حكم القراءة القلبية واللسانية للقرآن
10 رمضان 1438
فهد بن يحيى العماري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فإن مما يثلج الصدر، ويفرح القلب، ويؤنس الخاطر، ويطرب المشاعر، إقبال الصغار والكبار والشباب والفتيات على القرآن في شهر رمضان، فتسمع في جنبات المسجد الحرام والمساجد دوي القرآن والترتيل بعد صلاة العصر والفجر لفضل الجلوس فيهما(1)، دوياً ينساب إلى القلوب والعقول بألسنة ذاكرة وقلوب خاشعة خاضعة مطمئنة لترتوي الهداية واليقين من كتاب النور والهدى واليقين، تنزيل من عزيز حكيم حميد.

 

الحرف منه مضاعف وميسر *** شقي الذي عن حكمه قد أعرضا
هبوا إليه لحفظه وتأهبوا *** وارجوا رضا الرحمن صبحاً والمسا

 

صامدون ثابتون مرابطون أغلب الأوقات في أروقة المساجد رغم قوة الشهوات وما يبثه العدو من الملهيات والانحرافات عبر الشاشات ووسائل الشبكات، ومع كثرة اللاهين والمنشغلين والمعرضين عن كتاب رب العالمين.

 

العين تفرح حين تبصر ما ترى *** من عودة وإنابة الشبان
ولـتفرحي يا أمتي فلقد بدا *** فجر الهداية واضحاً لعيان

 

ونظراً لما يلاحظ من بعض الإخوة في طريقته في القراءة في غير الصلاة فأردت أن أنبه على أنواع القراءات، وما يقع فيه بعض المسلمين من الإشكالات، والله المستعان، وعليه التكلان، ومَن بغيره استعان لا يُعان:

 

الأولى: القراءة القلبية لغير العاجز:

وهي القراءة بالعين والقلب فقط دون تحريك للسان والشفتين لغير العاجز: كالأبكم، وهذه لا تعتبر قراءة ولا يثاب عليها ثواب القراءة، اتفاقاً بين أهل العلم، وقد نقل البرزلي المالكي الإجماع أن من حلف ألا يقرأ فقرأ بقلبه أنه لا يحنث، وأن الإجماع منعقد على أن للجنب أن يقرأ بقلبه دون لسانه، وهذا فيه دلالة أنه لا يسمى قارئاً بلسانه،لأن الجنب ممنوع من القراءة، وإنما يقال قرأ بقلبه، وقراءة القلب تكون قراءة تدبر وتأمل كما يقول ابن باز، ويؤجر على ذلك، ويكون هذا من باب الأعمال القلبية، ولكن لا ينال بذلك أجر القراءة المخصوصة، وحقيقة القراءة اللغوية والشرعية والعرفية هي تحريك اللسان والشفتين، ولذا في أحكام الشريعة من الدخول في الإسلام والخروج منه، وأحكام الصلاة من تكبيرات وقراءة وأذكار، والنكاح والطلاق، والقذف، والأيمان والنذور، والأذكار بأنواعها وغيرها تترتب آثارها في الغالب بالنطق وقد يكون بالفعل، والنطق لا يكون إلا بتحريك اللسان، وما عداه فهو أقرب إلى حديث النفس أو مجرد نية دون اقتران ذلك بشيء من القول أو الفعل:

 

ومن الأدلة:

1- ما ورد في الصحيحين: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه – ووصف سفيان – يريد أن يحفظه فأنزل الله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}.

 

2- روى البخاري في صحيحه أن خبابا رضي الله عنه سئل أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال: باضطراب لحيته.

 

3- روى البخاري تعليقا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: "أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه".رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه.

 

4-ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" رواه الترمذي وغيره.

 

5- عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم قال قتادة إذا طلق في نفسه فليس بشيء. رواه البخاري.

 

ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب كما يقول ابن أبي العز قي شرحه للطحاوية.

 

ففي الحديث القسمة ثلاثية قول وفعل وحديث نفس، ولا يصح أن يكون قسيم الشيء قسماً منه كما يقول المناطقة.

 

وقال الشيخ: ابن باز في قراءة القلب: ليس هذه قراءة، هذا استحضار، هذا تأمل واستحضار ليس هذا قراءة، القراءة لا بد تسمع لا بد أن تكون بالشفتين باللسان والشفتين، لا بد من شيء يسمع، يسمعه الإنسان فالقراءة بالقلب ليست قراءة إنما هي تدبر وتأمل فقط، ولهذا لا بأس للجنب وغيره أن يتأمل ويتدبر بالقلب.

 

الثانية: القراءة اللسانية.

وهي أن يقرأ فيحرك لسانه وشفتيه فهل لابد أن يسمع نفسه؟

 

محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:

القول الأول:

يجب، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، لأنه لا يسمى كلاما بدون ذلك واختاره ابن باز.

 

القول الثاني:

لا يجب، وهو قول للحنفية ومذهب المالكية وقول في مذهب الحنابلة واختاره ابن تيمية وابن مفلح.

 

والراجح: الثاني، لأن المشروع هو القول والنطق، وأما الإسماع فهذا أمر زائد عنه، ويحتاج إلى دليل.

 

الثالثة: القراءة القلبية للعاجز.

كالأخرس فماذا يصنع؟

 

محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:

القول الأول:

يقرأ بقلبه ولا يحرك لسانه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة ورجحه ابن تيمية.

 

القول الثاني:

يحرك لسانه، وهو مذهب الشافعية وقول في مذهب الحنابلة.

 

والراجح: الأول، لأنه لا فائدة من التحريك، ولأن الإلزام يحتاج إلى دليل، ولأن حركة اللسان وسيلة للفظ وليست مطلوبة لذاتها، ولأن الواجب يسقط عند العجز.

 

فرع: من يتعذر تحريك لسانه كمقطوع اللسان ومن في حكمه ماذا يفعل؟

في حقه القراءة القلبية، لما تقدم،و لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

 

اللهم وفقنا لتدبر كتابك والانتفاع به في ديننا ودنيانا، وتولنا برحمتك ورضوانك، وعزاً ونصراً للإسلام والمسلمين(2).

 

_____________________________

(1) انظر كتاب بغية الإشراق في أحكام جلسة الإشراق للمؤلف.
(2) بدائع الصنائع (4/ 118) مواهب الجليل (1/317،525) البيان والتحصيل (1/490) الذخيرة (2/182) المجموع (3/295، 394) الأذكار للنووي (45) الإنصاف (2/43، 44) مختصر الفتاوى المصرية (43) إعلام الموقعين (3/287) و(4/62) مختصر الصواعق المرسلة (529) فتاوى ابن باز (8/213) فتاوى ابن عثيمين (13/156).