أ.د ناصر بن سليمان العمر | 26/7/1424
جزيرة العرب ودعوة إبراهيم وإسماعيل _عليهما السلام_:
ومن مميزات جزيرة العرب التي جعلتها ذات حضارة رائدة متميزة: قيام دعوة إبراهيم _عليه السلام_ بها:
هي الحنيفية عين الله تكلؤها** فكلما حاولوا تشويهها شاهوا
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (1) "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (2) فاستجاب الله دعوته، وجعل في نسله من الأنبياء من يقوم بدعوة الحنيفية يحوطها ويرعاها ويتممها، فكان إسماعيل _عليه السلام_ أبا العرب ورسولهم والمجدد الأول لملة إبراهيم -عليه السلام- وعن بنيه انتشرت بقايا الحنيفية في سائر أرجاء الجزيرة العربية، وصارت الحنيفية الديانة الرسمية لشبه الجزيرة العربية.
ولقد ظل العرب رواد حضارة نبوية مجيدة ردحاً من الزمن، ثم لما تقادمت بهم السنون، اندرست معالم حضارة التوحيد شيئاً فشيئاً، إلى أن جاء عمرو بن لحي الخزاعي، واستورد عبادة الأصنام عن دين العماليق بأرض الشام(3) ، قال _صلى الله عليه وسلم_: " رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار" (4) ، وأورد ابن إسحاق في (السيرة الكبرى) … أتم من هذا ولفظه: " سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، يقول لأكثم بْن الْجَوْن: رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار؛ لأنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسَيَّبَ السَّائِبَة، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَة، وَوَصَلَ الْوَصِيلَة، وَحَمَى الْحَامِي" (5)، وقال و" قال هشام وحدثني أبي وغيره أن إسماعيل _عليه السلام_ لما سكن مكة وولد بها أولاده فكثروا حتى ملأوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضاً فتفسحوا في البلاد(6)والتماس المعاش فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلاّ احتمل معه حجراً من حجارةِ الحرم؛ تعظيماً للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت حباً للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل _عليهما السلام_، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح _عليه السلام_ منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه"(7).
غير أنه بقيت فيهم قلة على الحنيفية مستقيمون، كأمثال زيد بن عمرو بن نفيل، قال ورقة بن نوفل -وهو كذلك من المتألهين قبل البعثة دارساً للكتاب- في رثائه:
| رَشدت وأنعمت بن عمرو وإنما | تجنبت تنوراً من النار حامياً | |
| بدَينِِك رباً ليس رب كمثله | وتركك أوثان الطواغي كما هيا |
| فأصبحت في دار كريم مُقامها | تُعَلَلُ فيها بالكرامةِ لاهياً | |
| تُلاقي خليلَ الله فيها ولم تَكُنْ | من الناس جباراً إلى النار هادياً | |
| وقد تُدرِك الإنسان رحمة ربه | و لو كان تحت الأرض سبعين وادياً |
| إنَّ آيــات ربنــــا ثــاقبــــاتٌ | لا يماري فيهنَّ إلاّ الكفورُ | |
| كل دينٍ يوم القيامةِ عند اللـ | ـه إلاّ دين الحنيفة بورُ |
| فــرأى الله حالــهم بمضْيَــعٍ | لابـذي مَزْرَعٍ ولا مَثْمُـورا | |
| فسنــاها عليهمُ غاديــاتٍ | وترى مُزنهم خَلايا وخُورا |

جزيرة العرب قبل البعثة النبوية الشريفة _على صاحبها أفضل الصلاة والسلام_