د. محمد العبدة | 20/4/1425
سألني صديق: هل ما قامت به أمريكا في سجن (أبو غريب) يعبر عن ثقافة أمريكة، أم أنه تصرف فردي من جنود وضباط عندهم شهوة تعذيب الآخرين؟
قلت: سؤالك يُشمّ منه رائحة من يقول: إن ما جرى في (أبو غريب) لا يعبر عن ثقافة أمريكية، وأن أمريكا ما تزال حامية للحرية والحضارة، مع أن الجنود الأمريكيين والضباط الصغار قالوا: هذه أوامر من الجهات العليا، أن نفعل بالسجناء ما نريد من أجل أخذ الاعترافات، ومع ذلك فإن ما فعله هؤلاء الجنود لا يمثل كل الشعب الأمريكي، ولكنه يمثل شيئاً كثيراً من الثقافة الأمريكية، فهذا (الجنس الأبيض) هو الذي أباد الهنود الحمر، حتى لا يزعجهم أحد في قارتهم الجديدة، وحتى لا يفسد عليهم (حضارتهم) شعب متخلف مثل الهنود الحمر، والجيش الأمريكي هو الذي فعل الأفاعيل في فيتنام، واستعمل المبيدات الكيماوية لقتل الزرع والأشجار، وحتى تكون الرؤية واضحة أمام الطائرات المدمرة، وأمريكا لم تأتِ للعراق من أجل نهب خيراته فقط، بل لكسر معنويات هذا الشعب والشعوب الأخرى، كما يفعل اليهود في فلسطين، هكذا نصحهم (المستشرق اليهودي) برنارد لويس قال لهم: هؤلاء العرب عندهم أنفة وافتخار بحضارتهم ولا ينفع معهم إلا الإهانة.
إن تاريخ أمريكا المبكر هو تاريخ الرأسمالية المغالية في الفردية والجشع، تاريخ الشركات الكبيرة التي تضغط على القرار السياسي في سبيل مصالحها الخاصة، وتاريخ أمريكا المبكر هو تاريخ (الكاوبوي) أو تاريخ الصراع والبقاء للأقوى، والمحافظون الجدد (حزب بوش) هم من البروتستانت الذين يعدون التوراة من مصادرهم في تفسير الأحداث التاريخية، ولذلك كان هذا التأييد المطلق للمشروع الصهيوني في فلسطين.
هناك فرق بين شرائح من الشعب الأمريكي مغرر بها من قبل الإعلام، وعندهم من السطحية في الأمور السياسية ما يصدقون به حكومتهم التي يثقون بها، وبين الثقافة الأمريكية بشكل عام التي تقدس القوة ونظرية الصراع، وتنظر للشعوب الأخرى نظرة استعلائية، وأما النواحي الإنسانية التي نلاحظها عند أفراد الشعب أحياناً فهي فضائل (جذبية) كما يعبر المفكر الجزائري مالك بن بني - رحمه الله – وليست فضائل إشعاعية، أي أنها فضائل فيما بينهم وليست لغيرهم.
(2)
وسألني: هناك بعض الدعاة الذين يتوجهون للقضايا الاجتماعية وآخرون للقضايا العلمية، وغير ذلك من التوجهات التخصصية، فهل هذا هو المطلوب؟ وهل هذا يكفي مع ما هو ملقى على عاتقهم من مسؤوليات؟
قلت: هذه الأعمال التي ذكرتها طيبة، والمجتمع بحاجة لها، ويبقى الأصل الأصيل المنوط بالعلماء والدعاة أن يهتموا به هو رفع مستوى المسلم إيمانياً وأخلاقياً واجتماعياً ليستطيع بنفسه أن يرى الأمور رؤية صحيحة، ويستطيع أن يحل مشاكله، وعنده القدرة على المساهمة الفعالة في النهضة المطلوبة.
يجب أن يرتفع العلماء والدعاة بمستوى جماهير الأمة ليدركوا عوامل التقدم والتأخر، وعوامل الانحطاط والرقي، ومن ثم يكونون خير مساعد لأهل العلم والفكر في الأهداف التي يسعون إليها، هكذا كانت الدعوة الإسلامية في بدايتها رفعت العربي من ضيق النظرة إلى رؤية عميقة وفهم شامل للحياة، ونقرأ في تاريخنا عندما تكون الأمة في حالة حضارة أن مدينة قرطبة عاصمة الدولة الأموية في الأندلس لم يكن يوجد فيها أُمِّيّ واحد لا من الرجال ولا من النساء.
(3)
وسألني: ألا ترى أن الإكثار من كلمة السنّة وأهل السنّة يمكن أن يثير الآخرين ويغضبهم، ونحن بحاجة الآن إلى التكتل والوحدة..؟
قلت: عاشت فرق ومذاهب شتى داخل الحضارة الإسلامية، ولكن الكتلة الصلبة والأساسية التي تمثل هذه الحضارة، والتي دافعت عن هذه الحضارة، وقامت بحمايتها هم الذين تطلب عدم الإكثار من ذكرهم، والذين ينزعجون من ذكرهم، هم أكثر الناس تعصباً وميلاً إلى التفوق، ولكن إذا ذكر من يمثل غالبية الأمة قالوا: لا تذكروا ولا تفرقوا!!
إن الكتلة الأساسية يجب أن تكون متماسكة قوية، وبعد ذلك يأتي الحوار والتعايش ووضع الأمور في نصابها، وإحقاق الحق مع المخالف ومع الآخرين، ومن منطلق الوضوح وليس من منطلق تمييع العقائد والأفكار والمصطلحات، لقد أعطى القرآن وصفاً خاصاً لأهل الكتاب مغيراً للعقائد الوثنية الأخرى، ولكنه أيضاً وصف حالهم بما هم عليه دون مجاملة أو ظلم، فالحق يجب أن يكون واضحاً والباطل يجب أن يكون واضحاً، وبعد ذلك تتم المجادلة بالحسنى وحفظ الذمم والعهود.
(4)
وسألني: كيف نتلمس الطريق إلى الحل في مثل هذه الظروف الصعبة وفي هذا الاضطراب الفكري؟
قلت: هذا موضوع كبير، ولا نريد أن نبسّطه ونقول: الحل كذا في جملة واحدة وكأنه حبة دواء تعطى للمريض، ولكن إذا أردنا البدايات والحديث حول هذا الموضوع نقول: إن الحل يبدأ من الإنسان من القلب كما جاء في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من النفس، من تغيير ما بالنفس من أمراض وعُقَد والتواءات، المسلم الذي يعيش (التوتر الروحي) إذا صح التعبير، هو الذي يخطو الخطوة الأولى على الطريق الطويل، المسلم الذي يجعل أكبر همه الدين وليس الذي يلقي درساً أو محاضرة، ثم يرجع إلى منزل مترف وعيشة رغيدة مليئة بالأشياء، عندما يسخر المسلم وقته وماله وجهده وعلمه في سبيل الله، عندما لا تأسره عادة أو عرف مخالف للإسلام، ولا تأسره عصبية قبلية أو مدينية أو إقليمية وتعيقه عن المضي في الطريق الصحيح، عندما يتعلم كيف يتعاون مع الآخرين ويتدرب على المشاركة في القرار، عندما يرتفع مستواه الأخلاقي إلى درجة عالية، فلا تقتله الأنانية والحسد، ولا ينخر روحه العُجب والكِبْر، عندما يفكر تفكيراً سليماً غير ذي عوج، عندئذ يبدأ الحل، وهذه هي البداية والقضية كبيرة وتحتاج إلى وسائل أخرى أيضاً.
أين نحن من العمل ؟
شاكرا لكم ولشيخنا تساؤلاته .