يوميات مسلم في السجون الصينية
10 رمضان 1438
موللا ثابت

في الدول التي تعاني من الاستبداد السياسي، يكون أول ضحاياها المنادون بالإصلاح السياسي، أما في الصين يضاف إليهم أي شخص يحاول الحفاظ على تراثه ودينه وحضارته… إلخ وهذا حكاية أحد هؤلاء.

 

عبد الولي أيوب، عرفت الرجل من قبل من خلال نشاطاته المكثفة لبناء حضانة باللغة الأويغورية، أما لماذا هذا النشاط المكثف من أجل بناء حضانة؟ فلأن السلطات الصينية منذ أن بدأت بتطبيق ما يسمى «التعليم باللغتين» (في الحقيقة هيمنة اللغة الصينية على الأويغورية. بحيث يتم تدريس كافة المواد بالصينية إلا مواد الأدب، ثم توسعت حتى على الحضانة ومن هنا كان النشاط).

 

حاول عبد الولي تحقيق هذا الأمر من خلال القانون، كان مسموحًا في القانون بإنشاء حضانة ومدارس تدرس فيها باللغة الأويغورية وهذا أيضًا كان مسموحًا حسب الدستور، لأن شينجيانج (تركستان الشرقية) منطقة حكم ذاتي (على الورق)، فكان من المفروض أن يكون التدريس والتعليم باللغة الأويغورية اللغة الأم. ولكن السلطات الصينية تحت دعوى الاندماج والتطور ضيقت نطاق التدريس بالأويغورية على مواد الأدب فقط.

 

وعندما قارب عبد الولي  تحقيق هذا الأمر من خلال الطرق القانونية تم تلفيق تهمة له بجمع مبالغ بطرق غير قانونية للشركة التي تتولى أمر الحضانة، ثم حكم عليه وعلى رفاقه بالسجن لمدة سنتين.

 

وهذه حكايته عن مشاهداته في السجن..

 

(1) صاحبي في سجن كاشغر
أول من أنذرني بخطورة إلقاء السلام بـ(السلام عليكم) في السجن كان قاري أحمد. وذلك اليوم لم يرد على سلامي أحد، إنما فوجئت بنظرة جامد من صاحبي السجين، ما كنت أتفاجأ لولا أن السجان عرفني بأنه سجين سياسي، لأن السجين السياسي حسب معرفتي كان من الذين يعرفون قيمة تحية الإسلام والرد عليها. أما أحمد قاري فظل في وضعية العسكري حتى خرج السجان من الحجرة واختفى عن الأنظار. ثم جلس مطأطئ الرأس.

 

ألقيت نظرة إلى الحجرة التي تفوح منها رائحة الرطوبة بقوة. كانت هناك منصة/رصيف على شكل مسدس، في «زناد المسدس» توجد حنفية مياه وأسفلها تقع حفرة صرف المياه. يبدو أن هذه الحفرة التي تفوح منها رائحة كريهة هي «دورة المياه» الخاص بنا.

 

ألقى علي أحمد قاري نظرة ثم قال:
– أخي، لقد أخطأت قبل قليل. يجب ألا تدخل الحجرة بتحية الإسلام. بل نقول بالصينية «baogao». ولأن السجان كان أويغوريا (من قومية السجين) لم يقل لك شيئًا وإلا كان قد أوسعك ضربًا. كم شخص ضربك عند الإتيان بك هنا؟

 

كنت أتمنى ألا يسأل أحد هذا السؤال، كنت أتمنى ألا يعرف أحد ماذا لقيت هناك. فلم أتمالك نفسي من الشعور بالقهر. كنت أرضى إذا اكتفوا بالضرب من غير أن يتعدوا إلى هدر أدميتي، إلى إذلالي وإهانتي.

 

في فترات السجن السابقة، شخصيًّا لم أكن أتعرض للتعذيب، ولكني سمعت وقرأت عن الكثيرين ممن انتفضوا ضد الظلم والطغيان، كيف تعرضوا للتعذيب والإذلال الشديد في السجون الصينية.

 

ولكن هذه المرة، ذلك اللعين جردني من كل ملابسي (........)، وركلني بركبته عدة مرات.

 

وبعدما انتهى «التفتيش»، ألقى أمامي ملابس السجناء ذات اللون الرمادي. تنفست الصعداء وبادرت بستر جسدي العاري وحمدت ربي.
لم أشأ أن أحكي لرفيقي ما حدث. وإذا حكيت له ما كنت أتمالك دموعي. سألته عن مدته في السجن، فأخبرني أنه مضى له في السجن سبعة شهور.

 

 

«سبعة شهور!» وقع على سمعي كأعداد لا نهاية لها ولا يمكن عدها، قبل أن يستكمل حديثه ثانيًا جاء الصراخ من مكبر الصوت الموضوع فوق رؤسنا «اخرسوا، وإلا سأخرسكم أنا». وبعد وقت قليل انطفأ النور ولكن اشتدت الرائحة الكريهة المنبعثة من الحفرة، فأكلمت حديثي مع رفيقي أحمد قاري متهامسًا.

 

فعرفت أن أحمد قاري من مدينة كاشغر، وبيته تقع على قرب من المدرسة الأويغورية التي كنت أنوي افتتاحها.

 

ألقي القبض عليه بسبب تدريسه الدين للأطفال في قارغليق (محافظة تابعة لكاشغر تقع على بعد حوالي 250 كيلومترا). لم يمض على زواجه مدة طويلة، رزق حديثًا بمولود.

 

ثم حدثته عن سبب دخولي السجن. لم يسبق له أن سمع عني وعما قمت به. ولذلك لم يبد عليه التأثر كثيرًا ثم قال «إذن سيفرجون عنك قريبًا».

 

وفي اليوم التالي لما سمع أنهم ينقلونني إلى سجن مدينة أورومتشي قال بنبرة جازمة «سيفرجون عنك»، والسبب في رأيه أن الملابس التي ألبسوني إياها ليست من اللون الأصفر الذي يلبسونه السجناء السياسيين عادة.

 

فلم أخبره أنني حتى لو لم ألبس ملابس السجناء السياسين، فإن الذين ألقوا علي القبض لم يكونوا من الشرطة المحلية، بل عملاء أمن الدولة من أورومتشي.

 

وفي اليوم التالي وبعدما صلينا الفجر إشارة، بدأ أحمد قاري في قراءة القرآن سرًا. أما أنا وبعد انتهائي من الصلاة قرأت كل ما أعرفه من قصار السور وما أن انتهيت حتى شعرت بانقباض في صدري.

 

هذه الحجرة من غير نافذة كانت تضيق نفسي، وكأني غطيت بكيس على رأسي. تمنيت لو أني أحفظ القرآن كرفيقي أحمد قاري.
وبعدما أطلقوا سراحي، فكرت في أول صاحب لي في السجن أحمد قاري. فقد أخبرني أن زوجته وأمه التي تجاوز عمرها الستين كانتا تقيمان معًا. وعندما سمع أني سأخرج من السجن طلب مني أن أوصل كلامًا لزوجته. فقال إن زوجة المسجون إذا طلبت الطلاق فإنهم يسمحون لها بزيارة زوجها.

 

فهو كان يريد استغلال هذا الأمر حتى يتمكن من لقاء زوجته. في الواقع في كل غرفة من غرف السجن الذي أودعوني فيه، كانت هناك لوحات معلقة، مكتوب عليها ما يسمى بـ«حقوق السجين» باللغة الأويغورية والصينية وبخط كبير. وكان لزامًا على كل سجين حفظها. وفي ضمن هذه الحقوق حق الزيارة للأهل. ولكني لم أر أي شيء واقعًا عمليًا من تلك الحقوق. ولسوء حظي وعلى عكس ما توقع أحمد قاري بقيت في السجن مدة. أما هو فربما كان محظوظًا واستطاعت زوجته زيارته. أو مددوا سجنه، على كل عزمت على زيارة والدته وإبلاغ كلامه لزوجته بغض النظر عما حدث.

 

وصلت لقرية أحمد قاري. ووجدت الجميع هناك حاضرًا في مجلس القرية للاجتماع السياسي. أول ما وقفت أمام الباب جاءني شخص يحمل سلاحًا. كان علي أن أخبره سبب المجيء وإظهار بطاقتي الشخصية له. ولكن تعريفي بنفسي وسبب مجيئي كانت مخاطرة كبيرة. فإن أعطيت له بطاقتي الشخصية سيضعها في الجهاز ويكتشف أنني سجين سابق وقد يحبسونني مرة أخرى. أعرف هذا لأنني بعد عشرة أيام من خروجي من السجن تعرضت لموقف مشابه وحبست لعدة أيام وتعرضت للتعذيب. فكذبت عليه وقلت إنني مسؤول حكومي للقرية المجاورة. فأخبرني أن علي تسليم البطاقة الشخصية من أجل الدخول للمجلس. فتظاهرت بأني منتظر لشخص أمام الباب.

 

وبداخل المجلس كان الناس مشغولين برقصة «التفاح» الجماعي (رقص غنائي جماعي صيني). وبعد انتهائها بدؤوا في أداء الأغاني بشكل فردي. وعرفت من أحد أعضاء الحراس الذي يمسك هراوة كبيرة أن الذين يغنون بشكل فردي هم أعضاء أسر تحت المراقبة. فسألته إن كان من بينهم شخص اسمه أحمد قاري. فألقى علي نظرة شاملة ثم أشار إلى امرأة في الداخل على أنها أمه. فرأيت امرة مسنة لابسة ملابس ممثلي المسرحية الصينية ووضعت مكياجًا مكثفًا، ووردة صناعية فوق أذنها وهي واقفة ترتعش، عاجزة عن الكلام، ثم أمسكت بيدها المايكروفون وقالت بصوت متطقع سأغني لكم أغنية «الزمن الحر» ( أغنية صينية دعائية للحزب الشيوعي).

 

فلم يصفق لها سوى عدة مسؤولين من الحزب الشيوعي. ثم تمتمت أم أحمد قاري عدة مرات لبدء الأغنية ولكأنها لم تستطع. ثم فجأة بدأت في لطم نفسها باكية صائحة «يا ويح نفسي، ليتني مت قبل هذا، ليتني مت قبل هذا، ليتني لم آتي لهذه الحياة، ليتني لم أولد». بالكاد تمالكت دموعي وعضضت على شفتي ونظرت على شرطي يمشي غير بعيد ماسكا سلاحه، لو خطوت ناحيته لأخذ سلاحه لكان واضحًا أنه سيطلق علي النار قبل أن أصل إليه، على كل حال لم يبق في حياتي إلا أن أخطو هذه الخطوة!

 

 

المصدر/ ساسة بوست

1 + 14 =