مخاطر إهدار حجية الإجماع
11 ذو القعدة 1438
د. عدنان أمامة

منذ فترة جرى حوار بين بعض طلبة العلم حول تفسير لأحد مشاهير الدعاة  بأن الصلاح الذي علق الله عليه وراثة الأرض في قوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون". بأنه الصلاح الدنيوي،  ولا علاقة له بأي معنى من معاني الإيمان، ولذلك حين امتلك الكفار هذا الصلاح سيطروا على العالم مع كفرهم بينما تخلف المسلمون وضاع ملكهم مع إيمانهم حيث قال هذا الداعية":

وقد لا ينتبه بعضهم أن الصالحين في هذه الآية لا تعني صلاحاً دينياً إطلاقاً إنما صلاح لإدارتها، لذلك إن الله ينصر الأمة العادلة الكافرة على الأمة المسلمة الظالمة، الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم. فالقضية محسومة سيدي".

 

والإشكال الخطير يكمن  في أن هذا التفسير لم يسبق الشيخ إليه أحد من المفسرين على كثرتهم بل التفاسير مجمعة على أن المراد بالأرض: الجنة، بدليل سياق الآيات وسباقها وبعض المفسرين وسع الدلالة لتشمل الوعد الإلهي للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالنصر والتمكين في الدنيا فضلا عن وراثة الجنة في الآخرة كما في قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

وتفسير الصلاح بالصلاح الدنيوي البحت دون الصلاح الديني مخالف لإجماع  المفسرين.

 

ومع أن الشيخ الداعية ليس من أصحاب الاتجاه المنحرف الذي سأتحدث عنه وقد أخطأ دون قصد إلا أن تفسيره قد أعاد  الجدل بشأن  قضية خطيرة جدا انتشرت في ساحات الفكر الإسلامي وهي فكرة النص المفتوح وتعدد القراءات للنص وأن بإمكاننا أن نفهم القرآن والسنة فهما جديدا متماشيا مع تطورات عصرنا وتقدمه التقني، وأنه لا يجوز أن نحجر دلالات النصوص ونلزم الناس بفهم الصحابة أو التابعين أو العلماء لها إذ المقدس هو النص من كتاب وسنة ونحن متعبدون بهما وحدهما أما فهمها فهو مفتوح لكل أحد بما يفتح الله عليه، وإزام الناس بفهم ما أمر لا دليل عليه من كتاب ولا سنة بل هو شرع لم يشرعه الله.

 

والحقيقة أن هذا الكلام يحمل حقا وباطلا،  وظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وهو مشتمل على قدر كبير من التدليس والتلبيس.

 

ويكفي في الدلالة على بطلانه أن نسأل أصحابه المؤمنين به والداعين له: كيف تردون على هرطقات شخص مثل منصور الكيلاني الذي ما فتئت عبقريته تتفق  بين الفترة والفترة عن تفاسير ومعان لآيات القرآن الكريم ما سمعنا بها في آبائنا الأولين وما أنزل الله بها من سلطان، وآخرها فيما أعلم تفسيره للحول الذي تجب على رأسه زكاة من ملك النصاب بأنه سبعة أشهر وليس اثني عشر شهرا كما هو مستقر في أذهان المسلمين منذ فجر الإسلام وإلى يومنا هذا مما يعني أن الأمة الإسلامية عبر التاريخ قد ضيعت وضلت وفرطت في هذا الركن العظيم من أركان الإسلام ولم تؤد الزكاة على الوجه الذي يريده ربها، وأنها غارقة في الإثم لتضييعها حق الفقراء الذين يستحقون ضعف ما أعطاهم إياه أغنياء المسلمين؟.

 

ونسألهم أيضا: كيف تردون على الغلاة الذين كفروا جماهير أمة الإسلام مستندين إلى فهمهم للآيات الناهية عن ولاية الكفار والآمرة بالكفر بالطاغوت؟ 

هل حلال عليكم أن تفهموا نصوص الكتاب والسنة بطريقتكم المتحررة من قيود السابقين وحرام عليهم ذلك؟.

 

وإذا جاءنا من يقول وقد قال فعلا: إن قطع يد السارق ليس أمرا واجبا حتما بل هو على وجه الإرشاد والاستحباب لأن الأمر يدل على الوجوب ويدل على الاستحباب فنحمله هنا على الاستحباب، وإن الزنى ليس محرما في الإسلام والتحريم رأي فقهاء يخطئون ويصيبون، والنهي الوادر عنه في الكتاب والسنة نهي كراهة وليس نهي تحريم، خاصة وأن العلة في النهي حفظ الأنساب والآن عندنا وسائل لمنع الحمل.

 ويقول آخر -وقد قال- : الخمر لا يكون حراما إلا مع الإسكار، أما بدونه فليس حراما.

 ويقول ثان: الطهارة من الجنابة ليست واجبة لأن المراد منها في آية وإن كنتم جنبا فاطهروا: الطهارة المعنوية، وهي طهارة القلب، وليس غسل الجسد.

ويقول ثالث: إن حجاب المرأة ليس مشروعا في القرآن  إنما أوجبه عليها الفقهاء في عصر التزمت والتشدد.

 

  إلى آخر ما يمكن تخيله من هذه الشقشقات والسفسطات التي ستنتهي حتما إلى هدم الدين واقتلاعه من جذوره تحت شماعة التجديد والتنوير والقراءة الجديدة للنصوص؟.

فكيف يمكن أن نوقف هذه الأباطيل؟ إن حاججناهم بقواعد الفهم وقواعد اللغة حاججونا بمثلها أو أكثر منها، ويرضون منا  ويمنون علينا أن نوافقهم: أن لنا فهمنا ولهم فهمهم ولا ننكر عليهم ولا ينكرون علينا لتبقى الشريعة كلها في إطار الظنيات ولا ثوابت فيها ولا قطعيات.

فهل يقبل أحد بهذا؟

 

إنه قطعا لا يوقف هذه الضلالات والأباطيل إلا الاعتراف بحجية الإجماع  -وأقصد به الإجماع الثابت وليس المختلف عليه-  وأن كل فهم للكتاب والسنة يخالف ما أجمعت عليه الأمة -وأشدد على كلمة يخالف وليس أي فهم-  فهو فهم باطل.

 

 ونقول لهؤلاء المفترين على دين الله ونقطع الطريق على كل فلسفاتهم: قولكم مخالف للإجماع القطعي وانتهى وأنتم تنقضون ما هو معلوم من الدين بالضرورة وتخالفون سبيل المؤمنين فانتظروا وعيد الله حيث يقول: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا.

 

 فالقرآن الذي تدعون التمسك به لم يقتصر في الوعيد على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم بل ضم إليه مخالفة سبيل المؤمنين وفهمهم للدين وما أجمعوا عليه.

 

من هنا نكتشف أهمية الإجماع ومكانته كمصدر من مصادر الاستدلال وندرك سبب عناية العلماء من كل المذاهب به والنص على حجيته وأن منكره كافر وأن الإجماع سور لو كسر فلن يبق للكتاب والسنة من القدسية إلا ألفاظهما وحروفهما.

 

 ولا يقلل من أهمية الإجماع تقسيم الأصوليين له إلى قطعي وظني لأن ذلك منهم راجع إلى طريق ثبوت الإجماع وليس إلى دلالته المتفق عليها فالكل متفق أنه متى  ثبت الإجماع فهو حجة قطعية والأدلة على ذلك أكثر من أن تذكر لعلنا نفردها في مقال جديد بإذن الله.

 

منذ فترة جرى حوار بين بعض طلبة العلم حول تفسير لأحد مشاهير الدعاة  بأن الصلاح الذي علق الله عليه وراثة الأرض في قوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون". بأنه الصلاح الدنيوي،  ولا علاقة له بأي معنى من معاني الإيمان، ولذلك حين امتلك الكفار هذا الصلاح سيطروا على العالم مع كفرهم بينما تخلف المسلمون وضاع ملكهم مع إيمانهم حيث قال هذا الداعية":

وقد لا ينتبه بعضهم أن الصالحين في هذه الآية لا تعني صلاحاً دينياً إطلاقاً إنما صلاح لإدارتها، لذلك إن الله ينصر الأمة العادلة الكافرة على الأمة المسلمة الظالمة، الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم. فالقضية محسومة سيدي".

 

والإشكال الخطير يكمن  في أن هذا التفسير لم يسبق الشيخ إليه أحد من المفسرين على كثرتهم بل التفاسير مجمعة على أن المراد بالأرض: الجنة، بدليل سياق الآيات وسباقها وبعض المفسرين وسع الدلالة لتشمل الوعد الإلهي للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالنصر والتمكين في الدنيا فضلا عن وراثة الجنة في الآخرة كما في قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

وتفسير الصلاح بالصلاح الدنيوي البحت دون الصلاح الديني مخالف لإجماع  المفسرين.

 

ومع أن الشيخ الداعية ليس من أصحاب الاتجاه المنحرف الذي سأتحدث عنه وقد أخطأ دون قصد إلا أن تفسيره قد أعاد  الجدل بشأن  قضية خطيرة جدا انتشرت في ساحات الفكر الإسلامي وهي فكرة النص المفتوح وتعدد القراءات للنص وأن بإمكاننا أن نفهم القرآن والسنة فهما جديدا متماشيا مع تطورات عصرنا وتقدمه التقني، وأنه لا يجوز أن نحجر دلالات النصوص ونلزم الناس بفهم الصحابة أو التابعين أو العلماء لها إذ المقدس هو النص من كتاب وسنة ونحن متعبدون بهما وحدهما أما فهمها فهو مفتوح لكل أحد بما يفتح الله عليه، وإزام الناس بفهم ما أمر لا دليل عليه من كتاب ولا سنة بل هو شرع لم يشرعه الله.

 

والحقيقة أن هذا الكلام يحمل حقا وباطلا،  وظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وهو مشتمل على قدر كبير من التدليس والتلبيس.

 

ويكفي في الدلالة على بطلانه أن نسأل أصحابه المؤمنين به والداعين له: كيف تردون على هرطقات شخص مثل منصور الكيلاني الذي ما فتئت عبقريته تتفق  بين الفترة والفترة عن تفاسير ومعان لآيات القرآن الكريم ما سمعنا بها في آبائنا الأولين وما أنزل الله بها من سلطان، وآخرها فيما أعلم تفسيره للحول الذي تجب على رأسه زكاة من ملك النصاب بأنه سبعة أشهر وليس اثني عشر شهرا كما هو مستقر في أذهان المسلمين منذ فجر الإسلام وإلى يومنا هذا مما يعني أن الأمة الإسلامية عبر التاريخ قد ضيعت وضلت وفرطت في هذا الركن العظيم من أركان الإسلام ولم تؤد الزكاة على الوجه الذي يريده ربها، وأنها غارقة في الإثم لتضييعها حق الفقراء الذين يستحقون ضعف ما أعطاهم إياه أغنياء المسلمين؟.

 

ونسألهم أيضا: كيف تردون على الغلاة الذين كفروا جماهير أمة الإسلام مستندين إلى فهمهم للآيات الناهية عن ولاية الكفار والآمرة بالكفر بالطاغوت؟ 

هل حلال عليكم أن تفهموا نصوص الكتاب والسنة بطريقتكم المتحررة من قيود السابقين وحرام عليهم ذلك؟.

 

وإذا جاءنا من يقول وقد قال فعلا: إن قطع يد السارق ليس أمرا واجبا حتما بل هو على وجه الإرشاد والاستحباب لأن الأمر يدل على الوجوب ويدل على الاستحباب فنحمله هنا على الاستحباب، وإن الزنى ليس محرما في الإسلام والتحريم رأي فقهاء يخطئون ويصيبون، والنهي الوادر عنه في الكتاب والسنة نهي كراهة وليس نهي تحريم، خاصة وأن العلة في النهي حفظ الأنساب والآن عندنا وسائل لمنع الحمل.

 ويقول آخر -وقد قال- : الخمر لا يكون حراما إلا مع الإسكار، أما بدونه فليس حراما.

 ويقول ثان: الطهارة من الجنابة ليست واجبة لأن المراد منها في آية وإن كنتم جنبا فاطهروا: الطهارة المعنوية، وهي طهارة القلب، وليس غسل الجسد.

ويقول ثالث: إن حجاب المرأة ليس مشروعا في القرآن  إنما أوجبه عليها الفقهاء في عصر التزمت والتشدد.

 

  إلى آخر ما يمكن تخيله من هذه الشقشقات والسفسطات التي ستنتهي حتما إلى هدم الدين واقتلاعه من جذوره تحت شماعة التجديد والتنوير والقراءة الجديدة للنصوص؟.

فكيف يمكن أن نوقف هذه الأباطيل؟ إن حاججناهم بقواعد الفهم وقواعد اللغة حاججونا بمثلها أو أكثر منها، ويرضون منا  ويمنون علينا أن نوافقهم: أن لنا فهمنا ولهم فهمهم ولا ننكر عليهم ولا ينكرون علينا لتبقى الشريعة كلها في إطار الظنيات ولا ثوابت فيها ولا قطعيات.

فهل يقبل أحد بهذا؟

 

إنه قطعا لا يوقف هذه الضلالات والأباطيل إلا الاعتراف بحجية الإجماع  -وأقصد به الإجماع الثابت وليس المختلف عليه-  وأن كل فهم للكتاب والسنة يخالف ما أجمعت عليه الأمة -وأشدد على كلمة يخالف وليس أي فهم-  فهو فهم باطل.

 

 ونقول لهؤلاء المفترين على دين الله ونقطع الطريق على كل فلسفاتهم: قولكم مخالف للإجماع القطعي وانتهى وأنتم تنقضون ما هو معلوم من الدين بالضرورة وتخالفون سبيل المؤمنين فانتظروا وعيد الله حيث يقول: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا.

 

 فالقرآن الذي تدعون التمسك به لم يقتصر في الوعيد على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم بل ضم إليه مخالفة سبيل المؤمنين وفهمهم للدين وما أجمعوا عليه.

 

من هنا نكتشف أهمية الإجماع ومكانته كمصدر من مصادر الاستدلال وندرك سبب عناية العلماء من كل المذاهب به والنص على حجيته وأن منكره كافر وأن الإجماع سور لو كسر فلن يبق للكتاب والسنة من القدسية إلا ألفاظهما وحروفهما.

 

 ولا يقلل من أهمية الإجماع تقسيم الأصوليين له إلى قطعي وظني لأن ذلك منهم راجع إلى طريق ثبوت الإجماع وليس إلى دلالته المتفق عليها فالكل متفق أنه متى  ثبت الإجماع فهو حجة قطعية والأدلة على ذلك أكثر من أن تذكر لعلنا نفردها في مقال جديد بإذن الله.

12 + 3 =