12 جمادى الأول 1428

السؤال

كيف أزرع الألفة والمحبة في قلوب إخواني وأخواتي؟

أجاب عنها:
د. محمد العتيق

الجواب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نشكر لك تواصلك مع موقع المسلم وثقتك بالقائمين عليه دعني أولاً أشاركك هذه القصة: يقول أحدهم حينما كنت في الخامسة عشرة من عمري حصل خلاف بيني وبين أخي الذي يكبرني بسنتين كما يحصل يوميا في عشرات البيوت بين الإخوة والأخوات. بعدما بردت المعركة ووضعت الحرب أوزارها وهدأ الخلاف، فكرت بهدوء وقلت لنفسي: هل أنا على استعداد لأن أفقد أخي لسبب تافه كهذا؟ أو كلما حصل خلاف بيني وبين أحد أفراد العائلة، تكون النتيجة هي المقاطعة أو على أحسن الأحوال العلاقة الجامدة الخالية من العاطفة؟ وكان الجواب يصرخ في داخلي ويقول: لا وألف لا! وأنا أقول: لو سأل أحدنا نفسه بصدق: ماذا تمثل له أسرته بجميع أفرادها؟ لو طلب من أحدنا أن يرتب أهم ما في حياته من أمور، أين سيكون موقع الأسرة؟ سيكون في أول القائمة ولاشك، ومكانتها في قلبه وحياته ستكون أعظم بكثير من أن تنال منها الخلافات اليومية والمشاحنات التي لا تنتهي. كلام جميل ولكن كيف نجمع بين الأمرين؟ كيف يتسنى أن نستمتع بأجواء عائلية حميمة وعلاقات دافئة مع هذه الخلافات التي لا مفر منها مهما كان الأمر؟ هنا يكمن السر! إن ما نحتاجه لتحقيق هذا الأمر هو أن يكون لدينا زر تحكم، إن صحت الاستعارة، يجعلنا نقف ونفكر جيدا ثم نتصرف في المواقف المختلفة، بناء على القيم الأسرية التي نؤمن بها في أعماقنا وليس بناء على القشرة السطحية العابرة التي تغلف عواطفنا . أعرف أحد الأشخاص عندما يأتي إلى البيت وقبل أن يدخل ، يقف قليلا ويقول في نفسه : البيت هو أكثر الأماكن إمتاعا وأنسا، وأكثرها راحة ، ولذا فمن الحماقة أن أفقد مثل هذه المميزات بسبب تصرفات غير مناسبة! ولذلك فهو عندما يدخل إلى البيت ينسى - ولو مؤقتا - الإجهاد الذي يحس به والمتاعب التي يحملها بعد عناء يوم مليء بالمشاغل، فيدخل البيت بروح مرحة يحي أفراد العائلة واحدا واحدا، يبدأ بوالديه يقبل رأسيهما ويسترضيهما، يلاعب الصغار ويثير المرح والأنس في أجواء المنزل حتى لكأن قدومه إلى المنزل احتفال مصغر يحدث كل يوم. مثل هذا السلوك ليس فقط يمنح صاحبة راحة وطمأنينة، ولكنه يجعله قريبا من كل أفراد العائلة، يرون أنه لصيق بهم، يراع أحاسيسهم ويتفاعل مع مشكلاتهم فهو يعني لهم الشيء الكثير! يمكننا أن نمثل علاقاتنا بين بعضنا البعض داخل الأسرة الواحدة بالحساب المصرفي أو البنكي الذي نودع فيه ونسحب منه . فكلما زاد الرصيد في حسابك العاطفي كلما كانت علاقاتك مع أفراد العائلة أقوى صلة وأكثر دفئا. ولكن ما هو الشيء الذي يمكنك أن تودعه في حسابك ويزيد من رصيدك العاطفي؟ هنا بعض الاقتراحات: - إظهار المحبة والرحمة: ليس صحيحا أن نكتفي بالقول أننا نحب بعضنا البعض دون أن تبدو منا أمثلة على ذلك. إن إظهار المحبة واللطافة والتقدير، سواء بالقول أو الفعل ولو في أشياء قد تبدو تافهة أو غير مهمة هي مفتاح هذا الأمر. كلمات مثل: شكرا ورجاء وأحسنت وتفضل كلها أمثلة لما يمكن أن نطبع بها تعاملاتنا اليومية. فتفضل بدلا من خذ، ورجاء بدلا من أعطني ، وشكرا بدلا من السكوت، وغيرها كثير، تفعل في النفس فعل السحر. - الاعتذار: ليس المطلوب هو العصمة من الأخطاء ولكن المطلوب هو حسن التعامل عند وقوع الخطأ. لماذا نحرص على الاعتذار من الناس الغرباء ومن لا تربطنا بهم صلة قوية، ونفرط في الاعتذار لبعضنا البعض داخل الأسرة الواحدة؟ ليس صحيحا أن أخي سيتحمل أخطائي ويغفرها تلقائيا لمجرد أنه أخي! إن الاعتذار بعد وقوع الخطأ، يدل على النفوس الشفافة المرهفة، النفوس التي تخشى على علاقات القربي أن يمسها أدني شائبة، ولذا فهي تسعى لتزيل ما قد يكون بقي في القلوب من أثر، فتعتذر! - الوفاء والإخلاص: وهذا أدني ما يجب أن يحمله كل فرد تجاه الفرد الأخر في الأسرة. نظريا كل الناس يقول هذا ولكن ماذا عن التطبيق العملي؟ هنا الأمر يختلف، فمقل ومكثر. هل تتكلم عن شخص أخر من أسرتك في غيبته بما لا ينبغي؟ وإذا كنت توقن أن فيه بعض نقاط الضعف فكيف تتعامل معها؟ هل تكتفي بالحديث من وراء ظهره باستعراض عيوبه أمام الآخرين؟ ماذا تتوقع أن يكون موقف الصغار مثلا، وهم يسمعونك تتكلم بتلك الطريقة؟ هل سيحترمون ذلك الشخص ويقدرونه؟ إن مثل هذه السلوك الشائن يمتد إلى جميع العلاقات داخل الأسرة فيفسدها بلا شك. - إذا وعدت فأوف: مهما يكن موقعك في الأسرة، ومهما كان الشخص الذي وعدته، فإنك لابد أن تحترم وعدك، فتفي به. الصغار يبنون على وعودك ولو صغرت، أمالا عريضة. فوعدك لهم بالخروج في نزهة أو زيارة أو تسوق، يفتح لهم باب خيال واسع وفرحة متصلة إلى أن يأتي اليوم الموعود. تخيل ذلك ثم قدر كيف سيكون ألم النفس ومرارة الحرمان عندما تخلف ذلك الوعد! أمر مؤلم ولاشك، وإن كنت تنسى بسهولة فالصغار ليسوا كذلك. وغني عن القول أن الوعود بين الكبار أجل وأهم من ذلك. مثل تلك الأمور وغيرها لا يبدو أثرها ملموسا على المدى القريب، تماما كالنخلة لا تعطي ثمرها إلا بعد سنوات من عمرها بينما هي تتجذر في الأرض وتزيد رسوخا يوما بعد يوم. قال الله تعالى: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ )تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا" (إبراهيم: 24، 25) قال العلامة ابن سعدي: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهي النخلة. وفقنا الله وإياك لكل خير.