محور الكون

مشاري السعدون  | 26/7/1425

الإنسان هو محور هذا الكون ونقطة الارتكاز في هذا الوجود...
الإنسان محور التكليف...
الإنسان محور التكريم....
الإنسان محور العمارة لهذه الأرض...
لقد كرم الله الإنسان ورفعه إلى منزلة لا يوازيها خلق من مخلوقاته _تبارك وتعالى_ ، حيث يقول ربنا – جل وعز – : " وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُم فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُم عَلَى كَثِير مِمَّن خَلَقْنا تَفْضِيلاً ".
والقرآن حين يتحدث عن الإنسان يتحدث عنه كقيمة إنسانية وليس كأجهزة جامدة تمارس عملها بطريقة بليدة تفتقد للإدراك والإحساس بما يدور في هذا الكون، فهو يتعامل معه على أنه الكائن المدرك العاقل المريد المختار الذي خلقه على أحسن هيئة وميزه بالمنطق والعقل والتمييز، وخصه بما خصه من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوان مثله، وأكرمه بتسليطه على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق له، وأكرمه بالكلام والخط والفهم، وأعظمها على الإطلاق نعمة العقل، وأضفى كذلك عليه الحق _تبارك وتعالى_ جناح العطف والبر والتكريم بأن جعله خليفة على هذه البسيطة... فالخلافة تكليف يضطلع به الإنسان لمهام أكبر وأعظم... وهذا ما يجعل الواحد منا يفكر ملياً في أمر نفسه وسيره في هذه الحياة ونقاط التوقف والحركة فيها ليحث السير قدماً ليحقق ما أراده المولى – عز وجل – من خلقه وتكليفه بهذه الأمور، وعندما يعود المرء منا إلى نفسه الإنسانية ويعلم أنما الحياة الدنيا مرحلة من مراحل الانتقال للدار الآخرة، والتي سوف يكون بها الجزاء والحساب والمكافأة على ما قدم في هذه الحياة ليعلم أن الأمر في غاية الأهمية، وهو جد وليس بالهزل .
إذن من هذه النقطة ننطلق لنحقق النجاح الذي أراده لنا ربنا – جل وعلا – ، وهي في الحقيقة بداية العافية للمرء منا بأن يعرف أنه بحاجة ماسة لمعرفة قيمته كإنسان ومن ثم يخطو خطواته الوئيدة نحو الكمال؛ لتشرق تلك النفوس بين جوانحنا وتفيض خيراً ووفاءً وعطاءً للآخرين .
الحياة قصيرة فلا نقصرها بقلة الأداء والإنتاج، فالنجاح بالقيام بمهمة هذه الحياة يحتاج إلى عودة جادة للنفس الإنسانية وسبر أغوارها، ومعرفة نقاط القوة ونقاط الضعف والخلل فيها، ولله در القائل :


ولم أر في عيوب الناس عيباً  
كنقص القادرين على التمام

لابد أن يعي كل واحدٍ منا أن عليه دوراً كبيراً في صناعة هذه الحياة وفق المنهج الإلهي، ولا تتأتى هذه الصناعة إلا بالمعرفة أولاً، وبالإرادة القوية ثانياً، وفوق هذا كله بالاستهداء بنور الوحيين اللذين يرسمان الطريق الصحيح لصناعة حضارة إنسانية تتكامل فيها جميع جوانب الحضارة بقيمها النبيلة من عدل ورحمة وحب وصدق وإخاء، والتي متى انفك الإنسان عنها أصبح يتحرك في نفق مظلم يكون البوار وقلة النجاح والتوفيق نصيبه، وإليكم هذه النظريات الأرضية التي حاولت جاهدة أن تصوغ هذا الإنسان على مشتهى أهوائها ونزعاتها... بعيدة كل البعد عن المنهجي الإلهي، فهذا فرويد مثلاً الذي خرج بفكرة الصراع بين حاجات الإنسان الغرائزية ومتطلبات الحضارة، والذي تاه طوال عمره في محاولة الربط بينهما، وتلاه آخرون بالتفريق بين الأنا( ego ) والأنا العلوية( super ego ) ، وأصبح الإنسان بعد ذلك كله كأنه ببيداء قفر لا يعرف إلى أين يتجه ... ولا إلى أين المصير، وفوق هذا كله أصبح في صراع دائم مع نفسه التي بين جنبيه، بين فطرة تدعوه للخير، وشياطين من الجن الإنس يأزونه للشر أزاً....- وانتهت الحياة وهو لم يعرف بعد قيمته كإنسان .
إن من أهم الحقائق التي يجب أن يعرفها الإنسان هي حقيقة نفسه ، الإنسان الذي يجهل حقيقة نفسه لا بد أن يجهل حقيقة الآخرين ، فيسيء معاملتهم وتتشوه مرآة قلبه . هناك أربع أنواع من مرايا القلوب ، البعض يملك مرآة مقعرة تعظم له الأشياء التافهة، وهذا هو الشخص التافه.. والبعض يملك مرآة محدبة تصغر له الأشياء العظيمة، وهذه مرآة المغرور.. والبعض يملك مرآة مهشمة تريه الأشياء مشوهة، وهذه مرآة الجاهل.. والبعض يملك مرآة مستوية تريه الأشياء على حقيقتها، وهذه مرآة الإنسان الواعي.. أيها الإنسان تأكد أي نوع من المرايا تملك وابدأ معنا رحلة البحث عن الذات ، عن ذلك الفردوس المفقود "إن المسرح الحقيقي الوحيد هو ما كان مرآة للحياة ، حيث يجيء كل إنسان ليشاهد ويتأمل ، يتأمل عصره ، ويجعل من نفسه في ذات الوقت صورة عالمية للنوع البشري "(1)
إن الإنسان الحقيقي هو الذي يعرف أن النجاح في هذه الحياة ليس له نهاية فهو طريق طويل أوله في الدنيا وأخره في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للصادقين من أبناء هذه الإنسانية، والذين أخذوا الكتاب بحقه، وقاموا بأداء أدوارهم على الوجه الذي خطه لهم المولى - جل وعلا – وفق رؤية متوازنة ورسالة ذات هدف .
في الختام...
هي دعوة صادقة للعودة لهذه النفس للتعرف عليها عن كثب، ومن ثم حثها لمعالي الأمور وزجرها عن سفاسفها، وليعلم أن الزمن يسرع ولا انتظار لبطيء أو متثاقل أو قاعد....
ومن ينفر مع بزوغ الفجر فسيسبق من توقظة الشمس...

ودمتم بخير وعافية....
إضاءة خافتة :
قال _تعالى_: "وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَيُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذَانٌ لاَيَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلُونَ * وَللهِِ الأَسْماءُ الحُسْنى فَادْعُـوهُ بِها وَذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُون". (الأعراف: 179 - 180)

____________
(1) فرانسيس أمبير – أدب التمرد ( بتصرف).


  

شكرا للأخ مشاري على هذه المشاركة الطيبة
مقال جميل ورائع ... وفق الله الكاتب لكل خير ...

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف