ضريبة غربة الآباء ..!
28 شوال 1438
أميمة الجابر

الآباء الصالحون عادة لايفكرون في ترك بيوتهم واسرهم إلى غربة يخفى عليهم مستقبلها إلا بسبب واضح مفهوم ، وأسوا ما يمكن ان تتعرض له الاسرة في وجهة نظري في هذه الرحلة هو عدم قدرته على اصطحاب اسرته ، فالرحلة قد تطول والمعاناة قد تبدأ !

 

 

بعض المغتربين من الآباء يسافرون و هدفهم إشباع حاجات أسرهم بالمتطلبات الأساسية و القيام بالالتزامات التى ينبغى عليهم توفيرها , لكن يتغير الوضع بمجرد تحقق هذه الأشياء , فنجد الأسرة بعد ذلك تزداد تطلعاتها إلى الثراء , فى حلقات لا تنتهى من الرغبات .

 

 

حقيقة لا شىء مثل الغربة فى قسوة آثارها النفسية و الاجتماعية ..

 

 

تشير جميع الدراسات النفسية إلى محورية دور الأب في حياة أبنائه , وأن مجرد وجوده ولو كان صامتا يسد فجوة عميقة في نفوس الابناء ، فالأب ليس وسيلة لتوفير المال ولا يمكن أن تقتصر مسئوليته علي ذلك فقط ..

 

 

 فوجوده مع أبنائه بمثابة الدعامة الأساسية في نموهم و تطورهم النفسى و الاجتماعى , وغيابه في جميع المراحل أمر صعب للغاية , و قد يسبب لهم أذى كبيرا خاصة فى المراحل الاولى و كذا في مرحلة مايسمونها بالمراهقة  ..

 

 

كذلك في مراحل تحديد مصيرهم الدراسى فقد يهملون دراستهم و كثيرا من مبادئهم , فعدم وجود راع لسلوكهم أو مراقب لتصرفاتهم له أثار نفسية مزمنة سلبية الأثر .

 

 

فالأسرة التى يبعد عنها قائدها مثل السفينة التى يغيب عنها ربانها فمن البديهى أن تغرق خاصة عندما يتركها فى لحظاتها الحرجة .

 

 

فى بعض  الأحيان يكون السفر و البعد الخفيف للأب عن أسرته له فوائد فى تجديد الأجواء الأسرية وتوثيق العلاقة بين الزوجين فيشعر كلاهما بالشوق للآخر ، يحدث ذلك عندما تكون أصل العلاقة بين الزوجين قوية و قائمة على المودة و الثقة و التفاهم .

 

 

لكن إذا لم تكن العلاقة هكذا فعندئذ يكون البعد و الفراق له أثره السلبى جدا بل والهادم للأسرة .

 

 

غياب الزوج لفترات طويلة عن بيته و أولاده يشتت الجمع و قد يكون مفتاحا لمفاسد أكبر و شرور نخشى أن تقع , و بسببه يزداد الفتور فتورا ، وتتفكك و تضعف العلاقات الزوجية , حتي إن بعض الزوجات يشعرن عند عودة الزوج أنه مجرد ضيف غريب عن المنزل .

 

 

 فالبعد لفترات طويلة يجعل الزوجة تتعود أن تعيش بمفردها , و قد تزداد المشاجرات بين الزوجين و بين الأب و بين الأولاد عند عودته في فترة الأجازة التى يقضيها معهم !

 

 

لقد أصبحت الزوجة ، هنا بعد غياب الأب ، تلعب دورا مزدوجا لتعويض غياب الأب , فالأم حينئذ أصبحت مسئولة عن إدارة شئون اسرتها ونفسها من الألف للياء .

 

 

بعض النساء يشعرن بالخوف على أولادهن بعد غياب الأب فيقمن بإغلاق العالم على أنفسهن وعلي أبنائهن والانعزال و تجنب الاختلاط بالآخرين مما يسبب حالات كثيرة من الانطواء عند الأبناء .

 

 

واحيانا تتصف الأم عند غياب الأب بالعصبية الشديدة و الانفعال الزائد لما تتحمله من ضغوط , إضافة لمعاناتها غياب زوجها عنها و فقدانها الدعم النفسي , فالعلاقة الزوجية أساسها المودة و الرحمة و التواصل و الحب والمشاركة و ليس المال .

 

 

و في بعض المجتمعات قد تعانى الزوجة عند غياب الزوج من تدخل الأهل فى تربية الأبناء مثلا كتدخل الأجداد أو الأعمام أو الأخوال أو غيرهم ،  فتجدهم يريدون فرض وصاياتهم على الأولاد بحجة الخوف عليهم , قد يكون ذلك في بعض الأحيان شىء إيجابى لضبط سلوك الأبناء ، لكنه أيضا يكون سلبي الاثر في حالات عديدة , فالأم تريد تربية أولادها بطريقة معينة علي غير ما يريد الأهل فيحدث صدام بين الطرفين !

 

 

أيضا في بعض الأحيان يريد الأب تعويض غيابه عن ابنائه فيعطيهم كثيرا من الأموال كشىء بديل لغربته , فيعيش الأبناء عيشة مرفهة ولا يتعودون تحمل المسئولية و لا التربية علي الإخشوشان فقد تأتى عليهم أيام صعبة تحتاج لصمود وجلد بعيد عن مفهومهم , أو أن يستخدم الأبناء هذه الأموال في إتباع سلوك سلبي مع أصحاب السوء كإدمان للمخدرات , فيعود الأب فيجد ثمرة عذابه و غربته أبناء مدمنين !

 

 

من جانب آخر فإن الغياب الطويل للزوج و إنقطاعه عن البيت ينبت نوعا من الشك لدى الزوجة في زوجها من ناحية حبه لها , و اشتياقه إليها مما يجعلها تحدث نفسها قائلة " لو كان يحبني لما إستطاع كل هذا الابتعاد عنى وغياب كل هذه الفترة الطويلة " !

 

 

 

كل هذه المعاني وغيرها يدعو الأسرة ان تبذل كل جهدها لتظل مجتمعة حتى لو تطلب الأمر بعض التضحيات ،فلا يتحقق الاستقرار النفسى إلا بوجود أفراد الأسرة معا , و لابد أن ندرك هذه الحقيقة .

 

 

عند حالات الاضطرار قد يغيب الاب لاسباب غير اخيارية  ، علينا أن نفكر في بعض الحلول لاستمرار الود و الترابط مع السفر و الفراق ..

 

 

فيراعي الأب جاهدا عدم بعده عن زوجته فترة تتراوح بين أربعة إلى ستة أشهرلا أكثر من ذلك , بحسب نصيحة و رؤية الفاروق عمر رضي الله عنه .

 

 

كذلك تكثيف التواصل مع وجود التكنولوجيا و الاتصالات المتعددة الحديثة فى زمننا هذا ما يؤدى خدمة مهمة في التغلب علي حدة الفراق .

 

 

ومن المهم مشاركة الأب في أمور أبنائه من خلال هذا التواصل , وكلما زاد ذلك كان اكثر ايجابية ، وأمامي من الحالات ما يدل على ذلك وقد نجحت الاسرة تربويا برغم سفر الاب لاهتمامهم بإحياء وجوده بينهم والتواصل معه بشكل يومي دائم .

 

 

بالطبع علي الزوجة أن تتحلي بالحكمة و الصبر خصوصا إذا كان الزوج في حاجة لهذا السفركسفر لطلب رزق أو تعليم , مع البحث عن حلول للمشكلات التي تسببها الغربة بهدوء .

 

 

 ان لكل غربة ضريبة و يستحيل أن يحصد من ورائها عسل فقط دون أن نحصد معه مرا , لكننا نرجوا من الله تعالى الخير , فندعوه ونرجوه ونراقبه ونتقيه ، فهوسبحانه الصاحب في السفر و الخليفة في المال و الأهل و الولد .

 

 

           

 



3 + 1 =
د. خالد رُوشه
أميمة الجابر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر