أ.د. ناصر بن سليمان العمر | 7/8/1425
لقد اختصر يوسف _عليه السلام_ بيان أسباب التمكين في قوله لإخوانه عندما دخلوا عليه، وقالوا: "أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ"؟ قال: "أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ".
وهذا إجمال تأتي آيات السورة ببيانه، فأما الأول فهو بوابة النصر ومن أعم مقوماته الانتصار على النفس وأهوائها، وأما المقوم الثاني للانتصار فهو الصبر الجميل، إنه من يتق ويصبر، وصبر يوسف _عليه السلام_ توضحه آيات السورة.
ومن تأملها وجد أن الصبر صبران، صبر اضطرار وصبر اختيار، وكلاهما صبره يوسف _عليه السلام_ صبر الاضطرار عندما وضع في البئر، وكذلك عندما وضع في السجن لم يكن لديه خيار فصبر.
أما صبر الاختيار فهو أعظم، وهو أكثر صبر يوسف، ومن ذلك عندما أراد منه الملك أن يخرج من السجن، فرفض حتى تظهر براءته، وعندما أساء إليه إخوانه "إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ" (يوسف: من الآية77)، لم يتكلم "فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ" (يوسف: من الآية77)، وعندما تولى الملك لم يبادر بإحضار أهله وأبيه، وصبر اختياراً عندما عفا عن إخوانه، "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" (يوسف: من الآية90). يوسف _عليه السلام_، ضرب أروع الأمثلة في صبر الاضطرار وصبر الاختيار، فعلى الداعية إلى الله، والعالم إذا أراد أن يكتب الله به خيراً وتظهر دعوته فعليه أن يلتزم الصبر.
ومن دلائل أن عاقبة الصبر الجميل هي الظفر ما حدث ليعقوب _عليه السلام_، الذي قال: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ"، وذلك في موضعين. والصبر الجميل هو الصبر الكامل الذي لا تشكي معه ولا تأسف. "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ".
ومن أعظم مقومات انتصار يوسف حسن التدبير وبعد النظر، وقد جاء هذا في مواضع في هذه القصة المتكاملة، وهو نوع من التخطيط، عندما جاءه رسول الملك يدعوه فرفض أن يخرج. هذا يدل على خطة كان يرسمها يوسف _عليه السلام_ "ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ" (يوسف: من الآية50). فهو يرمي إلى أمر آخر قد يحتاج إلى تخطيط ويحتاج إلى بعد نظر، وقبل توليه الملك أثبت براءته وبين بعمله أنه حفيظ عليم قبل أن ينطقها لسانه، فلما استدعاه الملك وجعله خالصاً لنفسه، قال: "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" (يوسف: من الآية55). وهذا أيضا بعد نظر من يوسف _عليه السلام_؛ لأنه عرف أنه عن طريق رئاسته مصر، وأن يكون عزيز مصر، أنه سيحقق لدينه ولأمته مجداً عظيماً، وسيطبق شرع الله _جل وعلا_، ومن تخطيطه وبعد نظره. ترويه في إحضار والديه، وقد كان بإمكانه أنه أوّل ما تولى رئاسة مصر أن يصدر قراراً بإتيان أهله، فهو يعرف مكانهم، ولكنه يخطط لأمر بعيد، فجلس عدة سنوات.
فسياق الآيات يدل على أنه لم يأت بأبيه وإخوانه إلا بعد انتهاء سبع الرخاء ثم مجيء السبع الشداد، ففيها جاءت قصته مع إخوانه وعندها وضع أمتعتهم في رحالهم "اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ" (يوسف: من الآية62)، ثم بعد ذلك جاءت المرحلة الثانية، عندما جاؤوا بأخيهم، ثم حدث ما حدث مع أخيه وكل هذا كان بتخطيط دقيق وتنظيم بديع.
إن من أكثر ما تعانيه الأمة، الفوضى والارتجال، ثم يتساءل الدعاة، وتتساءل المؤسسات الإسلامية: لماذا لم ننتصر؟! أليس الحق معنا؟
نعم ولكن أين التخطيط؟ أين بعد النظر؟
ومن أسباب انتصار يوسف _عليه السلام_ إقدامه على المسؤولية بشجاعة نادرة بعيداً عن السلبية. "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" (يوسف: من الآية55). لم يكن يوسف _عليه السلام_ يريد شيئاً لنفسه عندما قال للملك: اجعلني على خزائن الأرض، ولو كان يريد شيئاً لنفسه لطلب الأموال وطلب القصور، لكنه يريد أن يقدم على مسؤولية هو يعلم أنها شديدة وصعبة وشاقة، وأن زمان الرخاء فيها قد آذن برحيل وتحول نحو سبع شداد تحتاج إلى تعب وعناء، ومع ذلك أقبل على المسؤولية بشجاعة نادرة من أجل أمته، من أجل دينه، من أجل عقيدته، لا من أجل نفسه، وهذا مقوم من مقومات الانتصار.
إننا نرى السلبية عند بعض الناس فما أن يعرض عليه أمر فيه مشقة وتعب وعنت إلاّ اعتذر وتخلى عنه، ثم يتولاه من يحرص على مصلحته الشخصية ولا يضره في أي واد هلك غيره!
ومن مقومات الانتصار الظاهرة في سورة يوسف: حسن السياسة للرعية، فقد ساس _عليه السلام_ الرعية سياسة عجيبة تضح من خلال سياق الآيات، قد يقول قائل: هذا حدث بعد أن تولى الملك، وأنت تقول مقومات النصر، فأقول: إن النصر له مفاهيم عدة، الوصول إلى الملك نصر، والاستمرار في الملك والنجاح في الملك نصر، كثير من الناس وصل إلى الملك لكنه فشل في سياسته لرعيته، فخلع قبل أن يتمكن...
| وألذ من نيل الوزارة أن ترى | يوماً يريك مصارع الوزراء |