الوقف على العلم
18 ذو القعدة 1438
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي

    طلب العلم من أجلّ القربات ومن أعظم الطاعات فبالعلم يرفع المسلم الجهل عن نفسه وبالعلم يطيع ربه ويعبده على بصيرة، وبالعلم يسلك سبيل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بتبليغ العلم والدعوة إلى سبيل الله، وما أمر الله ـ تعالى ـ رسوله عليه الصلاة والسلام بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم قال تعالى   ((وقل ربي زدني علما)) [طه: ١١٤]  و يقول حبيبنا عليه الصلاة والسلام: « العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (1) .

    ولم يزل المسلمون عبر القرون المتطاولة يولون العلم أكبر عناية وأشدّ اهتمام، ومن أبرز صور عناية المسلمين بالعلم (الوقف على العلم) ويتمثل ذلك في بناء المدارس والمقارئ والكتاتيب والوقف عليها لأجل الصرف على المعلمين والدارسين وعلى الاحتياجات التعليمية من ألواح ومحابر وكسوة وزيت للإضاءة ونحو ذلك .

    بل إنه خُصص لإحدى المدارس وهي (المدرسة العُمرية) بالقدس أوقاف كثيرة ذات ريع جزيل ويتضح ذلك من نفقاتها حيث تشتمل على ألف خبزة يوميا للنزلاء والدارسين (وهذا يشير إلى كثرة النزلاء والدارسين) ومن نفقاتها أضحية يوم النحر لكل نازل بالمدرسة، ومنها وقف وزيت للإضاءة وكسوة وحلوى توزع على الطلبة ونحو ذلك (2).

    وإن من أعجب ذلك وأبدعه ما جاء عن (كُتّاب الضحاك بن مزاحم) في بلاد ما وراء النهر (تركستان حاليا) حيث روت كتب التاريخ أن هذا الكُتّاب كان يتردد عليه أكثر من ثلاثة آلاف طفل فقير .

   واللافت أن ابن جبير قد وصف أحد الكتاتيب في ديار الإسلام بقوله: "وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد، لها وقف كبير، يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وينفق منه على الصبيان ما يقوم بهم وبكسوتهم؛ وهذا أيضاً من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد .  (3).

العلم مُبلغ قوم ذروة الــشـرف

وصاحب العلم محفوظ من التلـف 

يا صاحب العلم مهلاً لا  تدنسه

بالموبقات فما للعلم  من  خـــلـف 

العلم يرفع بيتا  لا عمـــــاد  له

والجهل يهدم بيت العز  والشرف (4)

 

ومن عجيب ما روي في تاريخ الوقف على العلم والتعليم ما ذكر عن (المدرسة المستنصرية)ببغداد في العراق وهي مدرسة عريقة كبيرة أسست في زمن العباسيين في بغداد في عام 630 هـ على يد الخليفة المستنصر بالله، شُيدت على مساحة تقارب الخمسة آلاف متر وتطل على شاطئ نهر دجلة بجانب «قصر الخلافة» وكانت مركزا علميا وثقافيا هاما، وهي مدرسة عظيمة لا نظير لها في الحسن والسعة وكثرة الأوقاف .

   قال عنها ابن كثير: « لم يُبن مدرسة قبلها مثلها ووقفت على المذاهب الأربعة من كل طائفة اثنين وستين فقيها من الطلاب وأربعة معيدين ومدرس لكل مذهب، وشيخ للحديث وقارئان وعشرة مستمعين وشيخ طبّ وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطبّ ومكتب  للأيتام، ووقف عليها خزائن كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسخها وجودة الكتب الموقوفة بها».(5) .

أما مقدار أوقاف المدرسة المستنصرية فيقول الإمام الذهبي: «إن ريع وقفها أزيد من سبعين الف مثقال من الذهب وقيمة ما وقف عليها يساوي مليون دينار، ويقول ابن كثير عن نفقات أوقافها:" وجعل لمستحقيها الجوامك (الرواتب المالية) والأطعمة والحلوى والفاكهة وما يحتاجون إليه في  أوقاته ووقّف عليها أوقافا عظيمة ... "(6) ولا تزال هذه المدرسة قائمة إلى يومنا هذا كبناء أما التدريس فقد توقف بسبب الحروب والفتن، والله المستعان .

   وهكذا فإن شواهد عناية المسلمين بالوقف على العلم والتعليم كثيرة جدا وبالذات في حواضر بلاد الإسلام، ولم تقتصر العناية بإنشاء الكتاتيب والمدارس فحسب بل تعدى ذلك إلى وقف المكتبات العلمية وكانت تسمى خزائن الكتب يقوم عليها الولاة والعلماء والموسرون من المسلمين وكانت كثير من المدارس المشهورة تشتمل على "خزائن الكتب" أو المكتبات العلمية والأمثلة على ذلك كثيرة جدا كالمدرسة البيهقية والنظامية والمستنصرية وغيرها الكثير ..

    ومن لطيف الأوقاف التعليمية ما ذكره بعض المؤرخين في مدينة "المُذْنَب" بالقصيم حيث وقّفت أوقاف جمة على طلبة العلم في حلقة الشيخ عبدالله بن محمد الدُّخيِّل(7)والذي انقطع للتدريس في جامع المُذْنَب، وكان من تلك الأوقاف سكن لطلبة العلم مكون من بيوت طينية قرب المسجد وخصص ريع أربع مزارع نخيل في مدينة المذنب لصالح طلبة العلم، ووقف يذبح منه كبشان كل يوم لإطعام الطلبة الذين بلغ عددهم آنذاك تسعين طالباً(8) .

ولا شك أن العلم رفعة لصاحبه في الدنيا والآخرة قال - تعالى - : ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))[المجادلة: ١١] .

ويستقى مما مضى ..

  • أهمية الوقف على التعليم وعظيم أثره ودوره البارز في نشر العلم .
  • لزوم الالتفات إلى الأوقاف التعليمية ومساندة القطاع الخيري للقطاع الحكومي في توفير المدارس وتغطية احتياجاتها وتوفير المكتبات وتحقيق الكفاية لطلبة العلم .
  • أهمية العناية بطلبة العلم المغتربين «طلاب المنح» الذين يفدون إلى البلاد الإسلامية لأجل تحصيل العلم ومن ثَمّ يعودون لبلدانهم دعاة إلى الله .
  • مع تجدد وسائل التقنية الحديثة برزت الحاجة إلى توفير المكتبات الرقمية وخزانات الكتب التقنية والعمل على فهرسة موضوعات الكتب العلمية تسهيلا للباحثين وطلبة العلم .
  • أهمية إنشاء المراكز البحثية ومساعدة طلاب الدراسات العليا وتقديم الخدمات العلمية والمساندة لهم وإعانتهم على التفرغ للإنتاج العلمي في شتى العلوم الشرعية والطبيعية وغيرها مما يخدم المسلمين . 
  • السعي لإنشاء المواقع التعليمية ومواقع العلماء وإخراج علمهم ونشره وإنتاج البرامج التعليمية عبر الوسائل التقنية مما يسهل الوصول إليها في كل مكان وزمان.

--------

([1])أخرجه أبو داود(3641),  الترمذي (2682)، ابن ماجة(223)من حديث  أبي الدرداء ، وصححه الألباني.

(2) ينظر : الوقف والمجتمع للساعاتي ص37  .

(3)ابن جبير: الرحلة ص245.    

(4) الأبيات لأحمد شوقي، وله ديوان مطبوع.

(5)ينظر: البداية والنهاية لابن كثير( 13/150) .

(6) ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي( 23/163).

(7)  ت «1324هـ».

(8) ينظر: الوقف ودوره في دعم التعليم والثقافة في المملكة العربية السعودية خلال مائة عام ، لخالد بن علي الخويطر(ص:34).



5 + 4 =