أ.د ناصر بن سليمان العمر | 26/7/1424
أولاً: الإرث الحضاري التاريخي لجزيرة العرب
* إن لأهل الجزيرة العربية ثروة تاريخية ثرة(1)، وإرث حضاري يمتد عبر قرون بعيدة وأزمنة مديدة، يجب أن يستلهموا منه دروساً، وأن يأخذوا منه عبراً، للمضي بحضارتهم ورسالتهم قُدماً.
فجزيرة العرب بها أم القرى، وبيت الله الحرام، ومدينة النبي ومسجده _عليه الصلاة والسلام_ وما بين البيت إلى المنبر، روضة من رياض الجنة (2):
| بطيبة رسمٌ للرسول ومعهد منيرٌ | و قد تعفو الرسوم وتهمد | |
| ولا تمحي الآيات من دار حرمة | بها منبرالهادي الذي كان يصعد | |
| و واضح آيات وباقي معالم | وربع له فيه مصلى ومسجد | |
| به حجرات كان ينزل وسطها | من الله نور يستضاء ويوقد | |
| معارف لم تطمس على العهدآيها | أتاها البلي فالآي منها تجدد |
| إذا هَزَّنا الشوقُ اضطربنا لهزه | على شُعُبِ الرحل اضطراب الأراقم | |
| فمن صبواتٍ تستقيم بمائلٍ | ومن أريحيات ٍ تهبُ بنائمِ | |
| وأَسْتَشرِفُ الأَعلامَ حتى يدلني | على طيبها مَرُّ الرياحِ النواسمِ | |
| وهل أنسم الأرواح إلاّ لأنها | تَهبُ على تلك الربى و المعالمِ |
| وإني وإن فارقت نجداً وأهله | لمحترق الأحشاء شوقاً إلى نجدِ | |
| أروح على وجدٍ وأغدو على وجدٍ | وأعشق أخلاقاً خلقن من المجدِ |
| أقول لصاحبي والعيس تخدي | بنا بين المنيفة فالضمار | |
| تمتع من شميم عرار نجد | فما بعد العشية من عرار | |
| ألا يا حبذا نفحات نجد | ورياً روضه غب القَطار | |
| (وربك) إذ يحل الناس نجداً | وأنت على زمانك غير زار | |
| شهور ينقضين وما شعرنا | بأنصَاف لهن ولا سرار |
هـل غـادر الشعراء من متردم ** أم هل عرفت الدار بعد توهم
و فوق ذلك تجد في تلك المصنفات ذكر عشائر الجزيرة وقبائلها وخصائصهم، وأمور دقيقة متعلقة بهم.
وفضلاً عن ذلك فقد كان للحضارات القديمة فيها شأن عظيم، بل إن أول الحضارات البشرية قامت بها وأَهَلتْها، وذلك لمّا بنى آدم _عليه السلام_ بيت الله الحرام(4) فكان أول بيت وضع للناس ببكة مباركاً، وقد ذكر العليم الحكيم في القرآن الكريم عن حضارات الجزيرة العربية ما لم يذكره عن غيرها من الأمم والحضارات التي قامت في شتى البلدان والأقاليم فسادت ثم بادت.
ألا ترى أن جزيرة العرب، أرض معجزات نبوية، ومجال رسالات سماوية ، ففيها بلد سبأ، وسدُّ مأرب، وعرشٌ عظيم، وبئرٌ معطلة، وقصر مشيد، بل سائر بلاد عاد؛ إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، وأصحابُ الرس، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الأخدود، وقبر هود، ودعوة إبراهيم، وحجر صالح، ومدين شعيب، ومرتع إسماعيل، وملجأ موسى، ومهد محمد _صلى الله عليه وسلم_ وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين ومثواه:
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ** بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد sup>(5)
ثم كانت أرض الجزيرة وطاءً لخير القرون وأديمها لحافاً لجُلِّهم بعد أن غيبوا تحت أطباق ثراها.
وشتان شتان بين قبر لأبي بكر وعمر، وآخر لخوفو وخفرع! بون واسع وفرق شاسع بين روضة من رياض الجنة وحفرة من حفر النار:
لئن تطاول بالأهرام منهزم ** فنحن أهرامنا سلمان أو عمر
ومع هذا كله فأرض الجزيرة العربية تشتمل على حدود جليلة، وكُوَرٍ جسيمة، فهي من أمد الأقاليم مساحة، وأفسحها ساحة، وأعظمها حرمة، وأشرفها مدناً، "وربك يخلق ما يشاء ويختار" (6).
لحكمـة ٍ بالغـــة ٍ قضــاهـا ** يستوجب الحمد على اقتضاها
وقد فضل جزيرة العرب على ما سواها جمع ممن عنوا بالأقاليم والبلدان، قال الهمداني: "أفضل البلاد المعمورة من شق الأرض الشمالي إلى الجزيرة الكبرى ... وتسمى جزيرة العرب"(7) ، وقال القلقشندي: ".. بجزيرة العرب الواقعة في أواسط المعمورة وأعدل أماكنه وأفضل بقاعه، حيث الكعبة الحرام .." (8)، قال المقدسي في أحسن التقاسيم: "وهي أمد الأقاليم مساحة، وأفسحها ساحة، وأفضلها تربة، وأعظمها حرمة، وأشرفها مدناً" (9).
فجزيرة العرب من أفضل البلاد وأشرفها، قال الشيخ بكر أبوزيد: "كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولهذه الجزيرة جملة أسماء؛ كلها مضافة إلى العرب لا غير"(10) وذكرها: [جزيرة العرب]، و[أرض العرب]، و [بلاد العرب]، و[وديار العرب]، و[الجزيرة العربية]، و[شبه جزيرة العرب]، [وشبه الجزيرة العربية](11).
ومما يدل على شرفها أيضاً كثرة ما صنف فيها، وقد أشار الشيخ بكر إلى شيء منها، ومما كُتب زيادة على ما ذكر ، والشأن هنا أيضاً في ذكر المؤلفات المفردة عن هذه الجزيرة على اختلاف مقاصد المؤلفين:
1. (جزيرة العرب) للأصمعي، يذكره من ترجم له.
2. (جزيرة العرب) لأبي سعيد السيرافي، ذكره الباباني في (هدية العارفين)، وغيره.
3. (جزيرة الإسلام) للشيخ سلمان العودة، مطبوع، وما يليه كذلك.
4. (جزيرة العرب مهد الحضارة الإنسانية) لمحمد معروف الدواليبي.
5. (مرآة جزيرة العرب)، لأبي أيوب صبري باشا.
6. (السكان والاقتصاد والعمل قبل قرن في جزيرة العرب) أحمد اليحيى.
7. (جغرافية شبه جزيرة العرب) لمحمود أبو العلا.
8. (جغرافية جزيرة العرب)، لعمر رضا كحالة.
9. (رحلات في شبه جزيرة العرب) لجون لويس بوركهات.
10. (جزيرة العرب قبل الإسلام) لبرهان الدين دلو.
11. (تاريخ جزيرة العرب القديم، وسيرة النبي _صلى الله عليه وسلم_) لعبدالله العثيمين.
12. (وفود القبائل على الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وانتشار الإسلام في جزيرة العرب) لحسن جبر.
13. (جزيرة العرب مصير أرض وأمة) لمحمد ولد داداه.
14. (شبه جزيرة العرب) لمحمود شاكر، وهو مجموعة كتب جعل لكل قسم أو أقسام منها كتاباً.
15. (أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ: جزيرة العرب) لمحمد عبدالهادي، وفاء محمد.
16. (صور من شمالي جزيرة العرب: في منتصف القرن التاسع عشر) لجورج أوغست، ترجمة سمير الشبلي.
17. (أرض المعجزات: رحلة في جزيرة العرب) لعائشة عبدالرحمن.
18. (جزيرة العرب في العصر الحديث) لصلاح العقاد.
19. (الجزيرة العربية: موطن العرب ومهد الإسلام) لمصطفى مراد الدباغ.
20. (لمحات عن تطور الفكر في جزيرة العرب في القرن العشرين) لفهد المبارك.
21. (جزيرة العرب في القرن العشرين) لحافظ وهبة.
22. (النهضات الحديثة في جزيرة العرب) لمحمد عبدالله ماضي.
23. (مشاهداتي في جزيرة العرب) لأحمد حسين.
24. (اكتشاف جزيرة العرب: خمسة قرون من الحضارة والعلم) جاكلين بيرين، ترجمة قدري قلعجي.
25. (دراسات عن تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية) لصباح إبراهيم الشيخلي.
وقد أغفلنا شيئاً مما كتب في جيولوجيتها وتضاريسها للاكتفاء بما ذكر، أما التسجيلات المرئية والندوات وما كتب في المجلات من مقالات متخصصة عن الجزيرة العربية فأكثر من أن تحصر، ولا أطيل بسرد بعضها، ففيما سبق غنية وكفاية.