تصحيح الأخطاء بين السلف والخلف
28 رمضان 1438
د. عامر الهوشان

الوقوع في الخطأ شأن بشري عام لا يجادل أو يختلف في ذلك اثنان , ولا يستثنى من هذا الشأن العام إلا أنبياء الله ورسله الذين اختصهم الله تعالى بالعصمة عن الوقوع في الذنوب والمعاصي ليبلغوا دينه ويكونوا أسوة وقدوة لأتباعهم , ورد في الحديث الصحيح عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) سنن الترمذي برقم/2499 وحسنه الألباني .

 

 

ومع الإقرار بقاعدة شمولية وقوع غير أنبياء الله ورسله من بني البشر في الخطأ والزلل , إلا أن ما لفت انتباهي وأنا أقرأ في سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين والسلف الصالح عموما هو مسارعتهم إلى تصحيح أخطائهم بشكل فوري وعاجل , وعدم تكرارهم لتلك الزلة أو ذلك الخطأ مرة أخرى , هذا مع ملاحظة ندرة تلك الأخطاء أصلا وقلة عدد الزلات مقارنة بأعمارهم وسنوات حياتهم .

 

 

والحقيقة أن من يقارن طريقة معالجة السلف الصالح لأخطائهم رغم ندرتها وقلتها مع واقع تعامل المسلمين اليوم مع الأخطاء الكثيرة التي يرتكبونها والمعاصي التي يقترفونها دون تصحيح وندم وإقلاع وعزم على عدم التكرار....يدرك البون الشاسع بينهما وحجم هوة ابتعاد المسلمين عن الاقتداء والتأسي بسيرة السلف الصالح .

 

 

كثيرة هي الأمثلة والنماذج الفريدة التي يمكن الاستشهاد بها هنا عن طريقة معالجة السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان مع بعض الأخطاء التي بدرت من بعضهم , والتي كان من المفترض أن تكون نموذجا للتأسي ومثالا للاقتداء للمسلمين في كل زمان ومكان .

 

 

فقد روى البخاري عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : ( أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أمّر القعقاع بن معبد ، وقال عمر رضي الله عنه : أمّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي! فقال عمر: ما أردت خلافك؛ فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما؛ فنزل في ذلك : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } الحجرات/1حتى انقضت الآية . صحيح البخاري برقم/4847 

 

 

وفي رواية أخرى عن نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ .... فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي . قَالَ : مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ ... فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ } الْآيَةَ . صحيح البخاري برقم/4845 

 

 

ولنترك راوي الحديث "ابْنُ الزُّبَيْرِ" رضي الله عنهما ليخبرنا عن طريقة تصحيح مثل هذا الخطا الذي وقع فيه خيرة ؟أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : فكان عمر رضي الله عنه إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ . أي يطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يعيد الكلام مرة أخرى لأنه لم يسمعه من شدة خفض عمر رضي الله عنه لصوته أمام النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك .

 

 

بل إن ما ورد عن ثابت بن قيس رضي الله عنه في طريقة تصحيحه لخطئه برفع صوته أمام النبي صلى الله عليه وسلم ونزول الآيات الأولى من سورة الحجرات هي في الحقيقة من الأهمية للتأسي والاقتداء بمكان ولو بعشر معشار ما فعل .

 

 

ففي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل : يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته، منكسا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر! كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة . صحيح البخاري برقم/3613 

 

 

لقد كانت أوبة السلف الصالح العاجلة إلى الحق وتصحيحهم الفوري للزلل وتعبيرهم عن الندم الشديد على ما بدر منهم من خطيئة وعزمهم الأكيد على عدم تكرار ذلك أبدا ....مأثرة عظيمة من مآثرهم الكثيرة وسماتهم الجليلة . 

 

 

لم يقتصر هذا الطبع الحميد والخلق الرفيع على نفورهم الفوري عن تكرار زلة وقعوا فيها عن غير قصد أو تعمد , بل شمل أيضا العزم على ترك كل ما استشفوا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وفهموا أنه لا يليق بهم من خصال أو تصرفات .

 

 

فهذا حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه يروي لنا قصته مع المال فيقول : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِى ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ( يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ) . قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَداً بَعْدَكَ حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا بِشَىْءٍ . سنن النسائي برقم/3603 وصححه الألباني

 

 

 ومعنى لا أرزأ أحدا بعدك حتى أفارق الدنيا بشيء : أي أني لا أُنقص أحدا من ماله بالطلب منه، أو الأخذ منه . ومعنى بإشراف نفس : أي بتطلع وحرص وطلب .

 

 

 

جاء في شرح سنن النسائي : فكان أبو بكر رضي اللَّه عنه يدعو حكيما إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي اللَّه عنه دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئا، فقال عمر: إني أُشهدكم يا معشر المسلمين على حكيمِ، أنّي أَعرِضُ عليه حقّه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - حتى توفّي .

 

 

لقد كان مجرد نصح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لحكيم رضي الله عنه وتوجيهه بالطريقة الصحيحة في التعامل مع المال بعد سؤاله المتكرر له....كفيلا بإقلاع حكيم عن أمر وفعل وتصرف فهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطأ .

 

 

إن مقارنة سريعة بين هذا الإحساس المرهف الذي يتفاعل بشكل إيجابي مع كل تصرف يُشتم منه رائحة الخطأ أو الوقوع في الزلل , والقابلية العالية للإقلاع عنه بسرعة مذهلة بل والعزم الأكيد على عدم العودة إليه أبدا...... مع واقع إصرار الكثير من المسلمين على الاستمرار في الوقوع في الأخطاء الجسام ومواصلة ارتكاب الذنوب والمعاصي التي يصل بعضها إلى حدود الكبائر أو يكاد ....دون أوبة سريعة أو توبة عاجلة نصوحة أو عزم صادق على عدم العودة ...يدعو للتأمل والتفكير في حجم المسافة التي باتت تفصلنا عن واجب الاقتداء والتأسي بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح .   



4 + 1 =
د. خالد رُوشه
أميمة الجابر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر