حتى سفاحي ميانمار يحاربون "الإرهاب"!
14 ذو الحجه 1438
أمير سعيد

الوصفة كانت سهلة:
اختلاق أو حدوث عمليات هزيلة للهجوم على مراكز ومخازن للشرطة الميانمارية لا تسفر عن أي خسائر تذكر للشرطة، بالتزامن مع زيارة كوفي عنان.

ثم
قلق دولي يحذر من "تفاقم العنف"، ويحث على "ضبط النفس".

ثم
إعلام يبدأ بالحديث عن "مجموعات" شرعت في "مقاومة عمليات الحرق والتهجير التي تقوم بها السلطات"
ثم تتحول "المجموعات" إلى "متمردين"، و"الجرائم والمقاومة" إلى "عمليات عنف متبادلة".

ثم
تتحول "عمليات العنف" من جانب "المتمردين" إلى "إرهاب".
الآن أنتم أمام الوصفة كاملة، والتي ينقصها فقط بعض "المقبلات": جماعة تُسمي نفسها اليقين تبدأ بالهجوم على مراكز الشرطة التي لا تستطيع أن تكبح جماح غضبها ولا تستجيب لدعاوى "ضبط النفس"! وهذه الجماعة، كالعادة تدلي أو يدلى نيابة عنها بتصريحات لوكالات أنباء غربية، كوكالة الأنباء الفرنسية التي أدلى لها مجهول يُسمي نفسه "محمد عمر" (تشبهاً على ما يبدو بزعيم طالبان الراحل)، لينسج عمر على نفس منوال سابقيه في داعش والقاعدة والجماعات العربية المسلحة السابقة حين تبدأ بالإعلان عن نفسها عبر وكالات غربية لاسيما الفرنسية (مصادفة غريبة!).

 

تبدأ وسائل الإعلام العربية في ترديد ما يُملى عليها حرفياً "تمرد.. عنف.. إرهاب".. تتراجع من ثَم أصوات إعلامية وسياسية ودينية تخشى على ذاتها من الالتصاق بـ"الإرهاب".. تنجح اللعبة: إرهاب كل من يندد بالإرهاب.

 

والنفخ في هذه المجموعة المسلحة المفترضة هو "مندوب" عند الإعلام الغربي، وعند منشئيها أيضاً؛ فالحركة المزعومة اتخذت المسمى الفضفاض نفسه "جيش إنقاذ روهينغيا أراكان"! وهذا الجيش الذي لا يرى بالمجهر أضحى منوطاً به غسل يد سفاحي بورما ونزع صفة الإرهاب والإجرام عنهم، وإبعاد تهمة ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية عنهم، هذا في محل النتائج أما بالأصل فلا أحد يمكنه أن ينكر على الروهينغيا من حيث المبدأ حق الدفاع عن النفس المتعقل.

 

للأمانة، لا معلومات دقيقة عن هذه المجموعة، غير أن طريقة الإعلان عنها توحي بأن المقصود منها هو ذاته ما قُصد من داعش في الأنبار العراقية وسائر المناطق الاستراتيجية في سوريا التي عمدت داعش إلى المساهمة في تدميرها ثم تسليمها لنظامي العراق وسوريا. لكن أكانت يقين كذلك أم لم تكن، أكانت حركة مقاومة مشروعة ضد هذا الإجرام اللامحدود من البوذيين المتطرفين؛ فإن الحاصل سيكون واحداً؛ فحكومة نايبيداو البوذية ليست ضعيفة كي تهز عرشها مجموعة كتلك، وهي لا تقف وحدها بأي حال؛ فبكين - وغيرها - تدعمها بشدة، ولن تألو جهداً في منع تحرر الروهينغيا.

 

لا يحتاج سفاحو ميانمار مبرراً لاستمرار مذابحهم، لكنهم معنيون بإضفاء شرعية دولية على مساعيهم لتهجير مسلمي الروهينغيا عن وطنهم المحتل أراكان، وتثبيت واقع فرضته القوة منذ عشرات السنين، ولا بأس لدى جنرالات ميانمار من الإفادة من المشجب الأنجح في العالم والأكثر فعالية: مكافحة الإرهاب، لتمرير مخططهم الوحشي ضد المدنيين المستضعفين في دولة أراكان المحتلة، وهم قد فعلوا وبدؤوا بالإعلان صراحة عن عملياتهم الإجرامية تلك بعدما كانوا يلصقونها بمجموعات بوذية غير رسمية، وهي مجموعة 969 التي يقودها رهبان بوذيون مرتبطين بالسلطة (شبيحة أو بلطجية أو ميليشيا)؛ فباسم "مكافحة الإرهاب" أمكن للجيش الميانماري الإعلان بوضوح عن قتله 400 من "الإرهابيين"، من دون أن يخشى عاقبة إعلانه هذا. (قتل في الأيام القليلة التي تلت "أرهبة" التهجير القسري فيها نحو ألف مدني فقير من الروهينغيا يومياً).

 

والحقيقة أنه لم يكن ثمة ما ينبغي أن يخشاه الجنرالات، فلا عواقب محتملة من قتل المسلمين حول العالم، إلا أنه من الضروري أن يتم الإخراج بشكل أنيق، وقد كان، ومن الأناقة تلك أن تتحول القضية إلى حالة مكافحة إرهاب، وطمس جذورها تماماً، وإذ بدأت القضية الروهينغية تأخذ بعداً دولياً وإنسانياً متنامياً، وإذ أخذت في تفعيلها إعلامياً على نحو ناجح نسبياً، ولم يعد من المناسب استمرار سياسة التعتيم الإعلامي عليها؛ فإن ما شرع الجنرالات في تنفيذه بمساعدة دولية مناوئة للإسلام هو تحويل القضية من قضية اضطهاد ديني أو عنصري إلى "مكافحة إرهاب"، وهو ما يعفي سلطات ميانمار من تبعة الجرائم التي ترتكبها على الأقل على المستوى الإعلامي؛ فعمدت إلى هذا السبيل الذي لا يعفي من جريمة الإبادة وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة لـ"مواطنين" ميانماريين فحسب، بل حتى من جريمة اضطهاد مهجرين غير شرعيين إلى ميانمار بحسب الادعاء الحكومي الذي تصف به السلطات مواطني دولة أراكان المحتلة من قبل ميانمار بالمهاجرين غير الشرعيين من بنغلاديش!

 

الحاصل أنه يتم الآن عملية تحويل القضية الأراكانية من اضطهاد إلى إرهاب، عبر عدة مراحل:
المرحلة الأولى: هي مرحلة الاحتلال المعترف به دولياً قبل عقود، والذي منحت بريطانيا (بورما) استقلالها في العام 1948 بشرط منح الأقليات والأقاليم حق تقرير المصير، ومنها إقليم (دولة) الأراكان (والموقف البريطاني ليس إيجابياً بالطبع فهي صاحبة المجزرة الكبرى للروهينغيا عام 1942).
المرحلة الثانية: هي مرحلة تحويل قضية الروهينغيا من احتلال دولة مجاورة إلى أقلية مضطهدة.

 

المرحلة الثالثة: هي مرحلة عدم الاعتراف بالروهينغيا كمواطنين، وبدأت من العام 1982، واعتبرتهم السلطات من حينها مهاجرين بنغال غير شرعيين يتعين إعادتهم إلى بلادهم.

 

المرحلة الرابعة: هي مرحلة شرعنة هذا التهجير القسري، والذي لا يمكن تبريره قانونياً بسبب اضطهاد بنغلاديش ورفضها لتهجيرهم إليها، إذ يتعين على السلطات الميانمارية حل مشكلتهم حتى باعتبارهم كلاجئين، وبالتالي ارتأت السلطات الميانمارية تحويل قضيتهم إلى "قضية إرهاب" مستفيدة من المناخ العالمي الذي يسمح بتحويل كثير من القضايا العادلة لقضايا إرهاب لإنهائها بالقوة القاهرة (كمثل المسألة السورية التي تم تحويلها من ثورة ضد استبداد وتمييز ضد المسلمين إلى قضية إرهاب).

 

وهذه المرحلة الأخيرة، كسابقاتها تتشاطر فيها دول غربية وشرقية وتابعة المسؤولية عن جريمة اضطهاد الروهينغيا مع حكومة نايبيداو (ميانمار)، وتشارك بقوة الآلة الإعلامية الغربية والشرقية في مساندة المعتدين بتحويل القضية إلى مكافحة إرهاب يستطيع بموجبها الجيش الميانماري المفاخرة بجرائمه وشرعنتها دولياً، بل ربما طلب الدعم الدولي لمكافحة إرهاب ملايين المسلمين في الأراكان وسائر الأراضي الميانمارية، ومن ثم تصفية القضية بشكل مريح لا عبء فيه ولا ضمير!

 

الواجب إذن: إعادة القضية إلى أصلها الأول: دولة مسلمة محتلة، يمارس فيها المحتلون أقسى درجات القمع والاضطهاد من أجل تهجير أهلها وإحلال غيرهم بدلاً منهم. جرائم حرب، وأخرى ضد الإنسانية، اضطهاد ديني، تهجير عرقي قسري، قضية إنسانية تستأهل تدخلاً إغاثياً إلى جوار الضغط السياسي لحلها.

 

 



5 + 10 =