في نور آية كريمة.. "فلولا أنه كان من المسبحين"
24 رمضان 1438
أمير سعيد

"فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" (143) الصافات

تتحدث الآية عن نبي الله يونس عليه السلام، وقصته مع السفينة والحوت، مثلما ورد في الآيات الكريمات:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) ۞ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (148)

 

 

"فلولا أنه" أي يونس عليه السلام.
"كان من المسبحين": قال جمع من المفسرين: من المصلين، قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم أي: "من المصلين"، وقال قتادة: " كان كثير الصلاة في الرخاء، فنجاه الله بذلك"، وقال أبو العالية: "كان له عمل صالح فيما خلا". ذكر هذا الإمام الطبري.

وذكر مثله الحافظ ابن كثير، مضيفاً: "وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه. وقيل: المراد (بها) هو قوله: "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين"، قاله سعيد بن جبير وغيره". واختاره الشنقيطي، وكثير من المفسرين أيضاً.

 

 

وذكر الحافظ رواية أبي صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك – ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - "أن يونس النبي صلى الله عليه وسلم حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء".

 

 

دعوة يونس عليه السلام ومغزاها:
وفي الحديث الذي رواه الترمذي: "دعوة أخي ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته"، قال شيخ الإسلام في كتابه القيم "تفريج الكروب. شرح حديث دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت... الحديث": "سماها دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء:

فقوله: "لا إله إلا أنت" اعتراف بتوحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عبادة ودعاء مسألة (...)
وقوله: "إني كنت من الظالمين" اعتراف بالذنب، وهو يتضمن طلب المغفرة؛ فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب، وتارة بوصف حاله، أو حال المطلوب، أو بالحالين معاً (وذكر أمثلة من أدعية الأنبياء في القرآن لكل مثل...) وهذا من حسن الأدب في الدعاء (...) وهو أبلغ من جهة العلم والبيان".

 

 

معنى التسبيح:
أما عن معنى التسبيح نفسه؛ فيقول أبو حيان: "التسبيح: تنزيه الله وتبرئته عن السوء، ولا يستعمل إلا لله تعالى، وأصله من السبح، وهو الجري. والمسبح جار في تنزيه الله تعالى".   
ويقول الشيخ د.عبدالرزاق البدر في مقدمة كتاب د. محمد كندو "التسبيح في الكتاب والسنة والرد على المفاهيم الخاطئة فيه": "سئل علي رضي الله عن التسبيح فقال: تعظيم جلال الله. وقال مجاهد: انكفاف الله عن كل سوء. وقال ميمون بن مهران: اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء. وقال محمد بن عائشة: تنزيه الله عز وجل عن كل سوء، لا ينبغي أن يوصف بغير صفته. وقال الأزهري في كتابه "تهذيب اللغة": وجماع معناه: بُعده تبارك وتعالى عن أن يكون له مثل أو شريك أو ضد أو ند. قال شيخ الإسلام: والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده"

 

 

ومن الآية تأتي الدروس:
-    العبودية في السراء تنجي في الضراء، يقول ميمون بن مهران – فيما ذكره الطبري في تفسيره -: سمعت الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبدا لله ذاكرا ، فلما أصابته الشدة دعا الله فقال الله: "لولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" فذكره الله بما كان منه، وكان فرعون طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين "آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين" قال الضحاك: فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة.

 

 

-    العبودية ليست حالة تلزم المؤمن حال رخائه دون ابتلائه، فكلما زاد البلاء ازدادت الحاجة للجوء إلى الله سبحانه وتعالى؛ فليس البلاء مدعاة لترك العبادة بل حادٍ لمزيد من التبتل والعودة، فللعبد حاجة لخالقه في كل وقت.

 

-    عند الابتلاء يراجع المؤمن عمله وأحواله، ولا يكون النظر في الأسباب المادية وحدها، بل يستشعر المؤمن بأن هذا البلاء ربما كان بسببه هو بالأصل، ويكون اتهام النفس، وإحالة السبب إلى الذات قبل أي شيء آخر. وهذا كان حال الأنبياء عليهم السلام والصالحين من بعدهم "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي".

 

 

الآية الكريمة تحدثت عن معجزة عظيمة، لا يمكن لعقل أن يتصورها لولا أنها وحي صادق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كشفت في ثناياها عن روعة اللجوء إلى الله وسر التسبيح وشأنه عند الله عز وجل، وتشير بطرف الاقتداء إلى كل مؤمن مكروب أن يتمثل هذا السبيل الذي سار به النبي الكريم يونس بن متى عليه السلام، فانكشف كربه؛ فكم من مكروب غارق في هموم لا يدري أن السبيل إلى تبديدها يكمن بإدراك مغزى هذه الآية العظيمة، واقتفاء أثر النبي الكريم يونس عليه السلام.

 

1 + 1 =