الفقه العقدي للأقليات الإسلامية
15 محرم 1439
د. زياد بن حمد العامر

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن العلاقة بين أهل الإيمان فقال: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (1)، وهكذا أهل الإيمان تربطهم رابطة الإيمان مهما تباعدت بلدانهم، واختلفت ألوانهم، وتذكيراً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء) (2)، وفي هذا مدح للغرباء الذين جاءت صفتهم في رواية أخرى (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي) (3)، وفي رواية (أناس صالحون، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) (4).

 

وبسبب الظلم الواقع على المسلمين في كثير من البلدان التي تكون السيادة أو الكثرة فيها لغير أهل الإسلام، وانتشار الجهل، وكثرة مخالطة غير المسلمين، مما جعل كثير من معالم الإسلام تذوب في نفوس المسلمين من أهل تلك البلدان، وبدأت شعائر الإسلام تذبل في مظاهر حياتهم، مما يستدعي التواصل المستمر مع إخواننا الذين أضعفتهم الغربة، ورَفْع الاعتزاز بالإسلام في نفوسهم، وتذكيرهم بمعالم دينهم، وبيان الحدود التي تضبط تعاملاتهم في مسائل الاعتقاد والفقه وسائر علوم الشريعة، وكان لزاماً على أهل العلم والمختصين تجلية الأحكام العقدية وبيان الحكم الشرعي في مثل هذه المسائل عن طريق منهج علمي واضح، ورغبة بالمشاركة في هذا الجانب كان هذا البحث بعنوان / الفقه العقدي للأقليات الإسلامية.

 

وقد انتظم سلك هذا البحث كما يلي:
-    المقدمة: وفيها مدخل للتعريف بالبحث، وخطة البحث، وهدف البحث، والدراسات السابقة.
-    التمهيد: وفيه مطلبان: الأول في تعريف مفردات عنوان البحث.
 الثاني: في نشأة الأقليات الإسلامية.
-    المبحث الأول: وفيه بيان أهمية العناية بدراسة النوازل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية.
-    المبحث الثاني: وفيه بيان جملة من القواعد الشرعية المؤثرة في الفقه العقدي للأقليات الإسلامية.
-    المبحث الثالث: وفيه تأصيل لمسألة الولاء والبراء، وتطبيق لذلك على مسألة المحبة الطبيعية للكافر، والتجنس بجنسية الدولة الكافرة.
-     المبحث الرابع: وفيه تأصيل لمسألة الحكم بما أنزل الله، وتطبيق لذلك على مسألة التحاكم إلى محاكم الكفار، وتولي الولايات العامة في بلاد الكفر والترشح لها.
-    المبحث الخامس: وفيه تأصيل لأحكام الاجتماع وترك التفرق، وتطبيق لذلك على مسألة التحالفات بين أهل الإسلام، ودور أهل الحل والعقد في ذلك، وأهمية تفعيل الولايات الصغرى في ذلك.
-    الخاتمة: وفيها أبرز النتائج، وأهم التوصيات.

 

هدف البحث:

يمكن إجمال هدف البحث في بيان الموقف الشرعي في مسائل العقيدة المتعلقة بالأقليات الإسلامية.

 

الدراسات السابقة:

لم أقف على دراسات خاصة تتعلق بالأقليات الإسلامية من الجانب العقدي، سوى رسالة علمية غير مطبوعة بعنوان (المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية) للدكتور: عبد المنعم عبدالغفور، وهي من رسائل قسم العقيدة بجامعة أم القرى، والباحث بذل جهداً يشكر عليه، غير أنه فات الرسالة جملة من المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات، ولم أوافقه على جملة أخرى من المسائل، مع أن عدم طباعة الرسالة كان سبباً في عدم انتشارها، وصعوبة الوصول إليها، فلم أستطع الحصول إلا على مواضع منها، وقد حاولت عدة مرات طلبها إلكترونياً من موقع مكتبة جامعة أم القرى فلم أظفر بشيء.

 

ومن الأبحاث التي لها تعلق بموضوع هذا البحث: (تأصيل النوازل العقدية) د. زياد العامر، وهو بحث علمي محكم منشور في مجلة الدراسات العربية، وهو خاص بالجانب التأصيلي للنوازل العقدية من ناحية مصادر البحث في النوازل العقدية، وضوابط دراسة النوازل العقدية، ومراحل دراسة النوازل العقدية، ويختلف هذا البحث عن بحث (الفقه العقدي للأقليات الإسلامية) أنه بحث تأصيلي ولم يتعرض للجانب التطبيقي للنوازل، كما أنه عام فيما يتعلق بالأقليات الإسلامية وغيرها.
 وأكثر الكتابات التي تمت فيما يتعلق بالأقليات كانت في جانب الفقه، فأردت أن أبرز نماذج من الجانب العقدي في هذا الباب.

 

ومن تلك الأبحاث الفقهية:

1/ (فقه النوازل للأقليات الإسلامية)، د. محمد يسري، رسالة دكتوراه في الفقه الإسلامي من كلية الشريعة والقانون من جامعة الأزهر، وطبعت الطبعة الثانية عام 1433 ه، وقد بذل فيها الباحث جهداً يُشكر عليه، وجمع ما تفرق في الأبحاث التي سبقته، غير أنه تكلم في تأصيل النوازل بشكل عام وأفاض في ذلك حتى استغرق ثلثي الكتاب تقريباً، وباقي تطبيقات النوازل استغرقت الثلث، وهذا البحث لا يختص بالنوازل العقدية بل أغلبه في غير العقيدة مثل نوازل العبادات ونوازل المعاملات ونوازل النكاح، ثم ختم البحث بالنوازل السياسية ولم يذكر فيها إلا مسألتين لها ارتباط بالعقيدة هما: حكم التجنس بجنسية دولة غير مسلمة، والمشاركة السياسية في الدول غير المسلمة، وفيها من المسائل ما هو مشترك بين الفقه والعقيدة، ودراستها في العقيدة أولى وأقرب، ويختلف هذا البحث عن بحث (الفقه العقدي للأقليات الإسلامية) من جانب بحث المسائل هل يكون بصبغة فقهية أو يكون بصبغة عقدية من ناحية إبراز المنزع العقدي المؤثر في المسألة، كذلك طريقة الاستدلال للمسائل وترجيحها بين البحثين.

 

2/ (الأحكام السياسية للأقليات المسلمة في الفقه الإسلامي)، د.سليمان توبولياك، وهي رسالة علمية استكمالاً لمتطلبات الماجستير في الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية عام 1996 م، وقد بذل فيها الباحث جهداً يُشكر عليه، ويقال فيها نفس ما قيل في البحث السابق لأن البحث السابق قد استفاد منها أبرز ما فيها.
أسأل الله فيه التوفيق والسداد، وأن يكون إضافة علمية في الدراسات الشرعية.

 

التمهيد: وفيه مطلبان:

المطلب الأول: التعريف بمفردات عنوان البحث.

الفقه:

الفقه في اللغة: مطلق الفهم، (الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح، يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فقهت الحديث أفقهه. وكل علم بشيء فهو فقه. يقولون: لا يفقه ولا ينقه، ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيه)(5).
 ويطلق الفقه بالمعنى العام ويشمل مسائل أصول الدين من أمور الاعتقاد، فإن (علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع) (6).

 

العقدي:

العقدي من العقد، وهو في اللغة: مأخوذ من الشد والربط والجزم.
قال ابن فارس: (العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها... وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه) (7).
 وقال الفيومي: (اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: ما يدين الإنسان به، وله عقيدة حسنة: سالمة من الشك) (8).

 

وقد ذكر بعض أهل العلم أن لفظة (العقيدة) لم ترد في نصوص الكتاب والسنة (9)، ويمكن أن يُستدرك على ذلك (10) بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يعتقد قلب مسلم على ثلاث خصال، إلا دخل الجنة)، قال: قلت: ما هن؟ قال: (إخلاص العمل، والنصيحة لولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) (11).

 

والمراد بالعقيدة في هذا البحث العقيدة الإسلامية، ويمكن تعريفها بأنها (ما يَشُدُّ ويربط الإنسان قلبه عليه من أصول الإيمان وما يلحق بها).

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجزم واليقين متوجه إلى أصول الإيمان، أما بعض المسائل الاحتمالية غير القطعية مما يُلحق بأصول الإيمان فلا يلزم منه الجزم واليقين، وذلك من جنس اعتقاد دلالة قوله تعالى (فثم وجه الله) هل المراد بها صفة الوجه لله؟ أم قِبْلَة الله؟

 

قال ابن تيمية: (الدين نوعان:
أمور خبرية اعتقادية.
وأمور طلبية عملية.

 

فالأول كالعلم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويدخل في ذلك أخبار الأنبياء، وأممهم، ومراتبهم في الفضائل، وأحوال الملائكة، وصفاتهم، وأعمالهم، ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار، وما في الأعمال من الثواب والعقاب، وأحوال الأولياء، والصحابة، وفضائلهم، ومراتبهم وغير ذلك، وقد يسمى هذا النوع أصول دين، ويسمى العقد الأكبر، ويسمى الجدال فيه بالعقل كلاما، ويسمى عقائد، واعتقادات، ويسمى المسائل العلمية والمسائل الخبرية، ويسمى علم المكاشفة.

 

والثاني الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارح، والقلب، كالواجبات، والمحرمات، والمستحبات، والمكروهات، والمباحات، فإن الأمر والنهي قد يكون بالعلم والاعتقاد، فهو من جهة كونه علماً واعتقاداً أو خبراً صادقاً أو كاذباً يدخل في القسم الأول، ومن جهة كونه مأموراً به أو منهياً عنه يدخل في القسم الثاني، مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذه الشهادة من جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول، ومن جهة أنها فرض واجب وأن صاحبها بها يصير مؤمناً يستحق الثواب، وبعدمها يصير كافرا يحل دمه وماله فهي من القسم الثاني) (12).

 

الأقليات الإسلامية:

الأقليات في اللغة: جمع أقلية وهي خلاف الأكثرية (13).
 وأما الأقليات الإسلامية في الاصطلاح فإنه يختلف التعريف الاصطلاحي لها عن التعريف اللغوي حيث يكون معناه أوسع من معنى مخالفة الأكثرية فقط، وهناك مجموعة من التعريفات للأقليات الإسلامية يمكن استخلاص تعريف جامع منها بأن الأقليات الإسلامية هي: (مجموعة من أهل الإسلام تعيش مع من لهم السيادة من غير المسلمين) (14).

 

وهذا التعريف يشمل جميع أنواع الأقليات، سواء كانوا أقل عدداً بين أغلبية غير مسلمة لها السيادة، كما هو شائع.
 أو كانوا أكثرية ولكن الأقل هم الذين لهم السيطرة على الدولة كما في دولة ألبانيا، ودولة نيجيريا قبل أن يحكمها مسلم مؤخراً.

 

ويخرج بهذا التعريف ما إذا كان المسلمون هم الأقل عدداً ولكن لهم السيطرة على الدولة كما في دولة الغابون، فلا يوصفون بأنهم أقلية (15).

 

إذاً فالضابط للأقليات الإسلامية هو أنهم مجموعة ينتمون للإسلام بغض النظر لقلتهم أو كثرتهم مع أن الغلبة والهيمنة هي لغير المسلمين في ذلك البلد.

 

بناء على ما سبق فيمكن إيضاح المراد الإجمالي للفقه العقدي للأقليات الإسلامية بأنه:
فهم ما يَشُدُّ ويربط الإنسان قلبه عليه من أصول الإيمان وما يلحق بها والتي لها تعلق بأهل الإسلام الذين يعيشون مع من لهم السيادة من غير المسلمين.

 

المطلب الثاني: نشأة الأقليات الإسلامية.

يمكن القول بأن معنى الأقليات الإسلامية موجود مع بداية الإسلام، بخلاف ما يراه كثير من الباحثين (16) من أنه معنى حادث لم يوجد من قبل.
 فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة قبل الهجرة يعتبرون أقلية بين أصحاب السيادة من كفار قريش.

 

وكذلك من هاجر من الصحابة إلى الحبشة في بداية الإسلام، فإنهم يعتبرون أقلية بين غير المسلمين من أهل الحبشة.

 

ثم بدأت تتناقص الأقليات الإسلامية نظراً لقوة دولة الإسلام وتوسعها، حتى أصبح المسلم لا يقيم إلا في الدولة التي يكون الإسلام له السيادة عليها.

 

ثم عادت الأقليات الإسلامية بكثرة مع ضعف دولة الإسلام في الأزمان المتأخرة خصوصاً بعد سقوط الدولة العثمانية (17).
 ولعل هذا نوع من أنواع الغربة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء) (18)، وجاءت صفتهم في رواية أخرى (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي) (19)، وفي رواية (أناس صالحون، في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) (20).

 

المبحث الأول: أهمية العناية بدراسة النوازل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية:

ويقصد بالنوازل العقدية: (الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي في المسائل التي يشد ويربط الإنسان قلبه عليها من أصول الإيمان وما يلحق بها) (21)، فمن المعلوم أن واقع الأقليات الإسلامية تكثر فيه مسائل النوازل بناء على ظروف الواقع وتداخل المصالح والمفاسد والموازنة بينهما، وذلك لأنه واقع طارئ على خلاف الأصل في واقع المجتمعات المسلمة، ويمكن بيان ما يتعلق بنوازل الأقليات الإسلامية فيما يلي (22):

 

المسألة الأولى:

أن النوازل العقدية تنقسم باعتبار تعلقها بعموم أو خصوص المسلمين إلى نوعين:
الأول / نوازل تتعلق بعموم المسلمين.
الثاني / نوازل تتعلق بالأقليات الإسلامية.

 

المسألة الثانية:

تتجلى أهمية دراسة النوازل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية في أمور يمكن إجمالها فيما يلي:
أولاً: أهمية التأصيل وبيان المنهج الصحيح في التعامل مع المسائل العقدية المستجدة.
ثانياً: الإسهام في بناء منهج تطبيقي لعقيدة أهل السنة والجماعة في النوازل والحوادث الواقعة من الاعتقادات والأفكار معرفة وحكماً ومعالجة.
ثالثاً: تجلية جهود قدرة علماء الشريعة على معالجة النوازل المعاصرة.
رابعاً: بيان شمول الشريعة الإسلامية، فإن الشريعة ليست صالحة لكل زمان ومكان، بل مصلحة لكل زمان ومكان، وهي الخيار الأفضل في جميع الأزمان والأماكن، وهذا من المقاصد الشرعية المهمَّة.
خامساً: أن بيان الأحكام الشرعية في النوازل برهان على شمول الشريعة لكافة مجالات الحياة، وفي هذا إغلاق لباب الاعتماد على القوانين الغربية التي لا تتوافق مع الأصول الشرعية.
سادساً: أن بيان الحكم الشرعي في النوازل يعتبر قياماً بالفرض الكفائي من سد حاجة الناس فيما يعرض لهم من مستجدات تحتاج لحكم شرعي فيها.
سابعاً: كثرة المسائل العقدية المستجدة.
ثامناً: أن بحث هذه النوازل يعتبر إسهاما فاعلاً في سد الحاجة في المكتبة العقدية.

 

المبحث الثاني: جملة من القواعد الشرعية المؤثرة في الفقه العقدي للأقليات الإسلامية:

وذلك أن كثيراً من الأحكام العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية تتأثر بجملة من القواعد الشرعية التي قررها أهل العلم، ولعل من أبرز تلك القواعد على سبيل الإجمال ما يلي:

 

القاعدة الأولى: قاعدة الضرورة والحاجة (23).
 وذلك أن الضرورات والحاجيات واردة في باب الأقليات الإسلامية بشكل واضح، ومن الضوابط المندرجة تحت هذه القاعدة:
1/ الضرورة تقدر بقدرها، في الزمان والمكان والمقدار، فيقتصر على الزمن الذي يدفع الضرورة قبل وقوعها أو يرفعها بعد الوقوع، وكذا يقتصر على المكان الذي يدفع الضرورة قبل وقوعها أو يرفعها بعد الوقوع، وكذا يقتصر على المقدار الذي يدفع الضرورة قبل وقوعها أو يرفعها بعد الوقوع، فمتى مازال الضرر فإنه يحرم الاستمرار في ارتكاب المحرم.
2/ رجحان وقوع الضرر حالاً أو مآلاً، وذلك أن لا بد من العلم بوقوع الضرر الذي يبح فعل المحرم، ويكون العلم به إما على سبيل اليقين أو غلبة الظن، وذلك في الحال الآني آو المآل المستقبلي.
3/ فقد الوسائل المشروعة في دفع أو رفع الضرورة، وذلك باستفراغ الوسع وبذل الجهد في تحصيل الطرق المشروعة لدفع الضرورة قبل وقوعها أو رفعها بعد الوقوع، فمتى ما وجد طريق شرعي في دفع أو رفع الضرورة فإنه يحرم ارتكابها.
4/ ألا يترتب على فعل المحظور وقوع ضرر مثله أو أكبر، وذلك أن المقصد الشرعي هو في تقليل المفاسد ودفع المفسدة الكبرى أو المساوية بارتكاب الصغرى.
5/ أن الإباحة للمضطر تعني رفع الحرج لا التخيير، بمعنى أن الحكم بإباحة محرم للضرورة يُقصد به رفع الحرج والإثم عن المكلف، ولا يقصد به أنه مباح الفعل أو الترك، بل قد يكون ارتكاب الضرورة واجباً أو مستحباً أو مخيراً فيه.
6/ أن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم سداً للذريعة يباح للحاجة.

 

القاعدة الثانية: قاعدة المصالح والمفاسد والموازنة بينهما (24).

وذلك أن الموازنة بين المصالح والمفاسد واردة على المسلم في سائر أحواله، وهي في باب الأقليات الإسلامية أكثر وضوحاً وحاجة، ومن الضوابط المندرجة تحت هذه القاعدة:
1/ عند تعارض المصالح يقدم أعظمها، وعند تعارض المفاسد يدفع أعظمها.
2/ دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التساوي.
3/ وجوب سد الذرائع المفضية إلى المحرم، ووجوب فتح الذرائع التي لا يتم الواجب إلا بها، وذلك أنه يجب سد الذرائع التي تؤدي إلى المحرم، ويستحب سد الذرائع التي تؤدي إلى المكروه، وفي المقابل يجب فتح الذرائع التي لا يتم الواجب إلا بها، ويستحب فتح الذرائع التي لا يتم الاستحباب إلا بها.

 

القاعدة الثالثة: أهمية التفريق بين الخلاف السائغ وغير السائغ (25).
وذلك بالنظر إلى أهمية الاجتماع وترك الافتراق في واقع الأقليات الإسلامية، ذلك أنه يجب البيان دون الإنكار فيما إذا كان الخلاف مما يسوغ الاجتهاد فيه، ويجب البيان والإنكار فيما إذا كان الخلاف مما لا يسوغ الاجتهاد فيه، حيث إن إهمال هذه القاعدة سبب في تفرق المسلمين في أمور مما يسوغ النظر والاجتهاد فيها.

 

القاعدة الرابعة: العذر بالجهل (26).
 وذلك لأن واقع الأقليات الإسلامية وبُعد كثير منهم عن تعلم أحكام الشريعة مظنة للوقوع في المحرمات أو بعض صور الكفر عن جهل بحكمها.

 

القاعدة الخامسة: الإكراه (27).
 وذلك لأن واقع الأقليات الإسلامية واستضعاف كثير منهم مظنة للوقوع في الإكراه على المحرم، وأصل هذه المسألة في قوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

 

القاعدة السادسة: التفريق بين التعميم والتخصيص.
ومقصد ذلك هو عدم التعميم في قضايا الأعيان، بل لكل قضية حكمها، ولكل شخص ما يناسبه، وذلك أن كثيراً من الأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية ترتبط ارتباطاً مباشراً بتقدير حال الواقعة المعينة من حيث الضرورة أو الحاجة أو التحسين، ومن جهة أخرى من حيث الموازنة بين المصالح والمفاسد في كل قضية بعينها، فلا يسوغ إصدار حكم فيما يتفاوت الناس فيه إلا إذا كان على سبيل العموم والتنظير لا على سبيل التعيين والتطبيق.

 

المبحث الثالث: الولاء والبراء.

المطلب الأول: تأصيل الولاء والبراء

إن أصل معنى الولاء هو محبة الله ومحبة ما يحبه الله وما يتبع ذلك من مقتضيات المحبة، وكذلك أصل معنى البراء هو بغض ما يبغضه الله وما يتبع ذلك من مقتضيات البغض (28).

 

وقد قال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)} [المجادلة: 22].

 

ويعتبر الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان التي تدل على صدق إيمان صاحبها، ولذلك جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: "أي عرى الإيمان - أظنه قال - أوثق؟" قال: الله ورسوله أعلم؟ قال: (الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله) (29).

 

(والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية...، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة) (30).

 

وأصل الولاء والبراء لا ينازع فيه مسلم، فالولاء المطلق لأهل الإيمان، والبراء المطلق لأهل الكفر، وإذا اجتمع في قوم طاعة ومعصية فإنه يكون (الحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبا من وجه مبغوضا من وجه، والحكم للغالب) (31).

 

المطلب الثاني: تطبيق الولاء والبراء

المسألة الأولى: المحبة الطبيعية للكافر

فمن مسائل باب الولاء والبراء مما له تعلق ظاهر بواقع الأقليات الإسلامية، ما يتعلق بالمحبة الطبيعية مما لا يتعارض مع مبدأ الولاء والبراء والحب في الله والبغض في الله وذلك مثل محبة من أحسن إليك من الكفار كما قال الله تعالى عن نبيه عند وفاة عمه أبي طالب {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] أي أحببته المحبة الطبيعية، وكذلك مودة الزوجة الكتابية كما قال الله تعالى عن الزوجين: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] ولم يستثن الزوجة الكتابية، ونحو ذلك كمحبة الوالدين الكافرين، وهذه المحبة الطبيعية تسقط عند التعارض مع المحبة الإيمانية الشرعية (32).

 

أما محبة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب فإن المراد بها في الآية المحبة الطبيعية على الصحيح من أقوال أهل العلم، وممن قال به: الشوكاني (33)، والألوسي (34)، والسعدي (35)، وعبدالرحمن البراك (36)، وغيرهم (37)، وجوزه الطبري (38)، والفراء (39)، والنحاس (40)، والواحدي (41)، ويؤيد هذا ما يلي:

1/ أن سبب النزول يؤيد القول بأن المراد "من أحببته" الحب الطبيعي، وذلك أن الآية نزلت في أبي طالب بإجماع المفسرين (42)، ولو كان المراد "من أحببت هدايته" لكان جميع الناس يستوون في هذا المعنى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحب هداية جميع الناس، أما الآية فيدخل أبو طالب في معناها دخولاً أولياً (43) لما هو معلوم من الإحسان الذي بذله للنبي صلى الله عليه وسلم.
2/ أننا إذا قدرنا في الآية "هدايته" لزم أن يكون في الآية شيءٌ محذوفٌ، والأصل عدم الحذف.
3/ أن الأصل في ضمير الصلة أن يعود إلى نفس الصلة، و"مَن" في قوله تعالى {إنك لا تهدي من} هذا اسم موصول يعود على أبي طالب، وعائد الصلة يعود على نفس الصلة فإذا عاد إلى "مَن" في قوله: {من أحببت} صار المراد من أحببته هو.

 

وعلى أي حال فإنه (لا تلازم بين المحبتين بمعنى: أن المحبة الطبيعية قد تكون مع بغض ديني؛ كمحبة الوالدين المشركين فإنه يجب بغضهما في الله، ولا ينافي ذلك محبتهما بمقتضى الطبيعة، فإن الإنسان مجبول على حب والديه، وقريبة، كما كان النبي يحب عمه لقرابته مع كفره، قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [(56) سورة القصص]

 

ومن هذا الجنس محبة الزوجة الكتابية؛ فإنه يجب بغضها لكفرها بغضا دينيا، ولا يمنع ذلك من محبتها المحبة التي تكون بين الرجل وزوجه، فتكون محبوبة من وجه، ومبغوضة من وجه، وهذا كثير.

 

فقد تجتمع الكراهة الطبيعية مع المحبة الدينية كما في الجهاد فإنه مكروه بمقتضى الطبع، ومحبوب لأمر الله به، ولما يفضي إليه من العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [(216) سورة البقرة].

 

ومن هذا النوع محبة المسلم لأخيه المسلم الذي ظلمه فإنه يحبه في الله، ويبغضه لظلمه له؛ بل قد تجتمع المحبة الطبيعية، والكراهة الطبيعية كما في الدواء المر: يكرهه المريض لمرارته، ويتناوله لما يرجو فيه من منفعة.

 

وكذلك تجتمع المحبة الدينية مع البغض الديني؛ كما في المسلم الفاسق؛ فإنه يحب لما معه من الإيمان، ويبغض لما فيه من المعصية) (44).

 

المسألة الثانية: التجنس بجنسية دولة كافرة

ومن مسائل باب الولاء والبراء مما له تعلق ظاهر بواقع الأقليات الإسلامية، ما يتعلق بالتجنس بجنسية دولة كافرة، والمراد بالتجنس أي طلب الجنسية، والجنسية هي: علاقة بين الفرد والدولة فيها التزامات وواجبات (45)، مع الإشارة إلى أن مفهوم التجنس يتفاوت بين بعض الباحثين في هذه المسألة، يظهر ذلك من تعليلات التحريم أو الجواز عند أصحاب كل قول.

 

وقد اتفق أهل العلم على تحريمها في حال ترتب على ذلك عدم المحافظة على الدين، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك في حكم التجنس بجنسية دولة كافرة على سبيل الاستثناء بقصد تخفيف الشر والفساد، ودفع أو رفع الظلم عن نفسه أو عن أهل الإسلام، أو تحصيل حق للمسلمين، على ثلاثة أقوال (46)، أوردها بإجمال دون الدخول في تفاصيل أدلة كل قول، ذلك أنها كلها تدور حول الموازنة بين المصالح والمفاسد:

الأول: التحريم، وذلك بناء على أن المفاسد في هذه الحالة أكبر من المصالح، وأن أكثر المصالح هنا موهومة، وهو قول أكثر العلماء المعاصرين (47).
ومما استدلوا به قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، قالوا إن أخذ الجنسية نوع من أنواع تولي الكافرين.

 

الثاني: الجواز، وذلك بناء على أن المصالح في هذه الحالة أكبر من المفاسد، وأن أكثر المصالح هنا متحققة، وهو قول بعض العلماء المعاصرين (48).
ومما استدلوا به: أن التجنس يعتبر سبيل لحفظ الضروريات الشرعية، والفرار من التضييق على المسلم في دينه ودنياه في بلده الأصلي.

 

الثالث: التفصيل فلا يطلق القول بالتحريم ولا بالجواز بل تقدر كل قضية بعينها وما يحتف بها من ملابسات، فإن كانت المفاسد أكثر فيقال بالتحريم، وإن كانت المصالح أكثر فيقال بالجواز، على تفاوت بين أصحاب هذا القول في التفاصيل، وهو كثير من الباحثين (49).

 

والذي يظهر للباحث أن الأصل هو تحريم طلب جنسية دولة كافرة، ويجوز ذلك إذا ثبت أن المصالح أكبر من المفاسد، مع استحضار أن طلب الجنسية يعتبر ضرورة تقدر بقدرها في كل قضية بعينها، ويجب المنع من ذلك في حال زوال هذه الضرورة، وذلك (أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما...

 

فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما. وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة...

 

فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها؛ أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية) (50).
وهذه المسألة من موارد الاجتهاد الذي تختلف فيه أنظار أهل العلم.

 

المبحث الرابع: الحكم بما أنزل الله

المطلب الأول: تأصيل الحكم بما أنزل الله

الحكم بما أنزل الله أصل من أصول الدين الذي يجب على كل مؤمن اعتقاده، وقد تكاثرت نصوص الشرع على ذلك، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 60 - 65].

 

وفي هذه الآية نفي للإيمان عن الذي يترك تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لما (نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس؛ فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها؛ فهو معرض للوعيد.

 

ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب " تحكيم الرسول " في كل ما شجر بين الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه وعليهم كلهم إذا حكم بشيء ألا يجدوا في أنفسهم حرجا مما حكم ويسلموا تسليما) (51)، (وفرض تحكيمه لم يسقط بموته بل ثابت بعد موته كما كان ثابتا في حياته وليس تحكيمه مختصا بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد.

 

وقد افتتح سبحانه هذا الخبر بالقسم المؤكد بالنفي قبله وأقسم على انتفاء الإيمان منهم حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع ما تنازعوا فيه من دقيق الدين وجليله وفروعه وأصوله ثم لم يكتف منهم بهذا التحكيم حتى ينتفي الحرج، وهو الضيق مما حكم به فتنشرح صدورهم لقبول حكمه انشراحا لا يبقى معه حرج ثم يسلموا تسليما أي ينقادوا انقيادا لحكمه)(52).

 

(فإن الله سبحانه وتعالى هو الحكم الذي يحكم بين عباده والحكم له وحده وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم؛ فمن أطاع الرسول كان من أوليائه المتقين وكانت له سعادة الدنيا والآخرة ومن عصى الرسول كان من أهل الشقاء والعذاب؛...

 

فالحكم لله وحده ورسله يبلغون عنه؛ فحكمهم حكمه وأمرهم أمره وطاعتهم طاعته فما حكم به الرسول وأمرهم به وشرعه من الدين وجب على جميع الخلائق اتباعه وطاعته؛ فإن ذلك هو حكم الله على خلقه) (53)، (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر) (54).
 وقد تنوعت كتابات أهل العلم في بيان أهمية هذا الأصل العظيم من أصول الدين (55).

 

المطلب الثاني: تطبيق الحكم بما أنزل الله

تطبيق مسألة الحكم بما أنزل الله على واقع الأقليات الإسلامية موطن دقيق، ويمكن التمثيل عليه بمسألتين:

المسألة الأولى: حكم التحاكم إلى محاكم الكفار:

وذلك أن أفراد الأقليات الإسلامية قد يتحاكمون إلى محاكم الكفار، ولا يخلوا فعلهم من أحد ثلاثة أحوال:
1/ أن يجحد أحقية التحاكم إلى حكم الله ورسوله، أو يستحل الحكم في تلك المحاكم بغير ما أنزل الله، فمن اعتقد عدم لزوم الحكم بشريعة الله، أو اعتقد جواز التحاكم إلى غير شريعة الله فهو من هذه الحالة، وحكم هذه الحالة أنه كفر أكبر (56).
2/ أن يتحاكم إلى محاكم الكفار في قضايا معينة المرة والمرتين ونحوهما وليس دائماً، مع إقراره بأنه عاصٍ لله في هذا الأمر، فهذا من جنس فعل المعاصي مع اعتقاد تحريم فعلها اتباعاً للهوى، وحكم هذه الحالة أنه كفر أصغر، فهو "كفر" لدخوله في عموم النصوص التي سمت الحكم بغير ما أنزل الله كفراً، وهو "أصغر" لدخوله في جنس المعاصي التي ليست بكفر أكبر (57).
 وإن كان تحاكمه في هذه الحالة على سبيل الدوام والاستمرار وليس في قضايا معينة على سبيل الندرة، فهذا محل تأمل وتوقف من الباحث، هل يكون من الكفر الأكبر لأنه من قبيل الاستحلال العملي أوالإباء والاستكبار عن قبول الشرع، ولو كان مقراً بقوله إنها معصية، أم يكون كفراً أصغر وكبيرة من كبائر الذنوب لشبهه بسائر المعاصي التي ليست بكفر أكبر ولو مع استدامة فعلها (58).
3/ أن يتحاكم إلى محاكم الكفار إكراها أو اضطراراً لدفع ظلم عنه أو تحصيل حق له، وحكم هذه الحالة هو الجواز، وهو حكم الاضطرار إلى المحرم بشروطه (59).
4/ أن يتحاكم إلى محاكم الكفار جاهلاً بتحريم ذلك، وحكم هذه الحالة عدم التأثيم لعذره بالجهل (60).

 

المسألة الثانية: حكم تولي الوظائف العامة في بلاد الكفر أو الترشح لها:

يحسن في بداية الكلام حول هذه المسألة بيان أن جميع أهل العلم متفقون على تحريم تولي الوظائف العامة في بلاد الكفر مثل الدخول في البرلمانات أو تولي الوزارات أو السفارات أو رئاسة الجامعات أو الترشح لها ابتداء بلا مسوغ شرعي (61)، بسبب ما في ذلك من إقرار ولو في الظاهر لما فيها من الكفريات والمحرمات وتحكيم غير شرع الله.

 

ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك في حكم المشاركة على سبيل الاستثناء بقصد تخفيف الشر والفساد، ودفع أو رفع الظلم عن أهل الإسلام، أو تحصيل حق للمسلمين، على ثلاثة أقوال (62)، أوردها بإجمال دون الدخول في تفاصيل أدلة كل قول، ذلك أنها كلها تدور حول الموازنة بين المصالح والمفاسد (63):

الأول: التحريم، وذلك بناء على أن المفاسد في هذه الحالة أكبر من المصالح، وأن أكثر المصالح هنا موهومة وهو قول بعض أهل العلم (64).
ومما استدلوا به قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113]، قالوا فالمشاركة نوع من أنواع الركون إلى الظلمة.

 

الثاني: الجواز، وذلك بناء على أن المصالح في هذه الحالة أكبر من المفاسد، وأن أكثر المصالح هنا متحققة وهو قول جمهور أهل العلم المعاصرين (65).
ومما استدلوا به قوله تعالى عن يوسف {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، فقد قبل يوسف تولي الولاية عند الكافر.

 

الثالث: التفصيل فلا يطلق القول بالتحريم ولا بالجواز بل تقدر كل قضية بعينها وما يحتف بها من ملابسات، فإن كانت المفاسد أكثر فيقال بالتحريم، وإن كانت المصالح أكثر فيقال بالجواز، وهو اختيار بعض الباحثين (66).

 

والذي يظهر للباحث أن الأصل هو تحريم تولي الوظائف العامة أو الترشح لها أو المشاركة فيها، ويجوز ذلك إذا ثبت أن المصالح أكبر من المفاسد، مع استحضار أن المشاركة في مثل هذه الوظائف تعتبر ضرورة تقدر بقدرها في كل قضية بعينها، وذلك (أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما...

 

فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما. وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة...

 

فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها؛ أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية) (67).
 وهذه المسألة من موارد الاجتهاد الذي تختلف فيه أنظار أهل العلم.

 

المبحث الخامس: الأحكام العقدية المرتبطة بجماعة المسلمين

المطلب الأول: تأصيل أحكام الاجتماع وترك التفرق

من أصول أهل الإيمان المتقرر في عقائدهم أنهم أهل الجماعة أي (أصحاب الجماعة وهي الاجتماع على الحق من الكتاب والسنة وعدم التفرق، وهم أصحاب الإجماع الذي هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين) (68)، وقد قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) (69).

 

وإن أحوج ما يكون الاجتماع فيه وترك الفرقة ما هو واقع في حال الأقليات المسلمة من غربة وتفرق وخلاف، وهذا يوجب على المؤمن الحرص والحث على الاجتماع ونبذ الفرقة لأنه من مقاصد الدين ومن صالح المسلمين.

 

المطلب الثاني: تطبيق أحكام الاجتماع وترك التفرق

ومن أعظم صور الاجتماع وترك التفرق الاجتماع على الإمامة العظمى، غير أنه لما كان هذا متعذر في واقع الأقليات الإسلامية فإن البحث سيكون في عدة مسائل:
1/ الحث على الاجتماع وترك التفرق على أساس إقامة التحالفات بين أهل الإسلام في مجتمع الأقليات الإسلامية، وذلك أنه متى ما أمكن اجتماع المسلمين في جماعة واحدة فهذا هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك فإن المتعين هو اجتماع جماعات المنتسبين للإسلام، الأقرب فالأقرب ما دام يشملهم اسم الإسلام، وإذا كان التحالف مع غير المسلمين إذا كان فيه نصر للحق ودفع للظلم مشروع، فإن التحالف مع أهل الإسلام من باب أولى.

 

2/ الحث على الاجتماع وترك التفرق على أساس تفعيل دور أهل الحل والعقد في مجتمع الأقليات الإسلامية(70)، ويراد بأهل الحل والعقد هم (أهل الشوكة من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يحصل بهم مقصود الولاية، وهو القدرة والتمكن) (71)، فإن هؤلاء هم الجماعة الذين يجتمع عليهم الناس، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عند تعدد الفرق بقوله: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) (72).

 

ويمكن تفعيل دور وجهاء أهل الإسلام في كل منطقة لتولي شأن عموم المسلمين والفصل فيما يحدث بينهم من نزاع أو تولي تزويج المسلمات ممن لا ولي لهن ونحو ذلك من الأحكام، فإنه (إذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد، فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية، فالمتبع أعلمهم) (73).

 

3/ الحث على الاجتماع وترك التفرق على أساس إقامة ما يمكن إقامته من الولايات الصغرى مما هو دون الولاية العظمى في مجتمع الأقليات الإسلامية، كالفصل بينهم فيما يتعلق بالقضاء، وتزويج من لا ولي لها من نساء المسلمين، والمطالبة بحقوقهم ودفع ورفع المظالم عنهم، ونحو ذلك مما له تعلق بالولايات الصغرى، وكذا إقامة الحدود الشرعية وعدم إضاعتها (إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (74).

 

وهذا ما تدل عليه النصوص الشرعية، فمن ذلك أحاديث التأمير في السفر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) (75)، ففيه (دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التِلاف (76)، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى) (77)، (فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك) (78).

 

ويراعى في صفة من يتولى هذه الولايات أن يكون ذا قوة وأمانة، وإن كان (اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل،... فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة؛ قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا...، وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده....، وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قدم الأمين: مثل حفظ الأموال ونحوها؛ فأما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته، وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتين؛ وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد؛ فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد) (79).

 

الخاتمة وأهم التوصيات:

في ختام هذا البحث أحمد الله على ما وفق وأعان، وأشير إلى النتائج والتوصيات التالية:

النتائج:

1)     أن المراد الإجمالي للفقه العقدي للأقليات الإسلامية هو: (فهم ما يَشُدُّ ويربط الإنسان قلبه عليه من أصول الإيمان وما يلحق بها والتي لها تعلق بأهل الإسلام الذين يعيشون مع من لهم السيادة من غير المسلمين).
2)     أن نشأة معنى الأقليات الإسلامية كان مع بداية الإسلام، بخلاف ما ذكره كثير من الباحثين.
3)     بيان أهمية دراسة النوازل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية.
4)     بيان جملة من القواعد الشرعية في دراسة النوازل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية.
5)     أن كثيراً من المسائل المتعلقة بالأقليات الإسلامية مرتبطة بالموازنة بين المصالح والمفاسد، مما يستدعي قيام أهل العلم بهذا الواجب في البيان للأمة، وإحجام من ليس لديه علم شرعي عن الخوض في هذه المسائل.

 

التوصيات:

1)     ضرورة العناية بتعليم الفقه العقدي للأقليات الإسلامية.
2)     أهمية العناية بالنوازل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية.
3)     التأكيد على مراعاة باب الضرورات والموازنة بين المصالح والمفاسد للنظر في فقه الأقليات الإسلامية.
4)     أهمية مراعاة عوارض الأهلية عند البحث في مسائل الأقليات الإسلامية.
5)     التفريق في الخطأ بين من يقصد الوصول إلى الحق وهو مُعظِّم لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومُسَلِّم بها وهو من أهل الاجتهاد في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، وبين من لا يُعظِّم الله ولا كتابه ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يُسَلِّم بذلك وليس من أهل الاجتهاد.
6)    أهمية مزيد من البحث لجملة من مسائل الاعتقاد المتعلق بالأقليات الإسلامية مثل: أحكام الهجرة (من بلاد الكفر الأكثر ضرراً في الدين – إلى بلاد الكفر الأقل ضرراً في الدين)، الإقامة في بلاد الكفر، أحكام الاستضعاف في العهد المكي وتطبيقها على واقع الأقليات الإسلامية، الموقف من أعياد الكفار، أثر التنصير على الأقليات الإسلامية أو اللاجئين إلى بلاد الكفر.

 

________________________________

(1)    أخرجه البخاري رقم (6011)، مسلم رقم (2586) وهذا لفظه، من حديث النعمان بن بشير.
(2)    أخرجه مسلم رقم (145) من حديث أبي هريرة.
(3)    أخرجها الترمذي رقم (2630) وقال حديث حسن.
(4)    أخرجها أحمد في المسند رقم (6650) وصحح الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (1619).
(5)    معجم مقاييس اللغة لابن فارس 4/ 442.
(6)    شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 1/ 5.
(7)    معجم مقاييس اللغة 5/417.
(8)    المصباح المنير 2/421.
(9)    ينظر: معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد ص 666.
(10)    ينظر: الانتصار للشيح عبد المحسن العباد ص 23.
(11)    أخرجه الدارمي في مسنده رقم (235) وقال المحقق: إسناده صحيح.
(12)    مجموع الفتاوى 11/336.
(13)    ينظر: المعجم الوسيط 2/ 756.
(14)    هذا التعريف مستفاد من مجموعة من التعريفات التي كُتبت في هذا الموضوع.
وينظر: الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها، محمد سلامة ص 17.
(15)    ينظر: الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها، محمد سلامة ص 17.
(16)    ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية، عبدالمنعم أسرار ص 50.
(17)    ينظر: الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها، محمد سلامة ص 23.
(18)    أخرجه مسلم رقم (145) من حديث أبي هريرة.
(19)    أخرجها الترمذي رقم (2630) وقال حديث حسن.
(20)    أخرجها أحمد في المسند رقم (6650) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (1619).
(21)    تأصيل النوازل العقدية، د زياد العامر ص 4201.
(22)    ينظر للاستزادة: تأصيل النوازل العقدية، د زياد العامر ص 4179 - 4211.
(23)    ينظر للاستزادة: فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 1/ 456 - 496.
(24)    ينظر للاستزادة: فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 1/ 538 - 572.
(25)    ينظر للاستزادة: الخلاف أنواعه وضوابطه، حسن العصيمي ص 49 - 186.
(26)    ينظر للاستزادة: الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه، د عبد الرزاق معاش، عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، أبو العلا الراشد، نواقض الإيمان القولية والعملية، د عبدالعزيز آل عبداللطيف ص 59، نواقض الإيمان الاعتقادية، د محمد الوهيبي 1/ 225.
(27)    ينظر للاستزادة: نواقض الإيمان الاعتقادية، د محمد الوهيبي 2/ 5، ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة ص 365.
(28)    ينظر: الولاء والبراء في الإسلام، د محمد القحطاني ص 87.
(29)    أخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم (11537)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (1728).
(30)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 28 / 209.
(31)    شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي 2/547.
(32)    ينظر: تفسير القاسمي 5/366.
(33)    ينظر: فتح القدير للشوكاني 4/224.
(34)    ينظر: روح المعاني 20/96.
(35)    ينظر: تفسير السعدي ص 920.
(36)    ينظر: http://majles.alukah.net/t2216/
(37)    ينظر: تفسير الطبري 18/282، تفسير البغوي 6/215، زاد المسير لابن الجوزي 6/232، تلخيص كتاب الاستغاثة لابن كثير 1/435، فتح الباري لابن حجر 10/474.
(38)    ينظر: تفسير الطبري 18/282.
(39)    ينظر: معاني القرآن للفراء 2/307.
(40)    ينظر: معاني القرآن للنحاس 5/188.
(41)    ينظر: الوسيط للواحدي 3/403.
(42)    ينظر: معاني القرآن للزجاج 4/149، زاد المسير لابن الجوزي 6/231، فتح الباري لابن حجر 10/474، فتح القدير للشوكاني 4/224.
(43)    ينظر: فتح القدير للشوكاني 4/224.
(44)    http://majles.alukah.net/t2216/
(45)    ينظر: الأحكام السياسية للأقليات المسلمة، د سليمان توبولياك ص 77، الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام، محمد درويش ص 126، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 711، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1091.
(46)    ينظر: الأحكام السياسية للأقليات المسلمة، د سليمان توبولياك ص 79 - 91، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 714 – 739، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1098 - 1125.
(47)    ينظر: الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 714 – 721، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1099.
(48)    ينظر: الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 722 – 724، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1100.
(49)    ينظر: الأحكام السياسية للأقليات المسلمة، د سليمان توبولياك ص 79 - 91، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 725 – 727، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1101.
(50)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 20 / 48 - 53.
(51)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 7 / 37.
(52)    مختصر الصواعق للموصلي ص 545.
(53)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 35 / 361 – 363.
(54)    منهاج السنة لابن تيمية 5/ 130.
(55)    ينظر: في بيان ذلك كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه) د. عبدالرحمن المحمود 20 - 111.
(56)    ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه د. عبدالرحمن المحمود 159 – 210، المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 318.
(57)    ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه د. عبدالرحمن المحمود ص 211 – 214، المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 318.
(58)    ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه د. عبدالرحمن المحمود ص 333 – 376، نواقض الإيمان القولية والعملية د. عبدالعزيز آل عبداللطيف ص 326 - 340.
(59)    ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه د. عبدالرحمن المحمود ص 205 – 210، المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 318.
(60)    ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه د. عبدالرحمن المحمود ص 209.
(61)    ينظر: الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، د فهد العجلان ص 89، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 335، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1150.
(62)    ينظر: الأحكام السياسية للأقليات المسلمة، د سليمان توبولياك ص 100 - 111، المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 320 – 328، الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام في العبادات والإمارة والجهاد، محمود درويش ص 279، الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، د فهد العجلان ص 89 - 99، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 301 – 338، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1130 - 1154.
(63)    ينظر: الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، د فهد العجلان ص 95، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 336.
(64)    ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 320 – 328، الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام في العبادات والإمارة والجهاد، محمود درويش ص 279، الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، د فهد العجلان ص 89 - 99، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 306، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1136.
(65)    ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 320 – 328، الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام في العبادات والإمارة والجهاد، محمود درويش ص 280، الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، د فهد العجلان ص 89 - 99، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 307، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1135.
(66)    ينظر: الأحكام السياسية للأقليات المسلمة، د سليمان توبولياك ص 100 - 111، المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 320 – 328، الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام في العبادات والإمارة والجهاد، محمود درويش ص 281، الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، د فهد العجلان ص 89 - 99، الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، د عطية عدلان ص 335، فقه النوازل للأقليات المسلمة، د محمد يسري 2/ 1153.
(67)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 20 / 48 - 53.
(68)    الحاشية السنية على العقيدة الواسطية، د زياد العامر ص 11، وينظر: ص 194.
(69)    أخرجه مسلم رقم (1715).
(70)    ينظر: أهل الحل والعقد، د الطريقي ص 107 - 117، المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية ص 437.
(71)    الموسوعة الفقهية الكويتية 7 / 115، وينظر: أهل الحل والعقد، د الطريقي ص 15.
(72)    أخرجه البخاري رقم (7084)، ومسلم رقم (1847).
(73)    غياث الأمم، للجويني ص 391.
(74)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 34 / 176.
(75)    أخرجه أبو داود في سننه رقم (2608)، وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم (2454).
(76)    أي: التلف.
(77)    نيل الأوطار، للشوكاني 8 / 294.
(78)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 28 / 65.
(79)    مجموع الفتاوى لابن تيمية 28 / 254 - 258.

4 + 1 =