21 جمادى الثانية 1426

السؤال

من ضمن الضوابط لدى بعض الهيئات بالنسبة للمساهمة في الشركات المشبوهة هذا الضابط :<BR>أن لا تزيد نسبة الاقتراض عن 30% على أساس أن هذا الثلث هو استئناسا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الثلث والثلث كثير) لكن هذا في المال الحلال على ما يفهمه الشخص العادي .. لأن الحديث يتكلم عن مال حلال يريدالمسلم أن يوصي ببعضه لصاحبه.<BR>فكيف اعتبر الثلث حداً فاصلاً بين الحلال والحرام؟

أجاب عنها:
د. سامي السويلم

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: الأصل الذي قامت عليه الأدلة أن الحلال إذا اختلط بالحرام فالحكم للغالب منهما، سواء كان في الأموال أو الأعيان أو غيرها. ولذلك إذا اختلطت النجاسة بالماء الطهور فالحكم الطهارة إذا كان الماء كثيراً، إلا إذا غلبت النجاسة بأن غيرت شيئاً من صفات الماء. وهكذا إذا اختلطت ثياب أو آنية مباحة بأخرى محرمة، فالحكم في ذلك للغالب منهما. فإن استويا وجب اجتنابها كلها لتحقق الشبهة. والدابة التي تأكل النجاسات، الحكم عليها متوقف على الغالب من طعامها. فإن كان غالب طعامها النجاسة حرم أكلها، وإن كان الغالب ما هو طاهر حل أكلها. والمال المحرم لكسبه إذا اختلط بالحلال فالعبرة بالغالب. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فإن كثيراً من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حرم الجميع فهذا خطأ، وإنما تورع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة، وأما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً." (الفتاوى 29/321). وهذا أصل كلي يتفرع عليه ما لا يحصى من الصور والفروع والتطبيقات. ولا يمنع هذا أن توجد صور يقع فيها خلاف، فهذا خلاف في تحقيق المناط وليس في أصل الحكم أو القاعدة. وأما ما يروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام"، فهذا على فرض ثبوته يختص بما إذا استوى الحلال والحرام أو اشتبها بحيث لم يتميز الأغلب منهما. ويدل لذلك ما ورد عن عائشة وعلي وابن عمر وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري، رضي الله عنهم جميعاً أنهم قالوا: "لا يحرمُ الحرامُ الحلال" (راجع فتح الباري 9/157). ومعنى ذلك أن حكم الحرام لا يتعدى للحلال، بل يبقى الحلال حلالاً. وهذا فيما إذا كان الحلال أقوى وأظهر من الحرام، أما إذا استويا أو اشتبها، فيغلب التحريم لتحقق الشبهة، وبهذا يتم الجمع بين الأقوال. ويؤيد ذلك اتفاق الفقهاء أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم الأرجح منهما. ولا يعارض ذلك قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، لأن هذه القاعدة محلها إذا استوت المصلحة والمفسدة، فيقدم درء المفسدة (انظر الأشباه والنظائر للسبكي، 1/105). فتقديم درء المفاسد نظير تغليب حكم الحرام، وهذا إنما يكون إذا استوت المصلحة والمفسدة واستوى الحرام والحلال، فيغلب حكم الحرام ويقدم درء المفسدة. أما إذا ترجحت المصلحة أو كان الحلال هو الأغلب والأظهر، فالحكم للأغلب، فلا تعارض بين الأمرين. إذا تقرر ذلك فتحديد مقدار الغالب أمر مرده إلى العرف، وإنما يستأنس الفقهاء بالثلث لوروده في بعض النصوص، كما في حديث الوصية، لا أنهم يستدلون بهذا النص على هذا الحكم. فالحكم لم يؤخذ من نص الوصية وإنما من القواعد السابقة التي تضافرت عليها نصوص وشواهد لا تحصى من الكتاب والسنة، وأما حديث الوصية فهو للاستئناس في تحديد مقدار الغالب، لا أكثر. وأما تطبيق هذا على الشركات التي تتعامل بالربا مع أن أصل نشاطها حلال مشروع، فهو اجتهاد في تنـزيل القاعدة على الواقع. ولا خلاف أن الربا محرم مطلقاً، ويجب تركه مطلقاً. ولكن إذا تعامل الشريك أو الوكيل أحياناً بالربا بغير رضا الأصيل، مع احتياج الأصيل إلى الوكيل وتوقف مصالحه عليه، فهل تبطل الوكالة رأساً، أم يتوقف ذلك على الأغلب والأرجح من تصرفاته؟ مقتضى القواعد السابقة أن الحكم مبني على الموازنة بين المصالح التي يحققها الوكيل وبين المفاسد التي يتلبس بها، فإن كانت المصالح هي الأرجح كان الحكم تبعاً لذلك. ولو أن كل وكيل أو شريك أو موظف أو عامل أساء التصرف أحياناً بطل عقده لتعطلت الحياة الاجتماعية، ولكانت الغلبة في النهاية للمفاسد والمحرمات، إذ ليس في الدنيا مصلحة محضة ولا مفسدة محضة، كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله. فترك المصالح الراجحة إذا خالطتها مفاسد مرجوحة يؤدي إلى زوال المصالح الراجحة واستفحال المفاسد المرجوحة، وهذا نقيض قصد الشارع من تكثير المصالح وتقليل المفاسد. ولا يعني هذا إقرار المنكر والسكوت عليه، بل يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن المعروف تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، ويجب العمل على إزالة المفسدة المرجوحة قدر الاستطاعة. ولكن إلى حين زوال المنكر لا بد من الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقديم كبرى المصلحتين وارتكاب أدنى المفسدتين عند التـزاحم والتعارض. وكان شيخ الإسلام رحمه الله يقول: "ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين"، وينشد: إن اللبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا (الفتاوى 20/54). وسئل رحمه الله عن رجل مكلف بجمع ضرائب ورسوم ومكوس تؤخذ من الناس بغير حق، وهو يحاول تقليل الظلم على الناس بحسب الإمكان، لكنه لا يستطيع إسقاط هذه الضرائب كلها. ولو تخلى عن العمل تولاه من هو أشد ظلماً منه، فهل له البقاء في عمله؟ فأجاب: "الحمد لله. نعم إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك واجباً عليه إذا لم يقم به غيره قادراً عليه. فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة هذه بما عجز عنه من رفع الظلم." ثم تطرق رحمه الله إلى من يمنع تولي هذه الوظائف، ولو كان في تركها ظلم أكبر، فقال: "والذي ينهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل، لو قُبل منه تضاعف الظلم والفساد عليهم. فهو بمنـزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطاع الطريق، فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة: لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئاً من الأموال التي معكم للناس، فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي ينهى عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير وسلبوا مع ذلك. فهذا مما لا يشير به عاقل فضلاَ أن تأتي به الشرائع. فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان." (مجموع الفتاوى، 30/356-360). وقال في موضع عن آخر: "ومن قام فيها بنية العدل وتخفيف الظلم مهما أمكن، وإعانة الضعيف لئلا يتكرر الظلم عليه، بلا نية إعانة الظالم: كان كالمجاهد في سبيل الله إذا تحرى العدل وابتغى وجه الله." (الفتاوى، 30/336). والله تعالى أعلم.