ماذا بوسع ماكرون أن يفعل في سوريا
30 رمضان 1438
أحمد عجاج

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القادم من عالم البنوك والمال يعاني كما يقول خبراء من نقص في علم السياسة الخارجية. هذا النقص قال محللون آخرون إنه سيعوضه بخبراء فرنسيين متخصصين في هذا المجال. وقال متفائلون إن انتخابه هدية من السماء لوقف تضعضع الديمقراطية والإيمان بالليبرالية وحقوق الإنسان على يد اليمين الشعبوي المتصاعد. لم تدم فرحة المتفائلين طويلا، حيث أعلن ماكرون الأربعاء في لقاء صحافي أنه يؤمن بالسياسة الواقعية التي ترتكز في أهم أسسها على استبعاد الأخلاق، إذا ما تصادمت مع المصلحة وذلك على عكس السياسة المثالية التي ترى أن الأخلاق عنصر أساس في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

 

ماكرون الوافد لاستنهاض أمل الاتحاد الأوروبي بالوحدة وبالحرية وحقوق الإنسان، رأى أن سياسة فرنسا السابقة في ليبيا وسوريا خطأ كبير، وأنها، أي تلك السياسة، مسؤولة عن الإرهاب الذي، برأيه، يخرب العالم. ماكرون اعتبر أن الحل الواقعي أن يبقى بشار الأسد لأنه لا يوجد بديل شرعي له ليحكم السوريين! ذهب ماكرون، وبغض النظر عن وهن مقولته وما تستتبعه بأن الأسد حاكم شرعي وليس متسلطا، إلى أبعد من ذلك ليبرر في ظل النظرية الواقعية الجديدة ممارسات وسياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليف الأسد وداعمه. وينقل عن بوتين، في معرض التبرير وكشف السياسة الروسية، أن لبوتين هدفين أساسيين: محاربة الإرهاب، ومنع تحقق الدولة الفاشلة. لم يقل ماكرون شيئا عن سياسات بوتين وممارساته في جورجيا وسوريا بل كل ما قاله إنه يختلف معه فقط في أوكرانيا.

 

لننس نقدنا الأخلاقي لماكرون، لأن الضعف الأخلاقي أصبح تهمة دامغة وعارا يلاحقه، ولننظر إلى ما يتجاوزه وهو الواقعية السياسية التي يؤمن بها. ماكرون يرى أن الحل هو التعاون مع روسيا لوضع خارطة طريق لسوريا عبر الحوار الدبلوماسي وليس عبر الحل العسكري، وأن تكون تلك الخارطة ضامنة لحقوق الأقليات، وأن فرنسا ستفرض ولو لوحدها حماية خطوط الإمدادات الإنسانية في سوريا، وستعاقب الأسد إن استخدم السلاح الكيماوي.
يعرف ماكرون تماما أن الأسد استخدم السلاح الكيماوي، ومع ذلك يقبل به رئيسا شرعيا، ويعرف أيضا أن من حمى الأسد من العقاب الدولي هو روسيا، ولكنه يتعاون مع الروس لحل دبلوماسي. هذه يسميها ماكرون واقعية سياسية، لكن ما لم نعرفه في علم الواقعية هو كيف سيضمن ماكرون استجابة الروس له ويقبلون بحلول يراها، وفرنسا ليس لها أي وجود على الأرض السورية، ولا نعرف أيضا موقف الأميركان من قراره المفاجئ، لأنهم الأكثر والأقوى انتشارا على الأرض السورية. في غياب التفسير لهذه الأسئلة تصبح هذه السياسة الواقعية سياسة انهزامية وتتحول إلى تسليم الأوراق لآخرين تحت يافطة هذه الواقعية المصطنعة. هكذا يرسب ماكرون في امتحانيْ النظرية المثالية الأخلاقية والنظرية الواقعية.

 

في سوريا توجد قوى خارجية وداخلية على الأرض إلى درجة بلغ تشابكها تعقيدا يصعب تفكيكه، ويصعب تخيل الخروج منه بلا مشاكل. فسوريا لم تعد مشكلة سورية بل مشكلة أكبر لها ارتباطات بملفات إقليمية ودولية وأهمها إقليميا الدور الإيراني، وأكبرها دوليا الموقف الأميركي من التغول الروسي على الديمقراطية الأميركية وعلى النفوذ الأميركي في المنطقة وكذلك الخلاف بين دونالد ترامب والمؤسسات العميقة في أميركا حول روسيا.

 

 

في خضم هذا التعقيد تدخل إقليميا تركيا كمتضرر كبير من الأزمة السورية، وكلاعب أساس في حلها أو في إشعالها. ماكرون لم يقل لنا شيئا عن ذلك، بل كل ما قاله هو انسحابه من الموقف الأخلاقي، ومجاراته لبوتين طمعا في استقطابه وإقناعه بالتراجع عن عدوانيته في أوروبا بعدما أعلن الرئيس ترامب عن نيته التخلي عن أوروبا في أي مواجهة روسية أوروبية.

 

هكذا يمكن فهم التحول الماكروني من باب سياسة موازين القوى التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، واستمرت إلى غاية الحرب العالمية الثانية، والتي تقوم على مبدأ التعويض عن غياب قوة كبيرة (أميركا) بالتعاون مع قوى أقل، لإحداث توازن يضمن السلام والأمن للدولة المعنية وهي هنا فرنسا أو الاتحاد الأوروبي الجديد. لكن مبدأ توازن القوى لم يضمن الأمن ولم يجلب السلام، والدليل حربان عالميتان كبيرتان دمرتا الأخضر واليابس.
يواجه ماكرون تحديات كبرى في الداخل الفرنسي وفي الخارج. داخليا عليه أن ينتشل فرنسا من التراجع الاقتصادي، وأن يحميها من العولمة، وهو في الوقت ذاته ممثل العولمة، ومناصر تخفيض دور الدولة في حياة الأفراد. ماكرون سيصطدم كسلفه فرانسوا هولاند بقوة القطاع العام في الدولة، وسيخوض حروبا معه، ولن يكون لديه وقت كاف للقضايا الخارجية.

 

أما على المستوى الخارجي، فإن ماكرون يحاول حماية أوروبا من الانفراط، ومنع دول أوروبا الشرقية من الجنوح إلى المثال البوتيني، وفي الوقت ذاته يحاول أن يوازي الغياب الأميركي، وأحيانا تحديه في قضية المناخ العالمي، ويحاول أن يبرز كحامل للراية الليبرالية والمشعل الأخلاقي اللذين يعتبر أن ترامب أسقطهما من سياسات أميركا.

 

هذا هو ماكرون وهذه هي سياسته، وعند النظر فيها والتدقيق في دقائقها، يتبين بسرعة أنه يفتقد بالفعل للخبرة في السياسة الخارجية، وتنقصه الشجاعة الأخلاقية، ويريد أن يغطي على هذا العجز بسياسة يعتبرها واقعية، لكنها في الواقع سياسة مخالفة للواقعية بكل المعايير.

 

كان الأجدى بماكرون أن يعترف بأن فرنسا ليس لها دور مؤثر في النزاع، وأن يشرح لمواطنيه وللعالم أن الحرب السورية تقترب من نهايتها وأن المؤثرين فيها هم أميركا وروسيا وإيران وتركيا، وأن التدخل الأميركي بموافقة عربية (الأردن ومجلس التعاون الخليجي) هو لوقف جماح الروس ومنعهم من تقرير مستقبل سوريا.

 

ما يجري في سوريا الآن هو سباق للسيطرة على الأرض، وبعدها يبدأ التفاوض، إما بالمزيد من السلاح وإما بحوارات دبلوماسية. في هذا السباق والحوار فإن انتصار أميركا يعني انتصارا إقليميا لحلفائها، وانتصار روسيا هو انتصار لإيران والأسد. في سوريا صراع يزداد حدة ليس لقتال تنظيم داعش، لأنه انتهى، بل للسباق على السيطرة وتقرير مصير سوريا.

 

هذا الصراع المأزوم لا اعتبار فيه لحسابات الشعب السوري ولا لمستقبله، ولا ينظر فيه إلى مبدأ الشرعية وفق معايير موضوعية، بل المهم في هذا الصراع معرفة من يربح وماذا يكسب.

 

ماكرون تجنب كل هذه الإشكاليات لأن المسألة لديه لم تعد متعلقة بدور فرنسا في المنطقة، ولا بدورها في حماية حقوق الإنسان، بل كيف يضمن لفرنسا أمنا يحميها من حفنة متطرفين، يعرف هو ويعرف الجميع، من يقف وراءهم وما هي الأسباب التي أدت إلى ظهورهم، لكنه يفضل في ضوء الضعف الفرنسي وغياب الأوراق من يديه في سوريا أن يجعلهم القضية الكبرى؛ لذلك لم يستح حين قال: الأسد عدو للشعب السوري لكنه ليس عدوا لفرنسا. شكرا ماكرون، وهنيئا لك ولفرنسا ولليبراليين بهذا الصديق.

 

المصدر/ صحيفة العرب اللندنية