تتبع العورات بين الخطر المجتمعي والحكم الشرعي
15 ربيع الأول 1439
د. محمد عبد الدائم الجندي

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المتنزه عن الصاحبة والشريك والولد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، شهادة تقطع بها الظنون والأوهام، صلاة وسلاماً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد..
 

فإن استخدام التقدم التقني في تتبع عورات المسلمين والمسلمات من جملة الأخطار التي هزت أرض القيم والأخلاق هزة عنيفة أطاحت برواسخ الثبات في كل ضروب الحياة فيها، وأحدثت صدعا قويا في سلوكيات الشباب يأخذ بالألباب إلى منعطف من الذعر والفزع، حيث تتابعت حلقات التشهير بأعراض الناس واستغلال صورهم وتتبع عوراتهم بآلات التصوير المتنوعة حتى استطارت الأفئدة منها خوفاً وقلقاً، فأشكال تتبع العورات في ظل القفزة التقنية الحديثة كثيرة لا تحصى فأحصيها، ولا هي مما يستقصى فأختار بعضاً من نواحيها، بانت أناملها تلو غرق أهلها في ظلمات بحر لجي تتابعت ظلماته، بعد أن غشيته أمواجه الهاتكة الجائرة.
 

وإنّ من فضائل هذا الدين ومحامده التي شهد لها القاصي والداني، تلك التشريعات الفذة التي أرسى بها قواعد المجتمع الراشد وحفظ بها بناءه، وأحاطه بأسوارها المنيعة العصية على معاول الهدم، وجعلها قائمة على عقيدة تغرس في النفوس قيماً مثالية تحفظ على الناس أعراضهم، وتستر عوراتهم.
 

وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة أشكال تتبع العورات مع تصاعد التقدم التقني بشكل صارخ يمتهن الحرمات، ويشيع أسرار الناس ويقتحم خصوصياتهم ويتتبع عوراتهم، ويبث الأخبار المكذوبة والشائعات المغرضة والتعليقات والتغريدات التي لا زمام ولا مرجعية لها غير الأهواء والظنون والأوهام.
 

ومن هنا ازداد النفير واشتد التحذير الشرعي من الوقوع في أعراض الناس، ولم يعلم هؤلاء المتتبعون للعورات أنّ الجزاء من جنس العمل، فمن تتبع عورة مسلم أو فضح أمره تبع الله عورته وفضحه، فـ" عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَال : صَعدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المنْبَرَ فَنَادَى بصَوْتٍ رَفيعٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ"(1).
 

وهذا تحذير شديد لمن يبسطون أيديهم و ألسنتهم بالسوء على إخوانهم المسلمين وأخواتهم المسلمات، وبيّن أنهم ما فعلوا ذلك إلا بسبب سوء طويتهم واختلال إيمانهم.
 

ويتجلى خطر التقنية المعاصرة عند تطويعها لتتبع عورات الناس، ونشر الصور الخاصة عبر البلوتوث (Bluetooth) والوايرلس (Wireless) والواتس آب (whatsapp)، وغير ذلك من وسائل نقل المعلومات والتواصل، وأصبح نقل المعلومات غير منضبط بحدود سياسية ولا بموانع أو سياجات عازلة، فالمرء يتواصل بانسيابية مع من شاء دون أن يحول زمان أو بُعْدٌ مكاني. وجسر التواصل محبب وسهل في العالم الافتراضي، فللمرء أن يستدعي من شاء في غرفته منزله بدون طائرة أو سيارة أو قطار.
 

وإنّ خطورة وحساسية التقنية المعاصرة في تتبع العورات في ظل ما نعيشه من ثورة المعلومات والاتصالات وانتشار الإنترنت في البيوت والمؤسسات والمقاهي؛ جعل هذه الظاهرة تستحق الاهتمام والدراسة لمعرفة آثارها الاجتماعية والنفسية وغيرهما من الجوانب الأخرى العديدة.
 

التمهيد: التعريف بالمصطلحات وتحديد المفاهيم

من مقتضيات البحث العلمي التعريف بالمصطلحات وتحديد المفاهيم، فذلك يسهم في فهم رسالة الباحث،ويقصد بالمصطلح في اللغة: "اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص(2).
 

واصطلاحاً: "اسم قابل للتعريف في نظام متجانس؛ يكون تسمية حصرية – تسمية لشيء ويكون منظماً في نسق ويطابق دون غموض فكرة أو مفهوماً(3)، أما المفهوم في اللغة فهو من فهم، والفهم هو "تَصَوُّورُ المَعْنَى من اللَّفْظِ"(4)، وقيل هو: "الصورة الذهنية سواء وضع بإزائها اللفظ أو لا"(5).
 

أما المفهوم اصطلاحاً فقد اختلف الأصوليون فيه، أرجحها ما عرفه به الآمدي بأنه: "هو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق"(6).
 

ومن خلال هذه المعاني نعرف فيما يأتي بالمصطلحات ونحدد للمفاهيم:

أولاً: معنى تتبع العورات لغة:

التتبع "من تبع" زيدٌ عَمْراً: مشى خَلْفَه، أو مرَ به فمضى معه، والمصلي "تَبَعٌ" لإمامه والناس "تَبَعٌ" له ويكون واحداً وجمعاً، ويجوز جمعه على "أَتْبَاعٍ"، و"تَتَابَعَتِ" الأخبار: جاء بعضها إثر بعض بلا فصل، و"تَتَبَّتْتُ" أحواله تطلبتها شيئاً بعد شيء في مهلة، و"تَتَابَعَ" القوم "تَبعَ" بعضهم بعضاً"(7).
 

والتتبع اصطلاحاً: هو "الطلب والتحري والتقصي عن شيء كطلب الأخبار أو الآثار التي يرجى معرفتها أو الوصول إليها بهدف الإحاطة بها"(8).
 

العورات: جمع "عورة"، والعورة هي: "سوأة الإنسان وذلك كناية، وأصلها من العار لما يلحق من ظهورها من العار أي المذمة، ولذلك سمي النساء عورة"(9)، "ويقال للسوءة "عَوْرَة" لقبح النظر إليها، وكل شيء يستره الإنسان أنفة وحياء فهو "عَوْرة" والنساء "عَوْرة"، و"العَوْرَةُ" في الثغر والحرب خلل يخاف منه والجمع "عَوْرَاتٌ" بالسكون للتخفيف"(10).
 

وقيل العورة: الخلل والعيب في الشيء، وكل بيت أو موضع فيه خلل يخشى دخول العدو منه، وكل ما يستره الإنسان استنكافاً أو حياء"(11).
 

"والعورة في الأصل: الخلل والنقص. وفي قيل لمن فُقدت عينُه أعْوَر وَعَوِرَتْ عينُه، ومنه عَوْرةُ الحي وهي الجهة غير الحصينة منه بحيث يمكن الدخول منها كالثَّغْر، قال لَبيدٌ:
 

وأجَنَّ عَوْرات الثغور ظَلَامُها وقال تعالى: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}(12)، ثم أُطلقت على ما يُكره انكشافه كما هنا وكما سُمِّي ما لا يُحِب الإنسان كشفُه من جسده عَوْرة. وفي قوله: ثلاث عَوْرات لكم نصٌّ على عِلّة إيجاب الاستئذان فيها"(13).
 

أما العورة اصطلاحاً؛ فهي: "ما يحرُمُ كَشْفُه من الجسم، سواء من الرَّجُل أو من المرأة، أو هي ما يجب سَتْرُه وعدم إظهاره من الجسم"(14).
 

سبب تسميتها عورة:
كلمة عورة "مأخوذة من العار، وذلك لأن المظهر لها يلحقه العار والذم بسبب ذلك"(15).

 

ثانياً: تتبع العورات اصطلاحاً:

هو "الطلب والتحري والتقصي عن أخبار الناس ومحاولة معرفة خصوصياتهم ومطالعة أسرارهم والكشف عما يكرهون أن يعرفه غيرهم"(16).
 

حدود العورة وأثر التجاوز:
العورة "كل ما يُسْتَحْيا منه إذا ظهر، وهي من الرَّجُل ما بين السُّرة والرُّكْبة ومن المرأة الحُرّة جميع جسَدِها إلا الوجه واليدين إلى الكُوعين وفي أخمصها خِلاف"(17).
وعدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غض البصر من حقوق الطريق ففي حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا يا رسول الله: ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها، قال: غضُّ البصر، وكف الأذى ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(18).

 

ولشدة ما يترتب على كشف العورة من آثار تسوء سبيلاً أمر الله بغض البصر، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(19).
 

فقوله: "ويحفظوا فروجهم" إلى وجوب ستر العورة فإن حفظ الفرج كما يشمل حفظه عن الزنى، يشمل ستره عن النظر، يشمل ستره عن النظر"(20).
 

ويترتب على تتبع العورات إشاعة الفاحشة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(21).
 

"وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئاً من الكلام السيئ، فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا} أي بالحد، وفي الآخرة بالعذاب الأليم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، أي فردوا الأمور إليه ترشدوا"(22).
 

ثالثاً: المراد بـ"الخطر المجتمعي"

"الخَطَر هو: الإشراف على شَفا هلاك"(23)، و"الخطير: الوَعِيد، "وخَاطَر بنَفْسِه، يثخاطِرن إذا أشْفاها، وأشْفى بها، وعلى خَطَر: أي إشراف على شَفَا هُلْكٍ، والمَخَاطِرُ: المَرَاقِي"(24)، والمراد هنا الإشراف بالمجتمع على الهلاك.
والمجتمعي: من المجتمع والجمع "والجَمْعُ، كالمَنْع: تأليف المتَفَرِّق، وقيل الجَمْع: ضَمُّ الشيء بتقريب بعضه من بعض، وقيل: الجَمْع: جماعة الناس"(25)، وعليه بالمجتمع هو موضع اجتماع الناس.

 

أما الخطر المجتمعي اصطلاحاً، فهو "مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تفزع الأفراد والجماعات وتؤدي إلى الهلاك، وتعمل على تهديد الأمن ونقض دعائمه، وتهدر الحقوق وتهتك الحرمات؛ كحرمة النفس والمال والعرض وما شاكل ذلك من صور اختراق الخصوصيات ومداهمة عناصر الاستقرار داخل البؤر المتجمعة في مكان معين"(26).
 

رابعاً: مفهوم الحكم الشرعي

الحكم بمعنى "القضاء وأصله المنع يقال "حَكَمْتُ" عليه بكذا إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك و"حَكَمْتُ" بين القوم فصلت بينهم فأنا "حاكم" و"حكم"(27)، والشرعي: من الشريعة، وهي: "ما شرع الله لعباده من الدين وقد شَرَع لهم أي سنَّ وبابه قطع"(28)، وهي تدل هنا على قضاء الله وفصله بشرعه في مسألة تتبع عورات الناس والقطع فيها بأمره.
أما الحكم الشرعي اصطلاحاً، فقد عرفه الأصوليون بأنه: "خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الإنشاء"(29).

 

خامساً: التحديات التقنية المعاصرة:

التحديات: جمع تحدي، وهو لغة: المباراة "يقال: تحدى فلاناً: طلب مباراته في أمر"(30).
واصطلاحاً: "يتصل اتصالاً وثيقاً بالمعنى اللغوي، فهو طلب الإتيان بالمثل على سبيل المنازعة والغلبة، ويتحدد المثل تبعاً لما يتحدى به، فالتحدي بالقرآن طلب الإتيان بمثله"(31).

 

التقنية لغة: من إتقان الشيء أي إحكامه، ومنه قول الله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}(32).
 

وفي القاموس: "أتقن الأمر: أحكمه، والتّقن – بالكسر – الطبيعة والرجل الحاذق، ورجل من الرماة يُضرب بجودة رميه المثل، وتقنوا أرضهم تتقيناً: اسقوها الماء الخاثر لتجود"(33).
 

وقيل التقنية هي: "التكنولوجيا "Technology" وهي تتكون من مقطعين، الأول Techno ويعني: التطبيق أو الأسلوب العلمي، والثاني Logy ويعني: العلم، وعليه فإن معنى التقنية سوف يشير إلى أنها تتعلق بالعلم التطبيقي (أو الطريقة الفنية) لتحقيق غرض عملي، وهي تشمل جميع الوسائل المستخدمة لتوفير كل ما هو ضروري لمعيشة الناس ورفاهيتهم"(34).
 

أما التقنية اصطلاحاً فتعني: "الأجهزة وما يتعلق بها من شبكات ونظم التشغيل والبرامج"(35).
 

وأما المعاصرة، فهي تعني في اللغة: "اللجوء، والمعايشة في عصر واحد، يقال: "عاصر فلان فلاناً، أي: لجأ إليه وعاش معه في عصر واحد"(36)، والتعريف اللغوي يعبر عن التعريف الاصطلاحي، فالمقصود بالتقنية المعاصرة هي المعايشة والموجودة في عصر معين.
 

المبحث الأول: تتبع العورات، صوره وخطره على المجتمع في ظل التحديات التقنية المعاصرة

يعيش العالم طفرة تقنية جامحة، وعلى الرغم من فوائدها الحضارية إلا أنها تمثل – أحياناً – انتكاسة أخلاقية، وفيما يأتي نبرز لنماذج من صور تتبع العورات وخطرها على المجتمعات الإنسانية في المطلب التالي:
 

المطلب الأول: صور من تتبع العورات بالتقنية:

تعددت صور تتبع العورات بالوسائل التقنية، وتطورت بتطورها، وأوجز هذه الصور في ملمحين رئيسين، هما:
 

الأول: التجسس على العورات بالوسائل التقنية:

"التجسُّس – بالجيم – يكون بالسؤال، وبالحاء يكون بالاطلاع والنظر، والتجسّس – أي: بالجيم – في تطلُّع الأخبار، والتحسّس بالمراقبة بالعين"(37) ويكون "بالتفتيش عن بواطن الأمور"(38)، و"التجسس: التطلب مع اختفاء وتستر"(39)، قال تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}(40) أي "خذوا ما ظاهر ودعوا ما ستر الله تعالى أو لا تبحثوا عن العورات"(41)، والتجسس باستخدام التقنية ووسائل الاتصال شكل من أشكال تتبع عورات الناس، ويكون أحياناً بكاميرات المراقبة في المحلات وزرعها في الأقسام النسائية بالذات، أو بالاطلاع على مكتوبات الناس ووثائقهم وأسرارهم دون إذن منهم، وقد ألزم الشرع "اللسان بالسكوت، فيسكت عن التجسس، والسؤال عن أحوال أحد من الناس، وإذا رأى أحداً في طريق فلا يسأله عن غرضه وحاجته، فربما يثقل عليه، أو يحتاج إلى أن يكذب، ويسكت عن أسراره التي بثها إليه، فلا يبثها إلى غيره، ولا إلى أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئاً منها ولو بعد القطيعة، وليسكن عن مماراته ومدافعته في كلامه"(42)، وقد أتاح الإنترنت – عبر برامج معينة – التنقيب حول معلومات شخصية يتوهم الكاتب حذفها، ولكن الأمر جد خطير، "حيث إن كل ما يكتبه الشخص من رسائل يحفظ في أرشيف خاص يسمح بالرجوع إليه ولو بعد عشرين عاماً"(43).
 

والجاسوسية الإلكترونية برعت في أدواتها التقنية وأصبحت تصيب بالذعر والفزع، فوسائل تتبع العورات عبر هذه الأدوات أضحت متاحة حيث "أصبحت الشبكة العالمية اليوم تضم مجموعة من الأنشطة والخدمات المختلفة فهي بنية تحتية للاتصالات أهم خدماتها البريد الإلكتروني e-MAIL و المنتديات NEWS GROUP والناقل TRANSFORSE PROTOCOL FTB لنقل الملفات بين أرجاء الشبكة ووسيلة المتصل TELNET و هو البرنامج الذي يتيح لأي شخص استخدام برامج ومميزات حاسوبية موجودة في جهاز آخر بعيد ولا توجد في جهاز المستخدم، أما شبكة
 

المعلومات WWW فهي إحدى خدمات الشبكة من صفحات مصححة بلغة HTML التي تتيح إمكانية ربط الصفحات بالوسائط (LINKS) وهو سر تسميتها بالشبكة العنكبوتية"(44).
 

ويقوم بعملية التجسس الاجتماعي هواة الترنم بعورات الناس في ساحات الشات والمنتديات "ومما لا شك فيه أنهم يمتلكون أدوات المعرفة التقنية، التي توجه للنيل من الحق في المعلومات وتطال اعتداءاتها معطيات الكمبيوتر المخزونة والمعلومات المنقولة وفي مقدمتها الإنترنت"(45).
 

وهذا يظهر لنا إمكانية التجسس عي العورات بسهولة خارقة، ويكشف لنا مدى خطورة هذه الجرائم الأخلاقية التي تطال المجتمع وتمس الحياة الخاصة، والأسرية للأفراد، وتهدد الأمن والاستقرار، ويتجلى من صور التجسس الاجتماعي ما يسمى بـ"الاختراقات: وهي النفاذ إلى مواقع وعقول الحاسبات الآلية المحصنة أمنياً والممنوعة تقنياً"(46)، وهي من أخطر صور التجسس التقني.
 

الثاني: التشهير الإليكتروني:

من أخطر وسائل تتبع العورات "تقنية التصوير بواسطة جوالات الكاميرا أو الكاميرات الرقمية، حيث جعلت التشهير والإساءة من نصيب من وضعته ظروفه السيئة في طريق من انعدمت فيه الإنسانية والأخلاق"(47)، وقد ينتهج المشهرون عبر مواقع التواصل ووسائل الاتصال المتنوعة سبلاً للضغط عي المستهدف بالتشهير، ومنها:
 

أولا: المضايقة والملاحقة: وتتمثل في الابتزاز والتهديد والوعيد عبر ما يسمى بالمسجات (الرسائل) التي تستهدف إثارة الرعب النفسي والاجتماعي بالضحية"(48)، وقد ينبثق هذا الابتزاز من الرغبة في جمع الأموال.
 

ثانيا: الإغراء والاستدراج: "وتتم من خلال استدراج الضحية بإقامة علاقات مصلحية مضمونها سحب الضحية إلى تحقيق أغراض شخصية باستخدام وسائل التقنية في تنفيذها والوصول إليها بطريقة غير مكشوفة وغامضة.
 

ثالثا: التشهير وتشويه السمعة بنشر الأسرار: حيث يقوم المجرم بنشر معلومات قد تكون سرية أو مضللة أو مغلوطة عن ضحيته، والذي قد يكون فرداً أو جماعة أو مجتمعاً أو ديناً أو مؤسسة تجارية أو سياسية"(49)، ويمكن القول بعد عرض هذه الصور الاستقطابية نحو الانزلاق للتشهير والفضيحة بـ"أن التقنية الحديثة في المعلومات وفي الاتصالات قد أدت إلى طفرة كبيرة في الحياة الاجتماعية مع عدم تهيئة واستعداد المجتمع للتعامل معها مما يؤدى إلى حدوث مشكلات اجتماعية وسلوكية وأخلاقية أدت إلى تهديد كيان المجتمع"(50).
 

إذن نلاحظ أنه عندما تكون شبكة الإنترنت هي الوسيلة المستخدمة في ارتكاب جرائم التشهير بعورات الناس وإيقاعهم تحت طائلة الجلد بالغيبة والنميمة وأكل لحومهم، فحينئذ نلاحظ أن أهم أشكال إذاعة الخصوصيات التي يكره صاحبها اطلاع الغير عليها تقع ضمن "الجرائم الأخلاقية كالقذف والسب والتشهير عبر الإنترنت"(51)، وهذا يدل على لا محدودية النطاق التشهيري عبر النظم التقنية.
 

وترجع أسباب التشهير ودوافعه إلى عدة أمور أهمها:
أولا: الكيد والحسد للمشهر به.

 

ثانيا: العداوة للمشهر به؛ وهذا يحدث بين اثنين كانت بينهما معاملة، ثم حصل بينهما خلاف في أمر ما، فيبدأ أحدهما بوصف الآخر بصفات قبيحة وألفاظ نابية؛ كما أنه يحدث بين الزوجين إذا افترقا.
 

ثالثا: التلذذ بوصم الآخر بكل عيب، ليسقطه في المجتمع حتى ولو لم تكن بينهما معرفة أو معاملة.
 

رابعاً: المخالفة في الفكر: كأن يختلف اثنان في اتجاه ما فيصف أحدهما الآخر بأنه مبتدع أو زنديق، أو خارجي، أو علماني، أو قليل علم ليقلل من مكانته في المجتمع حتى لا يسمع له"(52).
 

الثالث: الغيبة والنميمة:

أصبح من السهل جداً ممارسة الغيبة والنميمة، فبمجرد بث معلومات مغرضة على شبكة التواصل يتحول الخبر في الحال إلى إشاعة يترنم بها الفرد مع الفرد، والفرد مع الجماعة، والجماعة مع الجماعة، بل من الممكن أن يتسع الأمر من حدود الإقليمية إلى العالمية فترويج "الإنترنت معروف بأنه عابر للحدود التي تقع على شبكة الإنترنت أو بواسطتها من قبل الشخص ذي الدراية"(53) فهو الذي يسهل عليه نشر المعلومات وتدويلها بكل سهولة.
 

المطلب الثاني: خطر تتبع العورات على المجتمع

يشكل نظام التقنية بما فيه من "شبكات اتصال سلكية ولاسلكية ووسائل اتصال جماهيرية، وترددات إذاعية، وتوزيع لمدارات الأقمار الصناعية"(54)، سلاحاً ذا حدين في استعمالاته الفردية والجماعية، وقد توسّع استخدام التقنيات الحديثة والقديمة في كثير من المجالات، وأفادت في كافة التطبيقات ونواحي الحياة المختلفة، وساعدت على توصيل المعلومات وسهّلت العديد من الخدمات، فما أحوجنا نحن مع متغيرات هذا العصر وتنوع وسائل التقنية فيه أن نستفيد منها ونسخّرها لتأصيل المبادئ والقيم الإيجابية.
 

وفي هذا العصر الذي نعيش فيه حيث الانفتاح الإعلامي والثورة الهائلة في مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلومات؛ أضحى العالم كقرية صغيرة، وهذا الانفتاح استغل لدى بعض الأفراد في تشويه سير الناس وصورتهم في المجتمع، ويتجلى دور التقنية المعاصرة في تتبع عورات الناس وملاحقة أخبارهم وكشف سترهم، بل وابتزازهم أحياناً فيما يأتي من مخاطر:
 

أولا: الخطر الأخلاقي:

من جملة الأخطار الأخلاقية والدينية المتطورة بتطور التقنية ووسائل الاتصال والتي تداهم المجتمعات؛ تتبع عورات النساء وترويجها ابتغاء إشاعة الفحشاء وهتك أعراض الناس، بل ومناقشة عورات الناس وتناولها بوضعية انحرافية تؤدي إلى تدهور منظومة المكارم والقيم "ونظراً لاندماج الفرد كلية في الاتصال مع أشخاص آخرين وتداول خصوصيات الناس وخصوصا النسائية منها، فإنه بالطبع يشيع من خلال ذلك اتساع دائرة التخلي عن السلوك الحسن، لتحل محله سلوكيات غيرها، ولهذا يحذر المختصون في الاتصالات الإلكترونية على الأطفال والمراهقين ومن إمكانية انحراف سلوكياتهم وأخلاقهم"(55).
ومن أهم الأخطار الاجتماعية السلبية في باب الأخلاق يتجلى خطران عظيمان:

 

الأول: إشاعة الفاحشة في المجتمع:

لنا في مجتمع المدينة المثل فعلى غرار ومنهجية حادثة الإفك التي نال فيها المنافقون في مجتمع المدينة من سيدة نساء العالمين الشريفة العفيفة عائشة بنت أبي بكر، ومحاولة التشهير بشرفها سلباً؛ يسير أصحاب الهوى في الترويج للفاحشة في المجتمعات، لتدمير رواسخ الأخلاق والقيم التي هي بمثابة الأوتاد الداعمة لبقاء الأمم ونهضتها، فبعض المرضى يصوبون كاميرات التصوير بمختلف أشكالها ودقة صناعتها إلى النساء في المحافل النسائية عبر طرق تحايلية، حيث يزرعون كاميرات بتقنية عالية تبث لهم ما يدور خلف الجدران وفي معازل النساء، وينشرون الصور على مواقع التواصل ومواقع رفع الصور والفيديوهات على الشبكة الدولية مما يعكر صفو المجتمع، ويكدر حالة الوئام والانسجام والإلفة التي تشعر أفراده بالإخناء والمودة، حيث إن تصوير النساء بكاميرات الجوال وغيرها وما يتبع ذلك من تداول لصورهن سبب كبير في تتبع عورات الآمنات في أسرابهن، وإشاعة الفاحشة في المجتمع.
 

والذين يعمدون إلى تداول تلك الصور ونشرها يساعدون على هدم الفضيلة في المجتمع ونشر الرذيلة... ولهذا توعد الله من سعى في ذلك وتسبب فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(56)، "وهذا ذم لمن يحب ذلك، وحب ذلك يكون بالقلب فقط، ويكون باللسان والجوارح، وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة لوقوعها في المؤمنين، إما حسداً أو بغضاً، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها، وكلاهما محبة للفاحشة وبغضاً للذين آمنوا، فكل من أحب فعلها ذكرها"(57).
 

ويمثل التصاعد التقني تحدياً عظيماً لجوانب العفاف والستر في المجتمعات رغم كثرة إيجابياته في هذا العصر، حيث نرى فيه السباق المحموم لنقل الأخبار والأحداث ساعةً بساعة، بل لحظة بلحظة.
 

وأصبحت التقنية تشكّل عقول الناس وتبني تصوّراتهم وتوجّه أفكارهم؛ لا بد حينئذ من التمييز بين الغثّ والسمين "فهناك من يستعمل بعض الخدمات للقدح في الأشخاص وانتهاك خصوصياتهم أو لاستفزاز طرف معين، وهذا ما جعل العديد من الجهات تطالب بوضع قوانين تلزم مشغلي وسائل الاتصال ومزودي خدمة الإنترنت بمراقبة محتوى النقاش، وللإشارة فإن هناك كثير من البلدان التي تملك تشريعات وقوانين في هذا المجال تعمل على وضع حدود وإجراءات ردعية وتنظيمية"(58).
 

وليس في ذلك رفض للتقدم التقني والعلمي، ولكن رفض لاستعمال ما أنتجه العلم في دمار الأمم والمجتمعات، فإن العلم إذا انفلت عن مقاصده وضوابطه فإنه يفسُدُ ويُفْسِد، ولو ظن أهله أنهم قادرون عليه، ولقد أنعم الله تعالى على الناس بنعمة الاتصال والمعرفة لتحقق لهم المنافع، لا لتجلب لهم المفاسد، فمقاطع الفيديو والصوت والصور المسربة عن طريق تتبع العورات خفية؛ تخدش الحياء وتأبى الفطرة السليمة أن تراها لفتيات مؤمنات غافلات، أصبحن ضحايا لهذه المناظر المؤلمة بسبب سوء استخدام التقنية المعاصرة وتوجيه مسارها نحو الهدم القيمي والدمار المجتمعي، وعلى رأسها إساءة استخدام الهاتف الجوال المزود بالكاميرا من بعض الشباب الذين يلاحقون الفتيات ويتبادلون فيما بينهم صوراً خاصة.
 

الثاني: رمي المحصنات المؤمنات الغافلات وإيذاؤهن وتشويه صورتهن في المجتمع:

إن توجيه عيون الكاميرات وبطون المنتديات ووسائل التواصل إلى عورات الناس يمثل جريمة كبرى في حق المجتمع، لذلك قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}(59)، فهذا يمثل إيذاءً وانتهاكاً لخصوصيات الناس.
 

ثانياً: خطر تتبع العورات على العلاقات الاجتماعية:

إن جوالات الجيل الثالث بتطورها الفائق، وللحاسب الآلي(60) وللأنظمة على مختلف مظهرها بما في ذلك شبكة الاتصالات الدولية (الإنترنت) وشبكة المعلومات العالمية (web)(61)، والبريد الإلكتروني أو الرقمي (E-mail)، والمجاميع الإخبارية (New Groups)، ومواقع نقل الملفات (File Transferee Protocol) وغرف المحادثة (Chatting Rooms) ومواقع التواصل كالفيس بوك (facebook) وتويتر (Twitter)، ووسائل المراسلة السريعة كالبلوتوث، ومواقع مشاركة الفيديوهات، وهي التي تتيح مشاركة الفيديوهات، والصور ومن أشهرها اليوتيوب (YouTube) وفكرة هذا الموقع هي مشاركة الفيديوهات، حيث يمكن وضع فيديوهات ومشاركتها، ومنها مواقع مشاركة الصور وهي التي تسمح برفع الصور إلى المواقع، ومشاركتها مع الآخرين، وأشهر هذه المواقع على الإطلاق موقع فليكر (Flicker)، كل ذلك يعد من مزايا مجال الاتصالات والتراسل وإجراء المكالمات الهاتفية الدولية والاتصالات البريدية، ولكن لم تنج هذه التقنيات الحديثة من استعمالها في تتبع عورات الناس ونشر سيرهم وكشف عوراتهم، حيث يقوم بعض الشباب والأفراد باستثمار المخترعات والمكتشفات الحديثة في سلبيات وآفات وشر مستطير، ومن صور ذلك استغلال الهواتف المحمولة المزودة بكاميرات التصوير والبلوتوث في التقاط الصور بشكل خفي من الأوساط النسائية المغلقة عن طريق بعض الفتيات، وقد سمحت التقنية بذلك، فهي تتيح نقل المعلومات والملفات والصور بين جهازين يمتلكان نفس التقنية لاسلكياً، وهؤلاء الفتيات لم يستطعن التعامل الأمثل مع هذه التقنية، الأمر الذي أدى إلى عواقب وخيمة على الأسرة والمجتمع، بعد انتشار المقاطع والصور المسروقة خلسة، وذلك "يهدد بشكل مباشر كيان العلاقات الحقيقية، ويحدث قطيعة بين الأفراد، مما يؤدي إلى زوال النسيج الاجتماعي التقليدي، وحدوث نسيج ركيك محل"(62)، وكل ذلك بسبب غياب الوازع الديني أو غفلة الرقيب أو انشغاله.
 

وقد "نشرت جريدة الحياة اللندنية تقريراً يفيد بأن 99 في المائة من الرسائل المتداولة عبر البلوتوث كسرت حاجز المحرمات الاجتماعية والعادات والتقاليد، لافتاً إلى أن البلوتوث أصبح أداة آمنة للتعارف بين الجنسين، خصوصاً في محيط العوائل المحافظة التي لا تؤيد التعارف قبل الزواج، وأشار التقرير إلى أن 22 في المائة من الفتيات اللاتي أجريت عليهن الدراسة يرسلن مقاطع إباحية و88 في المائة يرسلن ويستقبلن"(63).
 

وبذلك يظهر أنه مع تطور وسائل الاتصال والتقنية؛ لم تعد التقنية المعاصرة مجرد أداة لتزويد الناس بالخبر والحدث، أو حتى مجرد وسيلة للترويح والترفيه والتسلية، أصبحت تؤثر في الفرد عقلياً وفكرياً وسلوكياً، وأصبحت "تشكل نمطاً متحكماً مصاحباً للشر حتى داخل بيوتهم والحجرات"(64).
 

ومن أبشع صور ممارسات التتبع التقني لعورات الناس؛ تصوير النساء بكاميرات الجوال وغيرها وما يتبع ذلك من تداول صورهن؛ وسبب ذلك أن النفوس إذا هتكت حجاب العفة وتجاوزت حدود الأدب لذا فإنها تطمح لما وراء ذلك من سوء الأخلاق، والذين يعمدون إلى تداول تلك الصور ونشرها يساعدون على هدم الفضيلة ونشر الرذيلة في المجتمع.
 

ويتكئ في المقابل أعداء الإسلام على أرائكهم ليطالعوا وسائل تحقق لهم مخططاتهم دون أدنى تعب أو عناء، ومما يؤيد ذلك قول اليهود في البروتوكول الثالث عشر:
"ولكي نبعد الجماهير عن أن تكشف بأنفسها أي خط عمل جديد سنلهيها أيضاً بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات الفراغ والمجامع العامة، وهلم جرا"(65).

 

وللأسف الشديد استولى هذا الاستعمال السيئ لوسائل الاتصال على كثير من الممارسات الشبابية، واستغلت تلك الوسائل استغلالاً سيئاً بدلاً من الاستفادة منها فيما يصلح وينفع.
 

وقد تهددت العلاقات الاجتماعية الحميمة مع تطور وسائل التواصل والتقنية، وكونها أصبحت في متناول الجميع، فمثلاً الجوال الذي استهوته أيدي الكثير حتى الصغار، فيه آلة تسجيل سمعية ومرئية وآلة تصوير، أصبح آل تجسس لدى بعض المراهقين والمراهقات يبحث عن الأخبار الخاصة للآخرين، ويخترق الكيان الخاص لبعض الأشخاص، ويذيع تصرفاتهم وممارساتهم الخاصة، وغير ذلك مما لا يحب أن يطلع عليه أحد، سعياً وراء معرفة أسراره وما يريد إخفاءه.
 

ومن أخطر صور الجرائم المعلوماتية على العلاقات الاجتماعية ما يأتي:
أولاً: "قيام بعض الأشخاص بسرقة المعلومات من ذاكرة الهاتف المحمول بحجة الصيانة والقيام بنشرها والتي قد تضم في داخلها ملفات لصور وحفلات ومناسبات عائلية خاصة ولأسر محافظة"(66) وتناقلها بأسلوب فاضح وبدون معرفة لهم، مما يشكل تهديداً لهم في نظر المجتمع خصوصاً وأنهم عوائل تتسم بالمحافظة والالتزام الأخلاقي في المجتمع.

 

ثانياً: القيام بعملية المونتاج لبعض الصور واللقطات للفتيات وبتقنية متطورة وغير مكشوفة بتركيب بعض الأشكال والصور والأفلام التي يصعب على الأفراد العاديين اكتشافها، ويعد فاعلها في حكم المجرم.
 

ثالثاً: القيام بالتحريض ونشر الشائعات حول بعض القضايا والمشكلات الخاصة بالأفراد والأسر وذلك لتحقيق أهداف شخصية.
و"يمكننا القول بأن جميع هذه السلوكيات يمكن وصفها بالجرائم الاجتماعية وذلك لخطورتها وضررها الكبير على الفرد والمجتمع وخصوصاً وأننا مجتمعات عربية إسلامية تعتز بقيمها وعاداتها وتقاليدها التي تحكمها وتضبط سلوكياتها بدرجة كبيرة تفوق قوة القوانين في الضبط وذلك لأن حكم المجتمع هو حكم نهائي وقطعي ويستمر بوصم الفرد طوال الزمن"(67).

 

وتعد صناعة الأعمال الإباحية من أخطر صور تتبع العورات، وهي تعتمد على الفوتوشوب، وهو برمجة يتحكم من خلالها المستخدم في الصورة وقص الأعضاء وتركيبها على الهيئة التي يريدها، كقص الرأس مثلاً وتركيبه على جسد عار، ونشر ذلك الإنترنت، وقد يفضي هذا النوع من التتبع إلى القتل ظلماً من قبل الآباء لبناتهم وخصوصاً في البيئات الضحلة في فهم هذه الألاعيب التقنية.
 

ثالثاً: خطر تتبع العورات على الثقافة:

في ظل العولمة وانتشار استخدام الوسائل التكنولوجية في وسائل الحياة كافة؛ بات من غير المنطقي أن يعيش الإنسان بعيداً وخصوصاً العناصر الشبابية عن هذا التقدم التكنولوجي الكاسح في كافة أوجه الحياة، وتتجلى صورتان لثقافة محرمة تتكونان في ذاكرة مدمني استخدام التقنية من المرضى بوباء الأخلاق الذميمة، هاتان الصورتان هما:
 

الأولى: ثقافة تتبع الخصوصيات والتسلية باستقصاء أسرار الأسر:

بات استخدام الإنترنت عبر وسائل الاتصال وخصوصاً الجوالات من أهم الظواهر المجتمعية الواضحة في تصاريف الشباب، بل وصل الأمر إلى استخدام الجوال وتناقل المعلومات حتى أثناء قيادة السيارة، وأثناء الركض والمشي في الطرقات والشوارع وعند تناول الطعام وأثناء المذاكرة، وغير ذلك، وقد أدى ذلك إلى نوع من التلازم بين بعض الفئات العمرية والمستويات الثقافية اللاأخلاقية والتسلية بأعراض الناس وخصوصياتهم، وأصبح "الإنترنت أقوى أدوات الاتصال الحديثة التي تشكل عقول البشر وتوجه أذواقهم ورؤيتهم للحياة"(68).
 

مما لا شك فيه أن تتبع العورات بكل أشكاله سواء كان فيما يخص الأعراض أو الأسرار أو غير ذلك له انعكاس ثقافي سلبي على أفراد المنظومة المجتمعية الذين هم نسيج وكيان المجتمع كله، فالتأثير والتأثر بالثقافة الأخلاقية الرديئة يكون شخصيات رديئة، ومما بدا واضحاً في تلك الآونة أن "التكافل والتفاعل بين الثقافة والاتصال قد غدا في عصرنا الراهن أكثر وضوحاً من أي وقت مضى"(69).
 

وفي هذا المستوى، نتحدث عن تأثير معرفي متبادل عن طريق رصد وتتبع خصوصيات الناس مما يؤدي إلى تأثر الفرد بالجماعة، كما قد يؤثر هو أيضاً بدوره في الجماعة "فإن لوسائل الاتصال دوراً كبيراً وتؤثر تأثيراً واضحاً في بناء أو تخريب العقول المليئة بالأراجيف والادعاءات والمطاعن في الأعراض وكشف الأسرار، وتتكون ثقافة حطيطة تنطلق من مصادر ومنافذ متعددة تستهدف التآلف والتكاتف، وتسعى إلى إثارة النعرات والأحقاد ونشر الظنون السيئة وترويج السلبيات، وتلك الثقافات الحطيطة الفاضحة لعورات الناس سلاح بيَد أصحاب الأهواء يزعزع الثوابت ويخلخل الصفوف ويضعف تماسك المجتمعات، وغالباً لا تصدُر تلك الثقافات المتعلقة بوسائل فضح الناس إلا من قلب امتلأ بالحِقد، وفاض بالكراهية، وضاق بالغيظ نفسُه"(70).
 

الثانية: ثقافة تقليد المواقع الإباحية وتطبيقاتها:

ثَمَّ نوعٌ جديد ينعكس عن ثقافة تتبع العورات يفضي إلى التقليد والاقتداء، وهو تتبع العورات عبر مواقع إباحية على شبكة الإنترنت، إذ ينتقل فيروس هذه الثقافة الإباحية إلى بعض الشباب والشابات فيقومون بعرض صورهم وصورهن على شبكة المعلومات، وللأسف الشديد أن شراك الغرب المغرض أصابت من حرث الفتيات والشباب ممن لا يجدون رقيباً ولا تقويماً، فقد أصيبوا بعدوى الثقافة الغربية الإباحية التي تلقفوها من شبكة المعلومات الدولية المنفتحة في ظل العولمة بما تحمله من خبث، وأصبح هذا الفصيل من الشباب يعيش حالة من الانفتاح المطلق على الفكر والسلوك والثقافة الغربية التي أصبحت "تشارك في السكن في البيوت، والخلوة في الغرف، والمبيت في غرفة النوم لتقضي على الدين والأخلاق، إنها تقيم بيننا بالكره، إن هذا الخطر الإباحي أصبح يهدد ثقافة الأجيال الحاضرة والقادمة، يهدد الشباب والشابات والكهول والعفيفات والآباء والأمهات"(71).
 

ويقبل الكثير من الشباب والشابات في هذه الآونة على مواقع الإنترنت بغرض الترفيه والتسلية، ورغم إمكاناته المفيدة التي تحتل الجانب الأكبر من اهتمام الكثير.
 

ويبدو التلقيح الفكري عبر مواقع التواصل والمواقع الغربية بما يسمى بثقافة الحب الروائي بدعوى حرية الأدب، وأصبح هذا النهج الساحر أداة لتخريب المجتمعات بجعله حجة لعرض العورات والدعوة إلى الرذيلة والخروج على القيم الأخلاقية، كما قدم الأدب الروائي المكشوف في كل الوسائل الإعلامية صوراً من قصص الغرام والمجون وكلمات الغناء والأشعار المتحررة في هذا الميدان المتحلل، والتي تستهوي بعض النساء الهزيلات في تدينهن، والامر في حقيقته ما هو إلا "دعوة للشباب المسلم إلى ممارسة الزنى وأنواع الشذوذ المختلفة تحت مسمى محاربة "الكبت الجنسي" وهي من بدع اليهود في "بروتوكولات حكماء صهيون"(72) حيث يرون أن إخضاع الأممين "لا يتم إلا بنشر الإباحية الجنسية، ومحاربة الأخلاق والنظام الأسري بألوان من الإغراء، وإثارة الشهوات، وتسهيل وسائل الاتصال المحرمة والفوضى الجنسية"(73).
 

إن الأخلاق ترفض كل هذا المجون الثقافي المجرد من الستر، ولا يمكن أن يطلق على هذه الإباحية ثقافة أو إبداع إننا لا يمكن أن نكون ضد حرية الإبداع، ولكن لا توجد حرية بدون مسؤولية وهناك فرق بين إبداع مترفع ومسؤول وبين إبداع رخيص ومبتذل ومسموم.
 

المبحث الثالث: حكم تتبع العورات في الشريعة الإسلامية.

إن الإسلام لا يرضى بالعيب، وإن المنهج الإلهي في ضبط أخلاقيات التعامل الاجتماعي هو المنهج الإلهي لم يتغير، ولا يصح أن يتغير، فنظامه هو الصالح لبقاء الحياة الصالحة، وإنْ لوحظ تغير في طبيعة استقرار التعاملات الإنسانية، أو تحول في مفهوم الوئام والانسجام المجتمعي، فذلك من مداخلات الأيدي والأهواء البشرية في استخدام نعم الله التي سخرها للعمار وليس للخراب والدمار.
 

وقد جاءت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لتؤكد وتجدد نداء السماء بحرمة المساس بما يؤدي إلى انتهاك الحرمات من تتبع واستقصاء للعورات لما يترتب على ذلك من شقاق وتمزق لأواصر المجتمع والعلاقات الإنسانية الصالحة.
 

والمطالع لآي الله في دستور الحياة يجد ما يرمقه من طلبته من خرائط ترسم خطو السير الحياتي على مبدأ الاحترام والمودة، وحين نادى القرآن البشرية في هذا الجانب، ناداها على اعتبار حقيقتها الإنسانية مذكراً إياها بجامعية خلقها، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(74)، وللحفاظ على ذلك النسيج المجتمعي المتعارف؛ حرم الإسلام تتبع العورات ووضع ضوابط وقائية من السقوط في هاويته، وفي الآتي بيان ذلك:
 

المطلب الأول: حكم تتبع العورات في الشريعة الإسلامية:

أولت الشريعة الإسلامية عناية فائقة بالستر، فأمر الإسلام بستر العورات بمفهوميها الحسي الجسدي والمعنوي، والمعروف بالخصوصيات والأسرار الشخصية، فقد حث الإسلام البشرية كلها على ستر العورة الجسدية المتناغم مع قصة الوجود الإنساني على الأرض؛ فالتعري صفة إبليسية تدعو إلى تتبع العورات؛ نعرضها فيما يأتي:
 

تتبع العورات صفة إبليسية وصفة شيطانية:

نادى القرآن بني آدم بستر العورات، يقول الله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}(75)، وقال: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}(76) "ولما أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعلها مستقراً لهم أنزل عليهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح الدين والدنيا، فكان مما أنزل عليهم اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا فأما منفعته في الدين فإنه يستر العورة {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ} يعني لباساً تسترون به عوراتكم"(77)، ومما يدل على هذا التأصيل أيضاً، قوله تعالى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ}(78)، وقوله أيضاً: {يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(79)، ويدل ذلك "على أن آدم وحواء كانا في سِتر من الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزَّلة؛ فبَدَت سوءاتهما أي: عوراتهما. وسُمِّيت العورة سوءة؛ لأن انكشافها يسوء صاحبها، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة"(80)، وذلك يؤكد أن ستر العورة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود الجنس البشري، فمنذ أن خلق الله تعالى آدم وحواء عليهما السلام وأسكنهما الجنة وجه الخطاب إلى آدم باعتباره رب الأسرة والقائم على أمورها فقال سبحانه: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}(81)، ومن هذا التأصيل انطلق الحكم الرباني بستر العورة وعدم جواز كشفها، ومن ذلك ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر فقال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا ترينها أحداً، فلا ترينها، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً قال: فالله أحق أن يستحى منه"(82)، وبذلك شدد الإسلام على عدم التجرد من اللباس والتعري، لما فيه من تطابق مع البهيمية وإسقاط لقيمة الكرامة الإنسانية وفيما يأتي نفصل لحكم تتبع العورات بالتقنية وغيرها:
 

أولاً: تحريم التجسس المؤدي إلى الوقوف على العورات:

حرم الإسلام التجسس المؤدي إلى تتبع عورات الناس "ولا تسمح الشريعة بحال من الأحوال – بالتجسس المؤدي إلى تتبع العورات – بل نهت عنه، فتجسس المسلم على أخيه المسلم حرام بالإجماع، وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}(83)، ففي هذه الآية النهي صريح عن التجسس وتتبع العورات"(84)، فمعنى الآية "لا تتبعوا عورات المسلم وما بهم بالبحث عنا"(85).
 

كما نهت السنة النبوية عن التجسس بكل أنواعه، فعن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يُتلقى الرُّكبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر"(86).
 

ويشدد النبي صلى الله عليه وسلم في أمر تحريم التجسس وبيان خطره فيما رواه أبو هريرة، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "لو أن امرأ اطّلع عليك بغير إذن فخذفته بعصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح"(87)، وفي ذلك إهدار لعين المتجسس وهو يشير إلى الخطر المحق الذي يترتب عليه.
 

إذن التجسس المؤدي إلى فضح العورات حرام، وكل مسلم عليه أن يأخذ بما ظهر، ولذلك يفهم من آية الحجرات ومن الحديث "أنه على المسلمين أن ياخذوا بما ظهر ولا يتتبعوا عورات إخوانهم ولا يبحثوا عن عيوبهم سواء كانوا آحاداً أم جماعات، وقد عد بعض العلماء الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون من التجسس، وهو حرام"(88).
 

وبتحريم الإسلام للتجسس على عورات الناس "حفظ الإسلام الحرمات الخاصة بالمواطنين، كما حفظ حرمة المساكن، فلا يجوز التجسس عليها ولا استراق السمع على أهلها، كما لا يجوز الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون؛ لأنه حرام، ويعتبر من التجسس المنهي عنه شرعاً"(89).
 

ويسهل التجسس في هذا العصر لما فيه من قفزة جامحة نحو التقنية أشكالاً متعددة من أشكال التقنية سهلت أمر تتبع العورات، وهي تيسر التسلل للبيوت وتدخل حتى إلى الغرف الخاصة، "ووجه النهي عن التجسس أن فيه ضرباً من الكيد والتطلع على العورات، وقد يرى المتجسس من المتجسس عليه مايسوؤه فتنشأ عنه العداوة والحقد، ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش، وإذا علم أنه يترتب عليه مفسدة عامة صار التجسس كبيرة"(90).
 

ولقد أصبح واضحاً للعيان الآن أن التجسس على الناس وعوراتهم مشهود عليه من مواقع شبكة المعلومات الدولية، وعبر رسائل الجوال، وليس من حق أي إنسان أن يتجسس على إنسان ليهتك حرماته ويتتبع عوراته، فقد "جاء عن زيد بن وهب قال: أُتي ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به"(91)، إذن التجسس على عورات الناس حرام، وعلى ذلك قام الإجماع كما سبق.
 

ثانياً: تحريم الإسلام وتجريمه لتتبع العورات بالتقنية وغيرها من الوسائل:

ضبط الإسلام المجتمع بالأوامر والنواهي التي ترتبط بالآداب الاجتماعية العامة لإقامة دعائم المجتمع الفاضل، وتحريم تتبع العورات من الأمور التي شدد عليها الإسلام، وقد توعد رسول الله من تتبع عورات المؤمنين، فقال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"(92).
 

وبناء المجتمعات في الإسلام يقوم على ترسيخ الأخلاق الحميدة، فهي أساس قيامه، إذ ينبثق من الأخلاق نظام المجتمع المسلم بكل خصائصه انبثاقاً شاملاً لحقيقة الوجود ولحقيقة الإنسان، ولغاية الوجود الإنساني، وارتباط الإنسان بأخيه الإنسان، وتوحَّد المسلمون تحت مظلة دين واحد، يجمعهم على الوئام ويصرفهم عن كل ما يعكر صفو حياتهم تارة بالمثوبة وأخرى بالعقوبة، فمثلاً شرح حداً للقذف أقامه على العابثين الخائضين في أعراض الناس.
 

وما ذلك إلا لصيانة المجتمع وتطهيره من الخبث والدرن، والإسلام لا يعتمد على العقوبة وحدها في إنشاء الحياة النظيفة؛ إنما يعتمد على الضمانات الوقائية، وعلى تطهير جو الحياة كلها من رائحة الجريمة، وفي ظل تطور وسائل التقنية والاتصال؛

تطورت أشكال القذف والرمي للناس بما يسيء إلى سمعتهم، ويكشف عوراتهم، ويهتك قمص سترهم، لذا برز دور العقوبة بقوة حجباً لهذه الانتهاكات وإيقافاً لتلك الملاحقات، وكان من أبرز العواقب والعقوبات في هذا الباب ما يأتي:
1 – أن يفضحه الله ويتبع عورته، ويعذبه عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة:
إن الجزاء من جنس العمل، فمن تتبع عورة مسلم أو فضح أمره تبع الله عورته وفضحه، فـ"عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"(93).

 

والنهي هنا عن التجسس على عورات الناس بالتتبع لما يكرهون مطالعة الناس عليه، وهو المراد في قوله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}(94)، أي: "لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم"(95)، قال الغزالي: "وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر بحيطانه قال فلا يجوز استراق السمع على داره ليسمع صوت الأوتار ولا الدخول عليه لرؤية رائحة الخمر ولا أن يستخبر جيرانه ليخبروه بما جرى في داره وقد أنشد في معناه: المعصية إلا أن يظهر عليه ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار كصوت آلة اللهو والسكارى ولا يجوز أن يستنشق ليدرك.
 

لا تلتمس من مساوي الناس مستتراً *** فيكشف الله ستراً عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا *** ولا تعب أحداً منهم بما فيكا"(96).

 

إذن على المرء أن يذكر أخاه بالخير أو ليصمت.
 

وقد توعد الله المروجين للفحشاء؛ المنتهكين لعورات الناس بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(97)، وقوة العذاب يدل على شناعة الجرم الذي يقترفه متتبعو العورات، لشدة ما يترتب عليه من مضار وكوارث وفتن أراد الإسلام أن يعصم البشرية من الوقوع فيها.
 

2 – أن يقام عليه حد القذف إن ثبت عليه ولعنته في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم:
قرر الشرع حداً للقذف، وهو ثمانون جلدة لمن يثبت عليه الكذب في ترويج الشائعات الخسيسة وهتك الأعراض، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(98).
وقد استحق متتبع العورات اللعن من الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(99)/ وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"(100)، ويعد القذف لوناً من ألوان تتبع العورات ويدخل في عداد الكبائر.

 

ثانياً: تحريم ما يترتب عليه تتبع العورات:

حرّم الإسلام كل ما يترتب عليه تتبع عورات الناس بكل أشكاله، كقص حكاية يترتب عليها الشرود الذهني في تصور عورات الناس، أو فتح منافذ تسمح بتتبع عوراتهم،وحذرت الشريعة من ذلك لما يؤدي إليه من تفكك للجماعة المؤمنة وإثارة النزاع بين أفرادها، وتوليد الأحقاد والضغائن والكراهية بسبب السخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، سواء بين الرجال أو النساء، أو بسب سوء الظن بالمسلم والتجسس (تتبع العورات) والغيبة والنميمة"(101)، ومن الصور التي يترتب عليها تتبع العورات وحرمها الإسلام على سبيل المثال ما يأتي:
 

1 – وصف المرأة لزوجها ما رأته من عورة غيرها: جرّم الإسلام حكاية ما تطالعه المرأة من زينة غيرها لزوجها، فهي أمانة يجب كتمها وسترها، والنهي عن ذلك صريح، فقد ورد في صحيح السنة عن الأعمش قال: حدثني شقيق قال: سمعت عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنْعَتها لزوجها كأنه ينظر إليها"(102).
 

"فالمباشرة كناية عن النظر إذ أصلها التقاء البشرتين فاستعير إلى النظر إلى البشرة يعني لا تنظر إلى بشرتها (فتنعتها) أي تصف ما رأت من حسن بشرتها وهو عطف على تباشر (لزوجها كأنه ينظر إليها) فيتعلق قلبه بنا فيقع بذلك فتنة والنهي منصب على المباشرة والنعت معاً، فتجوز المباشرة بغير توصيف قال القابسي: هذا الحديث أصل لمالك في سد الذرائع، فإن حكمة النهي خوف أن يعجب الزوج الوصف فيفضي إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة"(103).
 

ومنه ما جاء في حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم، قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجل في الثوب الواحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد"(104)، وفيه نهي صريح للمرأة أن تبدو لغيرها من النساء حتى لا تنقل الأخرى صفاتها لمن لا يحلون لها من الرجال.
 

2– التعري بكل صوره ووسائله وكشف المرء ما ستره الله فيه:
حرّم الإسلام التعري على الرجل والمرأة بكل أشكاله ووسائله، ومما انتشر وذاع في الآونة الأخيرة انتشار العري والإباحية عبر مواقع إباحية معينة، والأشنع من ذلك استعارة أجساد العراة وتركيب رؤوس المستهدفين عليها ابتغاء التشويه والإساءة تشهيراً بهم وتشويهاً لصورتهم، وقد حرم الإسلام ذلك وجرّمه، فعن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم"(105)، ومعنى "إياكم والتعري" أي "التجرد عن الثياب وكشف العورة"(106)، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعري، وأوجب ستر العورة، ومن أعظم محصلات ذلك غلق منافذ تتبع العورات، ومن ذلك ما رواه أبو أمامة بن سهل عن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما قال: "حملت حجراً ثقيلاً، فبينا أمشي فسقط عني ثوبي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ عليك ثوبك ولا تمشوا عراة"(107)، وفي ذلك نهي للرجل أن يسير الرجل عرياناً، والحكم عام هنا، فهو يشمل التعري أمام الناس بكل صوره ووسائله، فعلة التحريم هنا هي التعري، سواء كان في وسائل اتصال أم مباشر في الطرقات والمحافل وغير ذلك، ومن دلائل التحريم أيضاً ما روي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الرجل إلى عِرْية الرجل، ولا المرأة إلى عُرْية المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب"(108).

 

والنهي هنا للرجال بعضهم مع بعض، والنساء بعضهم مع بعض، ومن باب أولى أيضاً أن تنظر المرأة إلى عورة الرجل أو أن ينظر الرجل إلى عورة المرأة.
 

وقد حرّم الله المجاهرة بفضح ما ستره الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإنّ من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه فيصبح يكشف ستر الله عنه"(109).
 

والمجاهرون هم الذين يجهرون بمعاصيهم ويظهرونها ويكشفون ما ستر الله تعالى عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة، فيفضحوا ما سترهم الله فيه.
 

وفيه بيان لحرص الإسلام على ستر العورات وكشف السوءات، وكان تشديد النفير من قبل الإسلام في تحريم تتبع العورات لأن كشف العورات من أكبر الأسباب لانتشار الفواحش وخراب الديار وذهاب الأرزاق وانعدام الأمان ومقدمة لنزول العذاب.
 

المطلب الثاني: التشريعات الوقائية من الوقوع في تتبع العورات

أوضحت الشريعة بجلاء لا ريب فيه الطرق الكفيلة بحماية الفرد والمجتمع من تتبع العورات وانتهاك الحرمات، فحثت على العفة والطهارة، وأوجبت على النساء التحجب والتستر ونهت عن التبرج والتكشف، كما أمرت بالاستئذان عند دخول البيوت مخافة رؤية العورات، وهي بذلك تحجب الأبصار والألسنة عن ملاحقة الناس، وتصون المجتمعات من انتشار الفاحشة "فإشاعة الفاحشة في المجتمع تسهل الجريمة، فلو بدأ الناس يتحدثون: فلان زان، وفلانة زانية، يصبح الحديث عن الزنا أمراً ميسوراً"(110)، وقد وضع الإسلام تشريعات وقائية تصون من الوقوع في شراك العابثين، ومن هذه التشريعات:
 

أولاً: الأمر بستر العورة وغض البصر وحفظ الفرج، لسد الطريق عن العورات:

أحاط الإسلام الأعراض بسياج قوي للحفاظ عليه، ووضع ضوابط وحدوداً حتى لا تنتهك وتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فـ"عن سهل بن سعد، قال: اطَّلع رجل من جُحْر في حُجَر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مِدْرًى يَحُك به رأسه، فقال: "لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر"(111).
 

كما أمر بغض البصر وستر العورة وحذر من التبرج، و"التبرج": هو إظهار الجمال، وإبراز محاسن الوجه والجسم ومفاتنهما"(112)، ويمكن تقسيم التبرج إلى قسمين:
 

الأول: تبرج بالخضوع في القول: وهو خضوع المرأة بالقول، وقد نهى الله عنه بقوله سبحانه: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}(113).
 

الثاني: تبرج في الحركة والمظهر: وله أشكال كثيرة تفننت فيها المرأة المسلمة، منها:
1-    التكسر في المشية: وهو ما فسر به قتادة رضي الله عنه التبرج المنهي عنه في قول الله عز وجل: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}(114)، قال: "كان لهن مشية تكسر وتغنج"(115).
2-    التقليد في ارتداء الملابس الملفتة للنظر، والمظهرة للعورات، وهو منهي عنه بقوله عز وجل: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}(116).

 

وفي اتباع تعاليم الشريعة وقاية كاملة، فالحجاب والستر سبل وقائية من تصيد هؤلاء المعتدين.
 

وقد وضع الإسلام سياجاً على الأبصار حتى لا ترسل فيما يسخط الله تعالى، "وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أنْ يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبراً شديداً عليها، والغض: صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر"(117).
 

والنهي عن ذلك صريح في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(118).
 

وفي الآية بيان لوجوب غض البصر عن عورات الناس عند دخول بيوتهم "فلا يكون الداخل إلى البيت محدقاً بصره إلى امرأة فيه، بل إذا جالسته المرأة غض بصره واقتصر على الكلام ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه، ولما كان الغض التام لا يمكن جيء في الآية بحرف (من) الذي هو للتبعيض إيماء إلى ذلك إذ من المفهوم أن المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق النظر إليه وذلك يتذكره المسلم من استحضاره أحكام الحلال والحرام في هذا الشأن فيعلم أن غض البصر مراتب: منه واجب ومنه دون ذلك، فيشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنازل"(119).
 

وقد يتهاون البعض في غض البصر عن العورة، ويسرق ببصره ما ليس له، لذا يلزمنا "ألا نتهاون في مسألة ستر العورة إذا أردنا الاستقرار والعفة لمجتمعنا المسلم، ذلك أن الشيطان يسلك مسلك التزين ليوقع الإنسان في الفاحشة، عندها يهتز الإيمان في القلب الذي راهن عليه بعض الناس، ولذلك شرع الإسلام منظومة من التشريعات التي تقي المجتمع الوقوع في الفاحشة"(120)، فهي دروع الحماية من وقوع كوارث وفتن كثيرة ومن أهم هذه التشريعات أنه أمر بغض البصر عن العورات، وكذا أمر بستر العورات فهي لها دور في تنبيه البصر للالتفات إليها.
 

ثانياً: الاستئذان ومنع انتهاك حرمات البيوت والخصوصيات الإلكترونية:

جعل الله للبيوت حرمة وكذا جعل للمواقع والصفحات والإيميلات الشخصية حرمة، واقتحام ذلك كله حرام شرعاً، لذلك جاء النهي القرآني عن ذلك صريحاً، فإن جدر البيوت وأبوابها، وكلمات المرور وأسرارها بمثابة حصون يواري خلفها المرء عورته، وخصوصيات يتأذى باطلاع الناس عليها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(121).
 

ومن شدة خطورة عدم الاستئذان جاء النهي عاماً حتى على المحارم، وذلك إشارة إلى شدة الحرمة حتى لا يتساهل الناس في أمر العورات، فـ"عن عطاء بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجلٌ فقال: أستأذنُ يا رسول الله على أمِّي؟ فقال: نعم، فقال: إني معها في البيت فقال: "استأذِنْ عليها، فقال الرجل: إني خادمها فقال: أتحب أن تراها عُريانة قال: لا، قال: فاستأذِنْ عليها"(122).
 

هذه أبرز التشريعات الوقائية من تتبع العورات، وهي تسد أبواب الفتن والمفاسد، وتقي المجتمعات من الوقوع في هاوية الكدرات الأخلاقية التي تعكر صفو العلاقات الإنسانية، ونستنبط من ذلك كله أحكام العورات من خلال وسائل الاتصال والتقنية الحديثة، فهي أحكام واحدة لمسائل ترمي لنتائج واحدة، إذن الحكم بالحرمة واحد وإن تغيرت الوسائل. وبالله التوفيق.
 

الخاتمة:

يصل الباحث من خلال العرض السابق إلى جملة من النتائج والتوصيات، وقد توصل البحث إلى النتائج الآتية:
 

أولاً: أهم النتائج:

1-    إن استخدام التقدم التقني في تتبع عورات المسلمين والمسلمات خطر يهدد القيم والأخلاق.
2-    تعدد صور وأشكال ووسائل تتبع العورات بالتقنية الحديثة.
3-    أن نظام التقنية يعمل على إشاعة الفاحشة في المجتمع، ورمي المحصنات المؤمنات الغافلات وإيذائهن وتشويه صورتهن في المجتمع.
4-    من الأخطار الاجتماعية لتتبع العورات؛ سرقة المعلومات من ذاكرة الهاتف المحمول بحجة الصيانة، والقيام بعملية المونتاج لبعض الصور واللقطات للفتيات وبتقنية متطورة وغير مكشوفة بتركيب بعض الأشكال والصور والأفلام التي يصعب على الأفراد العاديين اكتشافها، والقيام بالتحريض ونشر الشائعات.
5-    تشكل التقنية خطراً في تكوين ثقافة ماجنة بتتبع الخصوصيات والتسلية بالاستقصاء عن أسرار الأسر، وكذا ثقافة تقليد المواقع الإباحية وتطبيقاتها.
6-    تحريم الإسلام وتجريمه لكل صور تتبع العورات وأشكالها.

 

ثانياً: أهم التوصيات:

1-    ضرورة الشراكة المجتمعية في مواجهة جرائم تتبع العورات في ظل هذا الزخم التقني المعاصر وتحدياته التي تفوق الوصف.
2-    عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل توعوية لتنبيه الشباب والفتيات والأسر من هذا الخطر المحدث الذي يتربص بهم وأخذ الحيطة والحذر من الوقوع في شراك المنحرفين.
3-    استصدار قوانين رادعة لمراقبة متتبعي العورات ومعاقبتهم عقاباً عسيراً حتى يغلق باب الشر والفتن من أصوله وجذوره، وتعميم ذلك على كافة المؤسسات والجمعيات وإعلانه إعلامياً بكل الوسائل.
4-    أوصي طلاب الدراسات العليا في تخصص الثقافة الإسلامية والفقه والحديث والعقيدة والدعوة إلى تناول هذا الموضوع كنواة لموضوعات بحثية يتم طرحها كمقترحات لرسائل علمية.
5-    توظيف وتفعيل الخطاب الدعوي بكل وسائله لتوعية المجتمع بخطورة استخدام التقنية في تتبع العورات.
6-    الاستفادة من التقنية الحديثة بما يعود على المجتمعات والعباد بالمصالح في المعاش والمعاد.
والله ولي التوفيق والسداد..

 

_______________________________________

(*) نشر في مجلة العلوم الشرعية الصادرة من جامعة القصيم، المجلد التاسع العدد الأول.
(1)    أخرجه الترمذي في سننه، بتحقيق أحمد شاكر وقال الألباني: حسن صحيح، باب ما جاء في تعظيم المؤمن، ج4، ص372.
(2)    محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، مادة (صلح)، (ط. دار الهداية، د.ت) ج6، ص551.
(3)    محمود فهمي حجازي، علم المصطلح، (مجلة مجمع القاهرة، 1986م) ص55.
(4)    محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، مادة (فهم)، ج23، ص224.
(5)    أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفومي، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، (ط. مؤسسة الرسالة – بيروت – 1419هـ-1998م) ج1، ص1388.
(6)    علي بن محمد الآمدي أبو الحسن، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي (ط. دار الكتاب العربي – بيروت الطبعة الأولى، 1404) ج2، ص276.
(7)    أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير، دراسة وتحقيق: يوسف الشيخ محمد (ط. المكتبة العصرية، د.ت) ج1، ص42.
(8)    أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير، دراسة وتحقيق: يوسف الشيخ محمد (ط. المكتبة العصرية، د.ت) ج1، ص42.
(9)    سلمان عكاشة الفندي، تتبع أخبار الأخيار عبر تاريخ الأمصار، (ط. دار التراث الإسلامي، سنة 1402هـ) ص21.
(10)    أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير، دراسة وتحقيق: يوسف الشيخ محمد، ج1، ص226.
(11)    إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار، المعجم الوسيط، تحقيق: مجمع اللغة العربية، (ط. دار الدعوة، د.ت) ج2، ص636.
(12)    سورة الأحزاب: آية 13.
(13)    محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، التحرير والتنوير، (ط. الدار التونسية للنشر، تونس، سنة 1984م) ج18، ص294.
(14)    وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت، سنة 1427هـ) ج41، ص134.
(15)    محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، (ط. دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط. أولى، د.ت) ج10، ص152.
(16)    محمد خالد الطويل، أخلاقنا بين التحدي والتردي، (ط. دار البيان، ط. أولى، 2008) ص76.
(17)    أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي – محمود محمد الطناحي (ط. المكتبة العلمية – بيروت، 1399هـ - 1979م) ج3، ص602.
(18)    أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب في اللُّقَطَةن باب أفْنِية الدور والجلوس فيها، والجلوس على الصُّعُدات، ج3، ص132.
(19)    سورة النور: 30، 31.
(20)    فريد مصطفى مسلم، تفسير آيات الأحكام، (ط. دار النفائس، سنة 1412هـ) ج1، ص361.
(21)    سورة النور: 19.
(22)    أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، (1414هـ/1994م) ح3، ص335.
(23)    أبو القاسم إسماعيل ابن عباد بن العباس بن أحمد بن إدريس الطالقاني، المحيط في اللغة، تحقيق: محمد حسن آل ياسين (ط. عالم الكتب – بيروت، لبنان – طبعة أولى، 1414هـ - 1994م) ج4، 284.
(24)    محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، (ط. دار الهداية، د.ت) ج11، ص201.
(25)    نفس المصدر، ج20، ص451 باختصار.
(26)    محمد آدم جاويشي، مخاطر وتحديات تداهم الأمن الاجتماعي، (ط. دار التقوى، القاهرة، د.ت) ص79.
(27)    أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المقري، المصباح المنير، ص87.
(28)    محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر (ط. مكتبة لبنان ناشرون – بيروت، 1415هـ - 1995م) ص354.
(29)    علي بن عبد الكافي السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، (ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1404) ج1، ص49.
(30)    سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، (ط. دار الفكر. دمشق، سوريا، ط. ثانية، 1408هـ، 1988م) ص83.
(31)    محسن الخالدي، التحدي بالقرآن الكريم (ط. دار النهضة، ط. ثالثة، 2014) ص3.
(32)    محمد بن علي الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، تحقيق: سيد إبراهيم (ط. دار زمزم، ط. أولى، سنة 1413هـ) ج4، ص218.
(33)    مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (ط. مؤسسة الرسالة، ط. ثانية) ص1527، وانظر: الصحاح؛ تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: محمد زكريا يوسف (ط. دار العلم للملايين – بيروت، ط. رابعة، سنة 1990م) ج6، ص364.
(34)    منير بعلبكي، قاموس المورد، (ط. دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1998م) ص954.
(35)    محمد بن عبد الله القاسم، سياسات أمن المعلومات، (سلسلة إصدارات مركز البحوث والدراسات، كلية الملك فهد الأمنية، سنة 2005م) ص8.
(36)    إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار، المعجم الوسيط، ج2، ص604.
(37)    أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني، البحر المديد (ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ط. ثانية، سنة 2002م – 1423هـ) ج7، ص48.
(38)    شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ(الكاشف عن حقائق السنن)، تحقيق: عبد الحميد هنداوي (ط. مكتبة نزار مصطفى الباز، د.ت) ط. أولى، سنة 1417هـ - 1997م) ج3، ص766.
(39)    محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور (مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنانن ط. أولى، 1420هـ/2000م) ج12، ص110.
(40)    سورة الحجرات: آية 12.
(41)    إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي، تفسير روح البيان (ط. دار إحياء التراث العربي، د.ت) ج9، ص70.
(42)    أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني، البحر المديد، ج7، ص246.
(43)    عبد الفتاح بيومي حجازي، صراع الكمبيوتر والإنترنت في القانون العربي النموذجي (ط. دار الكتب القانونية، القاهرة، سنة 2007م) ص609.
(44)    فهد بن عبد الله اللحيدان، الإنترنت، شبكة المعلومات العالمية (ط. أولى، بدون مطبعة، سنة 1996م) ص51 وما بعدها.
(45)    منير الجنبي، جرائم الإنترنت والحاسب الآلي وطرق مكافحتها (ط. دار الفكر الجامعي، ط. أولى، سنة 2003) ص10.
(46)    علاء الدين يوسف العمري، المجتمع وشبكة الإنترنت الفوائد والمخاطر (مجلة التربية، عدد69 بعد المائة) ص8.
(47)    يحيى اليحياوي، الوجه الآخر لثورة الاتصال الحديثة.. العبرة في التكنولوجيا بالاستعمال، مقالة بجريدة الشروق، العدد 15، 11-18 يوليو، سنة 2008م.
(48)    علاء الدين يوسف العمري، المجتمع وشبكة الإنترنت الفوائد والمخاطر (مجلة التربية، عدد69 بعد المائة) ص8.
(49)    مازن بشير محمد، مبادئ علم الإجرام، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2009، ص188-189.
(50)    علي محمد علي، المراهق وشبكة الإنترنت، ضمن أعمال المؤتمر التاسع عشر المنعقد في الفترة 29-30 في كلية الخدمة الاجتماعية، جامعة حلوان، 2008، ص12.
(51)    نبيلة هبة هروال، الجوانب لجرائم الإنترنت في مرحلة جمع الاستدلالات دراسة مقارنة، ص75.
(52)    عبد الله بن فهد الشريف، جريمة التشهير بالآخرين عبر الإنترنت وعقوبتها شرعاً، (ورقة مقدمة في ندوة الأمن والمجتمع المنعقدة في كلية الملك فهد الأمنية بالرياض في 28 محرم 1432هـ - 3 يناير 2011م) ص8، 9.
(53)    نبيلة هبة هروال، الجوانب الإجرائية لجرائم الإنترنت في مرحلة جمع الاستدلالات دراسة مقارنة (ط. دار الفكر، د.ت) ص30.
(54)    راسم محمد الجمال، تطور نظم الاتصال في المجتمعات المعاصرة، إصدار مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي (سنة 2001) ص3-4.
(55)    الدسوقي عبده إبراهيم، وسائل وأساليب الاتصال الجماهيرية والاتجاهات الاجتماعية، (ط. دار الوفاء، سنة 2004م) ص143 بتصرف يسير.
(56)    النور: 19.
(57)    أحمد بن عبد الحليم الحراني ابن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق: أنور الباز – عامر الجزار (ط. دار الوفاء، ط. ثالثة، 1426هـ/2005م) ج15، ص332.
(58)    وليد أحمد المصري، الأسرة العربية وهوس الإنترنت، مجلة العربي، عدد 573، بتاريخ 10/8/2006م.
(59)    سورة الأحزاب: آية 58.
(60)    الحاسب الآلي هو "مجموعة من الأجهزة التي تعمل متكاملة مع بعضها البعض بهدف تشغيل مجموعة البيانات الداخلة طبقاً لبرنامج تم وضعه مسبقاً للحصول على نتائج معينة، د. هدى حامد قشقوش، جرائم الحاسب الإلكتروني في التشريع المقارن، (ط. دار النهضة العربية، القاهرة، 1992) ص6.
(61)    ويمكن من خلالها بالصوت أو بالصورة، وهي تسمح بنشر المعلومات والصور ووسيلة لنشر خصوصيات الناس.
(62)    عبد الرحمن محمد المبيضين، وسائل الاتصال الحديثة وأثرها على ثقافة المسلمين (ط. دار البركة للنشر، عمّان، الأردن، ط. أولى، سنة 2001م) ص9.
(63)    جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 3/8/2008.
(64)    خضر بن مالك اللحياني، أثر الفضائيات على المراهقين والمراهقات في المملكة العربية السعودية من وجهة نظر التربويين والتربويات، وهي رسالة دكتوراه في الفلسفة، تخصص إدارة إعلام، إشراف أ.د/ أشرف صلاح مسلم، وقد منحت من جامعة كولومبس، كلية التربية، قسم الإعلام، الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1429هـ/2009م.
(65)    محمد خليفة التونسي، بروتوكولات حكماء صهيون تحقيق: عباس محمود العقاد (ط. دار الكتاب العربي، د.ت) ص227.
(66)    جمعة جاسم خلف، خالد محمود حمي، تقنيات الاتصال وأثرها في السلوك الاجتماعي، (مجلة دراسات موصلية) العدد 32، سنة 2011، ص87-113.
(67)    منير الجنبي، جرائم الإنترنت والحاسب الآلي وطرق مكافحتها، مصدر سابق، ص8.
(68)    ثروت مكي، الإعلام والسياسة، (ط. عالم الكتب، 2005م) ص215.
(69)    فلاح كاظم المحلة، علم الاتصال بالجماهير.. الأفكار، النظريات، (ط. مؤسسة الوراق، عمان، 2001م) ص420.
(70)    محمد سيف الإسلام علي، التواصل الثقافي على شبكات التواصل.. ملامحه وأخطاره، (ط. دار التقوى للنشر، ط. أولى، سنة 2008م) ص57 باختصار.
(71)    الأهرام 27/9/1989م.
(72)    البروتوكول الثاني عشر، شرح وتعليق حسين عبد الواحد (كتاب اليوم يوليو سنة 2002 دار اخبار اليوم) ص151.
(73)    انظر مجلة منار الإسلام، الافتتاحية، عدد ربيع الأول سنة 1422، يونيو سنة 2001، ص8.
(74)    سورة الحجرات: آية 13.
(75)    سورة الأعراف: آية 26.
(76)    سورة البقرة: آية 20.
(77)    علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الخازن، تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل (ط. دار الفكر، بيروت، 1399هـ، 1979م) ج2، ص219.
(78)    سورة الأعراف: آية 22.
(79)    سورة الأعراف: آية 27.
(80)    محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني، الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (ط. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، سنة 1415هـ - 1995م) ج4، ص113.
(81)    سورة طه: 118.
(82)    أخرجه البخاري في صحيحه، فتح الباري، لابن رجب زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي، تحقيق: أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، كتاب الغُسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في خلوة ومن تستر، والتستر أفضل (ط. دار ابن الجوزي، طبعة ثانية، 1422هـ) ج1، ص330.
(83)    سورة الحجرات: آية 12.
(84)    محمد راكان الدغمي، التجسس وأحكامه في الشريعة الإسلامية، (ط. دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ط. ثانية، سنة 1406هـ، 1985م) ص140.
(85)    أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، (ط. مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط. خامسة، 1424هـ، 2003م) ج5، ص128.
(86)    أخرجه مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري في صحيحه، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، ج3، ص1155.
(87)    أخرجه البخاري في صحيحه بلفظه، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينهن فلا دية له، ج9، ص11، كما أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ "عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" راجع صحيح مسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، ج3، ص1699.
(88)    شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، (ط. دار إحياء التراث، د.ت) ج26، ص158.
(89)    محمد راكان الدغمي، التجسس وأحكامه في الشريعة الإسلامية، ص233.
(90)    محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر ابن عاشور التونسي، التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، ج26، ص212، مصدر سابق.
(91)    أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث أبو داود، وصححه الألباني، سنن أبي داود، باب في النهي عن التجسس (ط. دار الفكر، د.ت) ج2، ص689.
(92)    أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق، بإسناد حسن، سنن أبي داوود، بتحقيق: شعيب الأرنؤوط – محمد كامل قره بللي، باب في الغيبة، والحديث صحيح، (ط. دار الرسالة العالمية، ط. أولى، 1430هـ - 2009م) ج7، ص241.
(93)    أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق، سنن أبي داوود، بتحقيق: شعيب الأرنؤوط – محمد كامل قره بللي، باب في الغيبة، والحديث صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، ج7، ص242.
(94)    سورة الحجرات: آية 12.
(95)    محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب، أوضح التفاسير، (ط. المطبعة المصرية، ط. سادسة، سنة 1964م) ص635.
(96)    عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط. أولى، 1356هـ) ج1، ص155.
(97)    سورة النور: آية 9.
(98)    سورة النور: آية 4.
(99)    سورة النور: آية 23.
(100)    أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ج8، ص175.
(101)    وهبة بن مصطفى الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (ط. دار الفكر المعاصر، بيروت، سنة 1418هـ ج26، ص230.
(102)    أخرجه البخاري في صحيحه، انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحب الدين الخطيب، كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها لزوجها (ط. دار الفكر، د.ت) ج9، ص338.
(103)    جلال الدين السيوطي، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، (ط. دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة الأولى 1415هـ - 1994م) ج6، ص500.
(104)    المصدر السابق، كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها لزوجها، ج9، ص338.
(105)    أخرجه الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، وضعفه الألباني، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي، باب ما جاء في الاستتار عند الجماع (ط. مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط. ثانية، 1395هـ - 1975م) ج5، ص112.
(106)    محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الصنعاني، التنوير شرح الجامع الصغير (ط. مكتبة دار السلام، الرياض، ط. أولى، 1432هـ 2011م) ج4، ص400.
(107)    أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق، سنن أبي داود، بتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، باب ما جاء في التعري، قال الألباني صحيح، (ط. المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، د.ت) ج4، ص40.
(108)    أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق، سنن أبي داود، بتحقيق: شعيب الأرنؤوط – محمد كامل قره بللي، باب النهي عن التعري، والحديث صحيح، ج6، ص124.
(109)    أخرجه مسلم، الحجاج أبي الحسن القشيري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه (ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت، د.ت) ج4، ص2291.
(110)    غازي صبحي، القرآن منهاج حياة، (ط. الرسالة للنشر والتوزيع، دمشق، ط. أولى، 1996م) ص168، 181.
(111)    أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، ج8، ص54.
(112)    نعمت صدقي، التبرج، (ط. دار الاعتصام، القاهرة د. ت)، ص15.
(113)    سورة الأحزاب، آية: 32.
(114)    سورة الأحزاب، آية: 33.
(115)    عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، (ط. دار الحديث، القاهرة، ط سادسة، 1413هـ)، ج3، ص464.
(116)    سورة النور، آية: 31.
(117)    محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، (ط. مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، ط. أولى، 1420هـ/2000م) ج18، ص163.
(118)    سورة النور، آية: 30، 31.
(119)    محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، ج18، ص163.
(120)    عبد الحميد فضل، التدابير الواقية من الزنا في الفقه الإسلامي، (ط. المكتب الإسلامي، بيروت، سنة 1983م، ص154.
(121)    سورة النور، آية: 27-28.
(122)    أخرجه البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، باب استئذان المملوك والطفل في العورات الثلاث واستئذان من بلغ الحُلُم منهم في جميع الحالات (ط. مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد، ط. أولى، 1344هـ) ج7، ص97.

1 + 11 =