أراكان تُباد دون ضجيج
6 ذو الحجه 1438
د. زياد الشامي

ليست الحملة الحالية التي يشنها جيش ميانمار ضد ولاية أراكان ذات الغالبية المسلمة إلا استمرار للحملة الأخيرة التي بدأت في أكتوبر عام 2016م وما زالت مستمرة حتى الآن , لتستمر بذلك محنة هذه الأقلية التي لم تتوقف منذ استقلال بورما عن الاحتلال البريطاني عام 1948م .

 

 

لعل ما يميز الحملة الجديدة أنها تأتي بغطاء دولي وأممي واضح , فلم يمض سوى ساعات على صدور التقرير النهائي لعمل اللجنة الاستشارية لتقصي الحقائق بشأن تعرض مسلمي الروهينغا بإقليم أراكان (راخين) في ميانمار لانتهاكات والتي يرأسها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان بتعيين من مستشارة الدولة في ميانمار "أون سان سو تشي" العام الماضي ... لتأتي استجابة حكومة ميانمار كرد على التقرير بشن حملة إبادة ممنهجة ضد مسملي الروهينغيا وموطنهم التاريخي "أراكان" .

 

 

التقرير الذي رحبت به الأمم المتحدة على لسان المتحدث الرسمي باسم أمينها العام "استيفان دوغريك" وكأنه فتح من فتوحاتها ونصر لقضية الروهينغيا يذكرنا بطريقة تعاملها مع كل عدوان صهيوني جديد بحق أبناء فلسطين المحتلة , حيث تكتفي بمطالبة المعتدي الغاصب المحتل بضبط النفس وعدم استخدام القوة المفرطة ضد أصحاب الأرض والحق من المدنيين الفلسطينيين , وهو نفس ما طالب به تقرير "عنان" حكومة ميانمار بالتخلي عن "القوة المفرطة" ..... ما يعني أن استخدام القوة غير المفرطة جائز ومباح , مع العلم أن أحدا لا يعلم معيار وضابط القوة المفرطة في نظر المنظمة الأممية !!!!

 

 

الغطاء والذريعة التي تبرر بها حكومة ميانمار قتلها مسلمي الروهينغيا وحرق قراهم وبيوتهم وحرمانهم من حق المواطنة منذ عقود وتهجيرهم قسريا من أرضهم ..... هو "محاربة الإرهاب" الذي بات مطية كل من يريد أن يقتل المسلمين ويرمي بهم في البحر دون أي سبب أو مبرر سوى أنهم "مسلمون" !!

 

 

هذا ما يحدث لمسلمي الروهينغيا في ميانمار , فعلى الرغم من استمرار محنتهم عقودا من الزمان وتأزمها منذ عام 1982م بحرمانهم من حق المواطنة , و مع ارتفاع حدة جرائم حكومة ميانمار بحقهم بعد شن حملة دموية ضدهم في أكتوبر من العام الماضي طالت أرواحهم وقراهم وبيوتهم ....لم يحرك المجتمع الدولي ساكنا تجاه ذلك , وحين تظاهر بالتحرك من خلال ما يسمى "اللجنة الاستشارية لتقصي الحقائق بشأن تعرض المسلمين الروهينغيا لانتهاكات بإقليم "أراكان" كانت النتيجة إمعانا في الاضطهاد وتماديا في القتل والإجرام من خلال شن جيش ميانمار حملة جديدة ضدهم بدعوى مهاجمة من وصفتهم ميانمار بــ "الإرهابيين" لنقاط أمنية في البلاد .

 

 

حملة الإبادة الجديدة التي يشنها جيش ميانمار ضد أقلية الروهينغيا مستمرة منذ يوم الجمعة الماضي وحتى الآن دون ضجيج يذكر , اللهم إلا بعض التصريحات التي لا بد منها دبلوماسيا لاستكمال مسرحية عدم موافقة مصدر التصريحات على ما يحدث من أهوال في ولاية أراكان .

 

 

وعلى الرغم من فظاعة انتهاكات جيش ميانمار الذي لم يترك نوعا من الانتهاكات الجسيمة إلا فعلها ...إلا أن أحدا لم يعتبر تلك الممارسات والانتهاكات "إرهابا" , بل الأنكى من ذلك أن تصنف تلك الممارسات و الجرائم في خانة "محاربة الإرهاب" !!!!

 

 

عدد ضحايا الحملة الجديدة في ارتفاع كل يوم , فحسب إحصاء أجرته "رويترز" اعتمد على بيانات رسمية من حكومة ميانمار وصل عدد القتلى إلى 104 حتى الآن كلهم من مسلمي الروهينغيا باستثناء 12 من أفراد الأمن تزعم ميانمار أنهم قتلوا على يد مسلحين "إرهابيين" .

 

 

حملة الإبادة الجديدة لم تكتف بقتل الروهينغيا فحسب , بل تقوم بحرق قراهم وتلاحق حتى من يحاول الفرار بنفسه منهم , وقد بث ناشطون صورا وتسجيلات مصورة تظهر هروب آلاف المدنيين من قراهم التي تعرضت للحرق من قبل الجيش والمتشددين البوذيين , كما أكدوا أن الآلاف من الروهينغيا عالقون في الجبال والغابات في ظروف إنسانية بالغة السوء .

 

 

التواطؤ الدولي والأممي مع ما تفعله حكومة ميانمار لا يظهر بالصمت والسكوت وإخفاء حقيقة ما يجري على الأرض فحسب , بل يظهر من خلال التنسيق والتناغم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإتمام عملية الإبادة دون ضجيج على ما يبدو , فكما ان الأجهزة الأمنية في ميانمار قد قامت بإجلاء مئات السكان والموظفين البوذيين من ولاية أراكان غرب البلاد تمهيدا لعملية الإبادة , كذلك فعلت المنظمة الأممية بموظفيها غير الضروريين حسب وصف المتحدث باسم الأمم المتحدة الذي قال : " في ضوء الوضع على الأرض قررت الأمم المتحدة نقل موظفيها غير الضروريين بشكل مؤقت خارج منغدو "بلدة رئيسية في ولاية أراكان" .

 

 

عبارات الإدانة التي قد تصدر من بعض الدول الكبرى ذات النفوذ الفاعل في المنظمة الأممية على ما يجري الآن في أراكان والتي لم تستخدم أي وسيلة ضغط ضد ميانمار لإجبارها على وقف اضطهادها لأقلية الروهينغيا ....هي في الحقيقة توقيع بالموافقة على إبادة المسلمين بشكل غير مباشر .

 

 

المطلوب من المسلمين المستهدفين من قبل عتاة الأرض وشذاذ الآفاق أن لا يقاوموا ولا يعترضوا على اضطهادهم وإرهابهم أو حتى قتلهم وإلا فهم حينها هم "الإرهابيون" الذين لا بد من محاربتهم !!!

 

 

لسان حال الدول التي تمسك بزمام المنظمة الأممية يقول هذا , فهي لا تريد أن ترى لدين الله الحق وجودا ليس في الدول غير الإسلامية فحسب , بل وحتى في عقر ديار الإسلام , ولكن الله غالب على أمره ودينه الإسلام باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولو كره المشركون والكافرون ولو كره من كره .

 

 

12 + 4 =