زُخْرف الحضارة الغربيّة

د. عدنان علي رضا النحوي  | 5/8/1425

من أهم مظاهر واقع المسلمين اليوم هو تفرقهم أحزاباً متنابذة، ودولاً متفرقة متصارعة، عزلت الحدود الجغرافية القلوب بعضها عن بعض، وثارت العصبيات القومية والإقليمية لتكرِّس ما وضعه الأعداء لنا من حدود وفرقة وعداء، وربما جعلنا من هذه المآسي أفراحاً تُقام لها الزينة وتعلن لها الأعياد.
وفي الوقت نفسه نجد الأعداء يتجهون إلى اللقيا وتوحيد صفوفهم، والاتفاق على اقتسام الغنائم، ونسيان الأحقاد بينهم ولو مؤقتاً في قطاع واسع، ذلك ما نشاهده في أوربا التي تسعى جادة إلى الوحدة الاقتصادية والسياسية.
لقد انصرف المسلمون عملياً عن المهمَّة الأولى للدعوة الإسلامية في الأرض، انصرفوا عن دعوة الناس إلى الإِيمان والتوحيد وإلى حقائق الإسلام في القرآن والسنة بنقائها وصفائها، وبأمانة وصدق، فمنهم من انصرف عن أمر الإسلام كله، ومنهم من انصرف عن أمر الدعوة، ومنهم من شغلته دعوة الناس إلى تكتله وحزبه، أو إلى فكره ومذهبه، أو إلى زعيمه، ومنهم من شغلته الفتن والخلافات، ومنهم بعد أن تخلَّى عن مهمة الدعوة الحقيقية أخذ يتأثَّر بالغرب، ثمَّ أخذت أفكار الغرب تتسلل إليه شيئاً فشيئاً.
يَتلقَّى بعضهم ما يَرِدُنا من العالم الغربيّ اللادينيّ والعَلماني، تلقّي القَبول والاستسلام، دون أدنى محاولة للتمحيص والتدقيق، وردّ الأُمور إِلى منهاج الله، وقد بلونا من ذلك كثيراً، ولم يدرك بعض أبناء المسلمين أَنَّ بَيْنَ ما يَردُنا سمّاً زُعافاً طواه الزخرف المُغْري، والأعجب أن أكثر ما أخذناه كان في ميدان فتنة الفكر والخُلُق، وفساد الممارسة وانحلال القيم، وقليلون أولئك الذين يتساءلون: كيف دخل علينا أنواع الرقص، وجنون الغناء، ولهيب الفاحشة، ولم تدخل الصناعة التي تُعين على حماية ديارنا وأعراضنا وأموالنا؟! كيف دخلت شعارات مساواة المرأة بالرجل ولم تدخل شعارات مساواة الإنسان بالإنسان في ميدان الإنسانيّة وشعارات الديمقراطيّة وحقوق الإنسان؟! كيف جاء طوفان الإعلام يدعو إلى جميع أشكال هذه الفتن ولم يدع إِلى حقِّ المسلمين بأن يمتلكوا القوة العلميّة والصناعية والعسكرية؟!
كيف رضي بعض المسلمين من خلال دعوة السلم والسلام أن نُلْقِيَ أسلحتنا ويمضيَ الغربُ يُنمّي أسلحته الفتاكة المبيدة؟!






يُمَنّيهِمْ عَدوُّ الله مَكْراً  
بزُخْرُفِ فتنةٍ وغُرورِ حَالِ(1)

ويَخْدعُهم بِدَعْوى السِّلم حِيناً
 
وحِيناً بالفَسَاد أوِ الضّلالِ

فألْقَوْا عن كَواهِلهمْ سِلاحاً
 
ودارُوا في هَوى قيلٍ وقالِ

فَفُتِّحتِ القلوبُ لكلِّ غازٍ
 
وفتّحتِ الديارُ لكلِّ قالِ

وفاجَأهم سلاحٌ ذو مَضَاءٍ
 
يُقَتِّل باليمين وبالشِّمالِ

إن أحسن ما في الحضارة الغربية وفي ديمقراطيتها مما يتغنَّى به دعاتها ومما يحسبونه حرية وعدلاً هو أدنى بكثير مما في الإسلام، وإن أسوأ ما في الديمقراطية هو أخطر ما يحاربه الإسلام في حياة الإنسان على الأرض، ألا وهو العلمانية والكفر والشرك، فلماذا انبهر بعض المسلمين بالحضارة الغربية وبالديمقراطية إذن؟! إنه واقعنا المرّ وليس للإسلام مسؤولية في ذلك.
إن الغرب لا يعرف حقيقة الإسلام ؛ زعماؤهم وشعوبهم تجهل حقيقة الإسلام، إلا من تفرَّغ لدراسته من المتخصصين المستشرقين أو الأكاديميين الجامعيين، وهم قلة من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يدرسوه من أصوله بقدر ما درسوه من خلال تاريخ غير دقيق وأحداث مضطربة، وربما خالط ذلك نفسية حاقدة تسيء التفسير وتبحث عن العورات، فإذا كان الغرب يتحمل بعض المسؤولية عن جهله بالإسلام، فإن المسلمين يتحملون مسؤولية أكبر، مسؤولية تمتدُّ من الفرد المسلم، إلى الشعوب المسلمة إلى الدول المسلمة، هؤلاء كلهم مسؤولون حين لم يشعروا أن واجبهم الأول هو إبلاغ دعوة الله بكل صفائها ونقائها إلى الناس من مصادرها الربانية، كما نزلت وحياً على محمد بن عبد الله _صلى الله عليه وسلم_.
لقد رفعت الحضارة الغربية عمائر شاهقة، وأقامت مصانع في كثير مما يحتاجه الإنسان من مأكل ومشرب ولباس وتنقلات، وكتابة واتصالات، واستخراج المواد والكنوز من باطن الأرض، وتوليد الكهرباء، والأقمار الصناعية والتجول في الفضاء البعيد والقريب، وتطوير الأسلحة الفتاكة الإجرامية، حتى أنتجوا السلاح النووي والأسلحة الكيماوية وغيرها، ميادين واسعة من التطور العلمي الماديّ.
هذا كله قدّم تطوراً في الحياة المادية للإنسان، فتقدم الطبُّ بكل فروعه، وتطورت الهندسة بكل فروعها، وتطورت سائر العلوم المادية تطوراً حقيقياً انعكس أثره على واقع الإنسان المادي.
وانطلق الإنسان في آفاق السماء الدنيا، وهبط على القمر، وأخذ يجول هنا و هناك والآيات البيّنات جليّة أمامه، واضحة حيثما اتجه، فهل اعتبر الإنسان وتأمل وتدبّر؟! "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ" (فصلت:53، 54).
سُكِّرت الأبصار فهي لا ترى، وعلا القلوبَ الرّانُ فهي لا تعي، وسُدَّت الأسماع فهي صمَّاء!
"وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ" (الحجر:14، 15).
وبدلاً من أن يروا الآيات فيخشعوا وينيبوا إلى الله. أخذهم الغرور حتى حسبوا أنهم ملكوا العالم كله وأخذوا زمام أُموره بأيديهم، فاسمع لنيكسون يقول: "...فنحن نقبض على ناصية المستقبل بأيدينا"(2). لقد كذب وخسئ، فاللَّه وحده يملك الماضي والحاضر والمستقبل، ولكنها فتنة وابتلاء لينكشف غرور المستكبرين في الأرض.
فمع هذا التقدّم العلمي المادي تفتَّحت منافذ الشهوات وأبوابها على مصراعيها، وانفلتت الشهوة الجنسية لتلهب الحياة البشرية بأخبث الجرائم والأمراض الجنسية والنفسية والإيدز، أحدث الأمراض وليس آخرها، مثل على ذلك ورافق هذه الشهوة عريٌ فاضح في الحياة العامة في الميادين والشوارع والحدائق وكلّ مكان، وغرق الناس في هذه الشهوة، لا يفيقون إلا على حشرجات الموت وعذاب المرض وأنَّات الضياع.
وانفلتت النفس دون ضابط لها مع الخمور والمخدرات، حتى أورثت هذه كلها أمراضاً وعاهات، وارتفعت نسبة الجرائم في هذه البلاد المتطورة المتحضرة، حتى لم تعد تأمن على نفسك في جولاتك في الشارع، أو في الفندق، أو في النزهة، أو في بيتك. جرائم قتل العمد بصورة وحشية، وجرائم الاغتصاب، وجرائم السرقة .
انطلقت المرأة في المجتمع الغربي مساوية للرجل، فرحت المرأة أول الأمر بما هيَّأ لها هذا الانطلاق من فتنة الاختلاط، وفرح الرجل حين وجد المرأة رخيصة بين يديه، وتهدّمت الأسرة وتمزّقت روابطها، وازدادت جرائم القتل، رجل يقتل زوجته الخائنة، أو زوجة تقتل زوجها الخائن، وزاد الأمر سوءاً حين امتدت الجريمة في السنوات الأخيرة إلى الطفل في الأسرة. الطفل الذي تضربه أمه، أو يضربه أبوه ضرباً مبرحاً حتى يتشوه فينقل إلى المستشفى، أو يُقتل تحت الضرب فيموت. أين التربية التي تحرّم الضرب في المدارس وتبيحه في قلب الأسرة ليمارسه الوالدان، حتى يموت الطفل العاجز؟ أين معاني الرحمة والإنسانية وحقوق الإنسان ورعاية الطفل في الحضارة الغربية؟ لقد نشرت الصحف مؤخراً ازدياد نسبة الجرائم مع الأطفال زيادة كبيرة في عدد من البلدان وفي انكلترا خاصة.
لقد ازدادت كذلك جرائم الاغتصاب، كل يوم تنشر الصحف أنباء مروّعة عن هذه الجرائم في قلب الحضارة التي تعقد المؤتمرات لدراسة حقوق الإنسان، الحضارة الغربية التي فقدت كُلَّ مقومات الحق الإنساني.. رجل يتصدى لامرأة عائدة لمنزلها فيعتدي عليها ثم يقتلها، مجرمون يقتحمون المنازل فيعتدون على النساء ثم يذبحونهن.
جثث تكتشف هنا وهناك لفتيات أو نساء اعتدي عليهن، وامتد الاغتصاب حتى طال الفتيات الصغيرات، يُعتدى عليهنَّ ثم يقتلن وهن ضعيفات لا يقدرن لصغرهن على الدفاع عن أنفسهنّ.
وأصبح القانون في مجتمع هذه الحضارة يُقرُّ الزِّنا والفاحشة، فما هو معنى الاغتصاب عندئذ؟! وأصبح القانون الفاسد يُقرُّ أكثر من ذلك، أصبح يُقرُّ اللواط! فماذا بقي من كرامة الإِنسان؟! ماذا بقي له من أمن أو حرية؟!
عزلوا دينهم عن الدولة حتى لم يعد له دور في إصلاح المجتمع أبداً، فمن يعالج هذا الفساد المستشري، ومن يصلحه؟! عزلوا الدين عن الحياة، وخنقوه في الكنائس، حتى امتد فساد المجتمع بزناه ولواطه وجرائمه إلى قلب الكنيسة، بدلاً من أن تنقل الكنيسة بعض الصلاح إلى المجتمع، وأصبح هذا الفساد هو الذي يصوغ القوانين للناس، فرُفعت أحكام الإعدام عن القتلة المجرمين، وعللوا ذلك بادعاء الرحمة والنظرة الإنسانية، وأصبحت الجرائم الكبيرة لا تنال العقوبة بقدر ما تنال التشجيع، ولم يبق للدين من دور في حياتهم إلا أن يكون رجاله مقدّمة الفساد والعدوان لجيوش الظلم والطغيان في الأرض، وإلا أن يشاركوا بأكبر قدر ممكن في نشر الفتنة والفساد في الأرض، حتى أصبحت بعض المراكز الدينية عندهم، في قلب حضارتهم، هي نفسها تقيم حفلات الخمور والرقص، رجالاً ونساء، فتياناً وفتيات، وتسهل درب الفاحشة بكل وسائل الفتنة والإغراء، حفلات يباركها رجال الدين ويغوصون في أوحالها. في هذا الجو لم تعد تقتصر الجريمة على طبقة دون طبقة، لقد أصبح عدد غير قليل من رجال السلطة والمال والقانون يتورطون بجرائم القتل والفاحشة واللواط. كم نشرت الصحف عن فضائح جنسية للوزراء في انجلترا، ولرجال الكونغرس في أمريكا، أما في إيطاليا فقد حملت الصحف لنا قصة فتاة دخلت الانتخابات، وقامت بحملتها الإعلانية بعرض مفاتن جسمها وهي عارية على الناس(3) وبالطبع فقد نجحت في الانتخابات، لتكون الانتخابات دليلاً ليس على فساد هذه المرأة وحدها ولكن على فساد المجتمع نفسه الذي انتخبها أيضاً، وحملت لنا الصحف نبأ اعتقال محافظ واشنطن مجرماً بتهمة تعاطي المخدرات والمتاجرة بها، وامتدت الجريمة في المجتمع الغربي امتداداً واسعاً حتى شملت الطبقات كلها، من الطبقات الدنيا إلى الطبقات العليا.
كل هذا الامتداد للجريمة والفساد يسمونه حضارة أو ديمقراطية! ويقولون على العالم الإسلامي اتباع هذه الحضارة! على هذا الفكر المتناقض المضطرب، وعلى هذه النفسية المريضة القلقة، تقوم حضارة القرن الحادي والعشرين، حضارة الغرب بكل مآسيها ومجازرها ودمائها ودموعها، وأيتامها وثكالاها، وأشلائها وجماجمها المتناثرة في الأرض:














حضارة الكفر املـ  
ـئي الأرض بظلم مطبق

بالدّمع.. بالأنّة.. بالـ
 
جرح العميق المرهق

بالجوع..بالثكلى بأيـ
 
ـتامٍ.. بسجن ضيّق

بالذل … بالموت البـ
 
ـطيء.. بالأسى.. بالصعق

بالدّم في مجزرة
 
باللهب المحلّق

بكلّ بنيان هوى
 
بطفله الممزق

يدفن في أنقاضه
 
من غُصص أو حرق

ما قيمة العلم الذي
 
يُلهب حمى السبق

يلهب من جنونه
 
ومن هوى أو شبق

يبني ويُعلي ما بني
 
شواهقاً في أفق

يُنفق فيها عمره
 
وفيض كنز مغذق

ثمّ نراه ينثني
 
في لحظة من نزق

يهدمها إلى الثّرى
 
كأنّها لم تسمق

فهذه حضارة
 
واهية من ورق

لقد شهد القرن الماضي أكثر الحروب دموية في تاريخ البشرية، وأكثر نسبة للجرائم بمختلف أنواعها في قلب الحضارة الغربية، وأخطر شعور بالقلق والخوف عرفه الإنسان في تاريخه، وكأن هذه النسبة العالية كانت تتناسب مع ما يحققه العالم من تقدّم علميّ ومادي.
لقد وقع في القرن العشرين الماضي بحدود مئة وثلاثين حرباً، راح ضحيتها مائة وعشرون مليون قتيل، وهذا العدد يفوق عدد من قتلوا في جميع حروب الإنسان فيما قبل 1900م، ووقع في بداية هذا القرن الحادي والعشرين أكبر مآسي الإنسانية في فلسطين وأفغانستان وفي العراق!
قال ونستون تشرشل قبل أكثر من اثنين وأربعين عاماً: " إنَّ العصر الحجري قد يعود مرة أخرى على أجنحة العلم البرّاقة، وإن النعم المادية التي تغمر الإنسان الآن ربما تؤدي إلى القضاء عليه تماماً ".
العالم الإسلامي اليوم متأخّر من حيث القوةُ الماديةُ والصناعيةُ والعلميةُ بالنسبة لما وصل إليه الغرب، والغربُ متخلف تخلّفاً مريعاً بالنسبة للتصوّر الإيماني الإنسانيِّ الرّباني، ويمكن أن يعيش الإنسان بغير صناعة متطورة، ولكن لا يستطيع أن يعيش دون أخلاق ورسالة تحمل الأخلاق، ويكون الواقع أسوأ بكثير على الإنسان في الأرض، حين يتوافر لدى أمة من الأُمم جبروتُ القوةِ الماديةِ من صناعة وسلاح، وتتجرّدُ من قوَّةِ الأخلاق ورسالتها، فتضطرب الموازين، ويمتدُّ الظلم، والعدوان والمجازر. فمن يوقف ذلك، والسلاح يدفعه والموازين مضطربة والأخلاق ورسالتها مطويّة.
يجب أن نأخذ من غيرنا ما تحتاجه الأُمَّة المسلمة اليوم من صناعة وعلوم تطبيقية في مسيرة نهضتها الإِيمانيّة في مختلف ميادين الحياة. نريد ذلك لأننا نؤمن أن لنا نحن الأمةَ المسلمةَ رسالةً في الحياة: أمانةً حملناها، وعبادةً خُلِقْنا لها، وخِلافةً جُعلت لنا، وعمارةً للأرض بحضارة الإيمان أُمِرْنا بها. إنها رسالة وأَمانة وإِننا محاسَبون عليها بين يدي الله يوم القيامة، وإنها هي محورُ العهد مع الله، العهد الذي أَخذه اللهُ من بني آدم ومن ذريَّاتهم كلِّهم في عالم الغيب، ثم تأكَّد العهد مع كلِّ أُمة وكلِّ رسول. إنها مسؤوليّة عظيمة، وشرف عظيم لمن يقوم بها، وظلم وجهالة لمن يتخلّف عنها.
"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً" (الأحزاب:72).
وحتى ننجح بالأخذ عن غيرنا يجب أن نلتزم بأربعة شروط رئيسة:
أولاً: أن يكون لدينا ميزان أمين دقيق نحدّد به ما نأخذ وما ندع، وهذا الميزان الذي لا ميزان لنا سواه هو منهاج الله قرآناً وسنّة ولغة عربيّة ، ميزاناً يجب أن يملأ نورهُ قلوبَ المسلمين إيماناً وعلماً ثمّ ممارسة.
ثانياً: أن لا نقف عند الأخذ فحسب، فمسؤوليتنا تفرض علينا أن نعطي ونقدّم حين نأخذ، فإن كان لدى بعض الأمم قوة العلم الدنيوي والصناعة والسلاح، فإن لدينا وحدنا العلمَ الحقَّ والنظرة الأمينة والتصور الكامل الشامل للكون، والموت والحياة، والإنسان، وما سخَّره الله للإنسان.
ثالثاً: أن نعي الواقع الذي نعيشه لا من خلال الخوف والوهم والظنّ، ولكن من خلال منهاج الله.
رابعاً: أن يدرس ذلك المختصّون المؤمنون الذين لا يُفْتَنون _بإذن الله_ وهم يأخذون ما نحتاجه من غيرنا.
فإذا توافرت هذه الشروط الأربعة أصبح ما نأخذه من غيرنا يطابق قوله _سبحانه وتعالى_: "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ" (النحل:66).
نعم! نريد أن نأخذ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، ولا نريد أن نأخذ الفرث والدم مما هو متوافر لدى غيرنا، ومما هو غصّة وفتنة وضلال!

________________
(1) من قصيدة " كوسوفا " في ديوان: عِبر وعَبرات للدكتور.
(2) " كتاب نصر بلا حرب " لنيكسون. ( ص: 335) مركز الأهرام للترجمة والنشر إعداد وتقديم المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة. الطبعة الأولى 1409ه 1988م.
(3) اسمها " اليوناستالر " والملقبة " تشيتبشولينا " أصلها هنغاريا. دفعتها الجماهير الإيطالية إلى مجلس النواب في انتخابات ( 1987م ) حين اختصرت برنامجها الانتخابي في عرض جسمها شبه العاري في شوارع روما، جسدها الذي أثبت قدرة فائقة في تعبئة الجماهير لصالحها. مجلة الوطن العربي. العدد 223 749 الجمعة 28/6/1991م.


  

الأخ الدكتور عدنان علي رضا النحوي حفظه الله

جزاك الله خيراً على ما كتبت و عسى الله تعالى أن تصل كلماتك لأكبر عدد من الناس لما فيها من منفعة و فائدة ، وبعد.

بريق ما يصلنا من الغرب خطف أبصار عموم الناس و هيمن على النفوس الضعيفة و أسر قلوب الجاهلين. وهذا ابتلاء رب العالمين للناس في فتنة الشر و الخير. و هي دورة الزمان التي تدور بأمر الله فيتبين الصالح من الطالح و المؤمن من الكافر. و القارئ للواقع الأليم الذي تعيشه البشرية قد يصيبه اليأس بطبيعة الحال ، إلا من آمن بقدر الله سبحانه و تعالى و قبل بما كتبه الخالق العليم على خلقه. لكن لا مفر من حزن المؤمن على قومه و أبناء جلدته ممن ضلوا الطريق و حادوا عن دين الله. و من رحمة الله أنه سخر للناس هذا التقدم التقني في الاتصالات ليطلع بعضهم بعضاً على أحوالهم في جميع بقاع الأرض. و على المؤمن ألا يحزن أن سبق وصول الفساد إلى الفاسدين لأن فوق كل ذي علم عليم. و لنستعجل بالدعاء رحمة الله العزيز القدير أن يسخر هذه التقنيات لنشر الهداية و الدين و نصرة الإسلام و المسلمين. وكما تفضلتم ، المسؤولية كبيرة ، فإلى العمل.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
أخوكم في الله
عبد الودود

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف