أ.د. ناصر العمر | 17/10/1424
العلاقة بين الثقافة الإسلامية والعولمة:
إن الله هو رب العالمين، والدين الذي ارتضاه للعالم هو الإسلام "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" (1)، وقد بعث الله محمداً _صلى الله عليه وسلم_ رحمة للعالمين، فأدى الرسول الكريم رسالة ربه، فخاطب العرب والعجم، بل دعا الثقلين، ثم أخبر من لاينطق عن الهوى بأن دين هذه الأمة ظاهر، وأنه أكثر الأنبياء تبعاً.
فأمة الإسلام مبعوثة لتنقل ركناً ركيناً من أركان الثقافة إلى البشرية بل إلى العالم، فقد قال الله _تعالى_ عن نبيه محمداً _صلى الله عليه وسلم_: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين ~ لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين" (2) ومما قيل في معناها: "لينذر بهذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض"(3).
وقال _سبحانه_: "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ~ إن هو إلاّ ذكر للعالمين" (4)، "وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلاّ ذكر للعالمين" (5)، " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (6)، وقال _سبحانه_: " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً" (7)، " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (8).
وفي حديث الصحيحين: "أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي" قال _صلى الله عليه وسلم_: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" (9).
فاستجاب نبينا _صلى الله عليه وسلم_ لأمر ربه وبدأ بدعوة قومه، فاستجاب له قلة وجمع من الضعفاء على استخفاء، أما الأقوياء والكبراء فقد فرحوا بما عندهم من العلم، "وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين" (10) فجاهروا بصريح العداء، وزعموا أن ما جاء به محمد _صلى الله عليه وسلم_ معتقدات (راديكالية) بالية، لها جذور قديمة، لا أساس لها من الصحة "إن هذا إلاّ خلق الأولين" (11)، "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً" (12).
ولكن سنة الله في الأمم تمضي فما هي إلاّ سنوات قلائل حتى تغيرت الحال، ومما امتن الله به على عباده المؤمنين: "واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون" (13).
وتنفيذاً لأمر الله لم يكتف _صلى الله عليه وسلم_ بدعوة من بدأ بهم من عشيرته الأقربين، فدعى قومه ثم سائر العرب، بل خاطب الأمم والشعوب ممثلة في عظمائها، وكان من ثمرات ذلك إسلام بعضهم كالنجاشي بأرض الحبشة، وإقامة جسور للدعوة بأرض مصر عن طريق الاتصال بمقوقسها، أما كسرى فمزق رسالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ فمزق الله ملكه، وعظيم الروم آثر اتباع الهوى من بعد ما تبين له الحق.
ولأنه _صلى الله عليه وسلم_ رحمة للعالمين لم يكتف بدعوة البشر، بل دعا _صلى الله عليه وسلم_ الجن أيضاً فانقسموا "فمن أسلم فؤلئك تحروا رشداً" (14)، "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً ~ يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا" (15)، "وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ~ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ~ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ~ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (16).
وقد تكفل الله بنشر دعوة الإسلام، فعن ثوبان _رضي الله عنه_، قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها"(17)، فهذا وعد بقبول دعوة الإسلام وعالميتها، وفي حديث ابن عباس: خرج علينا النبي _صلى الله عليه وسلم_ يوماً، فقال: "عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً سدّ الأفق فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سواداً كثيراً سدّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب" (18).
إن هذا الانتشار الواسع لأمة جاءت في ختام الأمم، لدليل يبين أن لديها من الخصائص والمميزات ما لا يوجد في سواها.
كما أن لسيادتها وظهورها في عصرها الأول عندما قام أهلها بها حق القيام، لدليل على صدق الوعد بظهورها في الآخرين على سائر الملل.
فإذا سرنا على نفس الطريق تحقق الوعد الإلهي بظهور هذه الدعوة وقبولها على نطاق واسع، وإذا تأخرنا تأخر، وبشائر الحاضر _بحمد الله_ حاضرة شاهدة، فعجلة الدعوة رغم النكوص والعراقيل والحواجز والسدود لم تتوقف وإن تباطأت، فدعوة الإسلام –بحمد الله- في اطراد مستمر، والناس يدخلون في دين الله يوماً بعد يوم، رغم ضعف الآلة الإعلامية والمقومات المادية الأخرى.
ومتى رجع المسلمون لسابق عهدهم وترسموا خطى سلفهم، ازدادت قوة دعوتهم، وانتشرت ثقافتهم واكتسحت، كما ظهر الصدر الأول وعلا في سنوات قلائل.
ومن البشائر أيضاً أنه ليس ثمة مكان -بحمد الله- في أرض الله يخلو من مسلم، وهذا يدل على مواءمة دعوة الإسلام وثقافته لكافة المجتمعات، وعلاجها لظروف أي زمان ومكان، وليس هذا تنظيراً علمياً بل هو واقع عملي.
وليس معنى هذا أن دعوة الإسلام خاضعة للتشكل كالطين أو العجين، يلعب به الصبيان فيصورونه كيف شاؤوا، ولكن المراد بيان أن في شريعة الله علاجاً لكافة أوضاع البشر أين كانوا وأيان وجدوا، وأن من تمسك بها فهو موعود بالحياة الطيبة، وكل المطلوب ممن أرادها هو أن ينهل من المعين الصافي الذي نهل منه الصدر الأول، دون أن يحاول تغيير مجراه، أو تحسين محتواه، فالذي وضعه عليم خبير، والذي أداه حريص أمين.
فالواجب أن نؤدي ما علينا من تبليغ دعوة الله، فنأخذ بالأسباب المادية، ونضع الخطط والبرامج الاستراتيجية، والله قد كفل القبول والعالمية.
أما ما يرد إلينا من علوم وثقافات وافدة، فإن فيها حقاً وخيراً، وهذا يقبل ممن جاء به، كما أن فيها باطلاً وشراً، وهذا يرد على من جاء به، وهو غالب ما يرد، والمطلوب ألا نخضع شريعتنا ونلويها حتى توافق ما وفد، وإنما نُحكِّمها فيما يرد، ونرضى بحكمها، ثم لا نجد حرجاً فيما قضت، ونوقن بأنه الخير والحق.
إن في سنة نبينا _صلى الله عليه وسلم_ وفي عمل الصدر الأول تقريراً لهذا المنهج، فقد نقل أهل السير لنا استفادته -صلى الله عليه وسلم- من ثقافة الفرس يوم حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي _رضي الله عنه_، وقد لبس -صلى الله عليه وسلم- جبة من صوف رومية، وعرف الاستبرق وأصله أعجمي، وأطلقوا على الجمال طويلة العنق ما كان يطلقه العجم، فقالوا: بختي وبختية، ورمى الصحابة بالمنجنيق وهي فارسية، واستعملوا سيوف الهند، وعرفوا الصولجان، وقرؤوا المجال -مفرد مجلة- وهي وافدة، وأقر نبينا -صلى الله عليه وسلم- الدركلة ضرب من لعب الحبشة حتى جاء في الأثر: "خدوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة" (19).
وبالمقابل نبذ الصدر الأول ثقافات وعادات وافدة، ومنها: اللعب (بالإسبرنج) وهي الفرس التي في الشطرنج، وعرفوا الشطرنج وما فيه من بياذق أوبيادق وكلها فارسية، وجاء في الأثر: "من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (20)، وعرفوا لعبة السُّدُّر -نوع من القمار- وأنكروها، وعرفوا السمسرة من فارس وتكلموا فيها،
و لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: ما هذا؟ قال: يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك.
قال: "فلا تفعل" (21).
بل أكثر من ذلك كان عندهم نوع استقراء وتحليل للثقافة الوافدة، فقد تصوروا بعضها، وحكموا عليها –حكماً خاصاً- قبل أن تفد، ومن ذلك ما جاء في البخاري: عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: لما اشتكى النبي- صلى الله عليه وسلم- ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة - رضي الله عنهما- أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال:"أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (22).
فينبغي للمسلمين أن يعدوا الدراسات ويقيموا الثقافات من حولهم، حتى يميزوا بين حقها وباطلها وفقاً لضوابط الشرع، فيقبلوا ما فيها من خير، ويحصنوا المجتمعات ضد ما فيها من شر، وأول ذلك يكون بتقرير الثقافة الإسلامية في نفوس ذويها، وترسيخ مفاهيمها وبيان محاسنها قبل دعوة الآخرين إليها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسأل الله العلي القدير أن يزيدك علما وتقى وصلاحا يا شيخنا الكريم
وفي الحقيقة أن الموضوع الذي طرحت للشباب في أمس الحاجة إليه وكذلك الطلاب لمعرفة ودراية ما عليه الإسلام وعلماءه من نظر لهذه العولمة العالمية
وإننا أيضا في أمس الحاجة في تلك الموضوعات التي تجعل الإنسان المسلم يكون بصيرا بما يكون عليه تجاه من يفد إلينا من أفكار وعولمة ،،، فالإنسان يعيش تائها في ظل هذه العولمة متى بعد عن منهج الله وهدي نبيه الكريم ...
ومتى ما ابتعد عن جادة الطريق وفر عن علمائه ودعاة الإسلام الناصحين
كتب الله لك الأجر يا شيخنا الفاضل فيما تقدم وفيما تكتب ،،
فلكم استفدنا من هذه الكتابات ومن تلك الدروس الصوتية من الموقع
واللح يحفظكم ويرعاكم
ابنكم
النبراس
السعودية