من يملك القرار؛ فالمرأة هنا هي التي أصدرت القرار، وما كان من زوجها وهو عزيز مصر إلا أن ينفذ، ولك أن تتساءل من هو العزيز هنا؟ ومن هو الرئيس؟
الزوج أصبح أمام المرأة كالجندي يُصدَر إليه الأمر فينفذ!
وسبب آخر ذكره بعض المفسرين، وهو أنّه سجن من أجل انقطاع الخبر، قالوا: لعل سجنه يقطع الخبر وينهي القضية، ولا شك أن هذا أسلوب خاطئ في التعامل مع مثل هذه الأحداث، وهو ضرب من الطغيان والاستكبار، يؤكد هذا قوله _تعالى_: " لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ"، والحين هو الوقت المطلق وغير المقيد بزمن، قال بعض المفسرين: إذا أعوز السجان الدليل على تهمة المسجون سجنه سجناً مطلقاً يخضع لإرادته وهواه؛ أما إن كانت هناك تهمة حقيقية أو جريمة فعلية فسوف يُحال المتهم إلى المحاكمة وتفرض له عقوبة مقدرة، ولكن عندما لا تكن هنالك تهمة حقيقية يسجن بها هذا المتهم ولا يستطيع أن يثبتها أمام المحاكم وأمام القضاة يعتقل المظلوم اعتقالاً تحفظياً بغير توجيه تهمة ويطول أمد سجنه بغير قيد غير هوى السجان واستكباره وطغيانه.
وهكذا يفعل الذين لا يخافون الله _جل وعلا_ في كل عصر وفي كل مصر وفي كل حين.
وانظروا إلى سجن عدد من الدعاة والمصلحين على مر التاريخ ابتداءً من سجن يوسف _عليه السلام_ ومَن بعده يُسجن أحدهم سجناً مطلقاً لا يُحال فيه إلى محكمة ولا ينظر في قضيته قاض، اللهم إلاّ إن لفقت لائحة اتهام تدينه، فهنا يحال إلى القضاء لينال الجزاء على الجرم الملفق.
ولا يعد أسلوب التلفيق هذا تطويراً في أسلوب الحبس التعسفي الذي علمته امرأة العزيز ظلمة أهل العصر، بل هو أسلوب قديم مورس من قبل امرأة العزيز، وحكى الله _عز وجل_ ذلك في قصة يوسف على لسان إخوته، فقال الله _تعالى_: "إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ" (يوسف: من الآية77).
لقد لفقت تهمة السرقة من قبل ليوسف _عليه السلام_ وحوكم محاكمة صورية كما هو الحال اليوم في كثير من بلاد العالم، ثم اعتقل إلى غير أجل، ومع ذلك صبر إلى أن كتب الله له الظهور والظفر.
لقد أصبح هذا السجن الذي ذكره الله _جل وعلا_ في سورة يوسف، مدرسة تؤخذ منها الأحكام والدروس والعبر، وسأتناول في موضوع السجن الوقفات التالية:
أولاً: إن السجن محنة وبلاء فلا يتمناه أحد، فالسجن بلاء ومحنة ولكن الله _جل وعلا_ قد يجعله منحة لمن صدق معه فلا يرى فيه المسجون غضاضة، بل يراه خير مما دعي له، كما قال يوسف _عليه السلام_: "رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ" (يوسف: من الآية33)، ثم تكون هذه المحنة شرفاً لصاحبه مادام سببها أمراً مشروعاً شريفاً، فإذا سُجن الإنسان بسبب الدعوة أو الأمر بالمعروف أو بسبب ثباته على مبدئه وعقيدته وعرضه فهو شرف له وهو عِزّ.
ومن أبيات الحكمة السائرة قول الأول:
| يهون علينا أن تصاب جسومنا | وتسلم أعراض لنا وعقول |
| فذلك في ذات الإله وإن يشأ | يبارك على أوصال شلو ممزع |