حكم اشتراط التحاكم إلى القوانين الوضعية في العقود التجارية
17 جمادى الثانية 1438
أ. د. حمزة بن حسين الفعر الشريف

أدى اتساع نطاق التعاملات التجارية وعقود المقاولات إلى الحاجة إلى التعامل مع شركاء وشركات أجنبية، واقتضى ذلك أن تكون هذه التعاملات والعقود موثقة مكتوبة، ليتم ضمان حقوق الطرفين، ولذا فإنه ينص فيها على التفصيلات التي تمس الحاجة إليها، ومن ذلك مسألة فض النزاع عند وقوعه، والذي يجري فيه النص على الطريقة التي يتم بها؛ لأنه لا بد من وجود مرجعية لمثل هذه العقود يرجع إليها عند الاختلاف، والطريقة المتبعة لا تخرج عن واحدة من الطرق التالية:

 

1-    أن ينص على أنه في حال حدوثه يتم السعي إلى حله بالطرق الودية، فإن لم يمكن فإنه يتم عن طريق التحكيم.
2-    أن ينص على شرط التحكيم في حال حدوث النزاع بدون شيء آخر في صلب العقد، أو أن يتم الاتفاق عليه بعد حدوث الخلاف.
3-    أن ينص على اللجوء إلى القضاء المحلي في المكان الذي تم فيه العقد.
4-    أن ينص على اللجوء إلى قضاء معين حتى لو لم يكن في مكان التعاقد.
كأن ينص على اللجوء إلى القضاء الإنجليزي، أو الأمريكي، أو الفرنسي أو غيرها.

 

وانطلاقاً من مبدأ حرية التعاقد في القوانين فإن وجود النص على التحكيم، أو اللجوء إلى قضاء معين يصبح أمراً ملزماً لكلا طرفي العقد، لا بد من القبول به.

 

ولما كانت القوانين الدولية التي يجري النص على اختيارها في أمثال هذه العقود التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية، وقد تخالفها في أمورٍ عديدة فإن القبول بمثل هذا الشرط يُعدّ مصادماً للنصوص الشرعية التي تنهى عن تحاكم المسلم أو عمله بغير ما شرعه الله سبحانه وتعالى.

 

ومن هنا فإنه إما أن يقال بمنع هذه العقود جملة وتفصيلاً، وهذا ما يترتب عليه توقف التعاملات التعاقدية في المجالات التجارية وعقود العمل ونحوها، وهذا سيضيق على الناس حياتهم ويسد عليهم أبواباً كثيرة لا غنى لهم عنها، لا سيما والناس يحتاجون اليوم إلى أمورٍ كثيرة كبيرة وصغيرة، لا يمكن تحصيلها إلا بمثل هذه التعاملات على مستوى الدول أو الأفراد.

 

وإما أن يقال بإجازة التعامل بهذه العقود المشتملة على هذه الشروط، وهذا فيه مصادمة صريحة لنصوص الشريعة التي حرَّمت هذا الأمر، ورتبت عليه أموراً عديدة قد يكون بعضها مخرجاً من دين الإسلام، ولهذا فإنه لا بد من دراسة هذا الأمر دراسة فاحصة بغية الوصول إلى حكم تطمئن إليه النفس وتبرأ به الذمة من عهدة التكليف.

 

وقبل البدء في تفصيل الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن المخالفة والمصادمة لنصوص الشريعة قد تتصور في جانب التحكيم، وفي جانب التحاكم إلى القضاء ولذلك فإنه لا بد من تناول موضوع التحكيم في مبحث أول، ثم موضوع التقاضي إلى القوانين الوضعية في مبحث آخر.

 

المبحث الأول: التحكيم.

التعريف: التحكيم في اللغة مصدر حكم يحكم.

قال ابن فارس: الحاء، والكاف، والميم، أصل واحد وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم... وحُكِّمَ فلانٌ في كذا: جُعِل الأمر إليه(1).
وقال الفيروز آبادي: حكَّمه في الأمر تحكيماً: أمره أن يحكم(2).
ومن هذا قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

 

وفي الاصطلاح عُرِّف بتعريفات عديدة لا تخرج عن هذا المعنى، ومنها أنه:
1 – أنه تولية الخصمين حاكماً يحكم بينهما(3).
2 – وعُرِّف بأنه تولية الجهتين حَكَماً يرتضيانه ليحكم بينهما(4).
وعرِّف بأنه تولية خصمين حكماً صالحاً للقضاء ليحكم بينهما(5).

 

وعرف بأثره الذي ينتج عنه، قال في المغني: "وإذا حكَّم رجلان رجلاً فحكم بينهما، ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ونفذ حكمه"(6).

 

وعرفته مجلة الأحكام العدلية بأنه: "اتخاذ الخصمين آخر برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما"(7).

 

والتعاريف المتقدمة تتفق في أمورٍ وتختلف في أمورٍ أخرى:
فهي تتفق في:
1-    أن تولية المحكم تكون من قبل الطرفين المتنازعين، وليست من قبل ولي الأمر.
2-    وجود خصومة بينهما تحتاج إلى فصل.
3-    الرضا من الطرفين بالمحكم، وبما يحكم به.

 

وتفترق: في اشتراط صلاحيته للقضاء، وهذا ما صرح باشتراطه الشافعية والحنابلة ولم يشترطه الأحناف ولا المالكية، وهذا الأمر عند من يشترطه يستلزم العلم، والعدالة، وشروط القضاء الأخرى كالسمع، والنطق وغيرها.
فمن لم تتوافر فيه شروط الصلاحية للقضاء لا يصلح للتحكيم.
والتحكيم عقد أطرافه المتخاصمان، والمحكم، والصيغة.

 

ولكل طرف شروط:
فشروط المتخاصمين: العقل، والبلوغ، وعدم الحجر...

 

وشروط المحكَّم:
1-    أن يكون معلوماً، فلو حكَّم المتنازعان أول الداخلين مثلاً لم يصحّ للجهالة.
2-    أن يكون عدلاً؛ لأن غير العدل لا يؤمن من الميل إلى أحد الخصمين، ولا يؤمن على تحري العدل في حكمه.
3-    أهليته للقضاء عند أكثر العلماء.
4-    أن يكون مسلماً إن كان حكماً بين مسلمين، أو بين مسلم وغير مسلم؛ لأن قضاء غير المسلم على المسلم لا يجوز فكذلك التحكيم.
5-    أن لا يكون بين المحكم وأحد الخصمين قرابة تمنع الشهادة له درءاً للتهمة.
6-    ويشترط علمه ومعرفته بالأمر الذي يحكّم فيه؛ لأن من لم يكن كذلك لا يصلح للفصل والخصومة، ولا يتوقع منه العدل في حكمه.

 

أما الصيغة فشرطها اللفظ الدالّ على التحكيم سواء أكان بلفظه أم بلفظ آخر يتأدى به، فالعبرة بالمعنى الدال على التحكيم وليس خصوص اللفظ.

 

نظرة القوانين الوضعية للتحكيم:

تتفق القوانين الوضعية مع ما تقرر لدى الفقهاء المسلمين في الفرق بين التحكيم والقضاء إجمالاً.
ولكنها لا تشترط في المحكم ما يشترطه الفقهاء، فمتى ما اختار الطرفان محكماً قُبل حكمه بدون أن ينظر في دينه، ولا في تأهله لمنصب القضاء، وهذا نابع من المرجعية التي تستند إليها أقوال الفقهاء، والتي تستند إليها القوانين الوضعية، فإن الأولى تستند إلى أدلة مضبوطة بضوابط الشريعة الإسلامية، والثانية تستند إلى أعراف البشر ومقررات عقولهم.

 

ولعل أوضح ما يدل على نظرة القوانين هذه تعريف لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري المعروف باسم الأونسيترال (uncitral)؛ فقد جاء فيما أصدرته في قانونها النموذجي للتحكيم التجاري الدولي طبقاً للتعديل المعتمد عام (2006م) في تعريف اتفاق التحكيم في الفقرة الأولى من المادة السابعة على النحو التالي:

اتفاق بين الطرفين على أن يحيلا إلى التحاكم جميع أو بعض النزاعات التي قد نشأت أو تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية محددة سواء أكانت تعاقدية أم غير تعاقدية(8).

 

وهذا التعريف وإن دل على أن مصدر تولية المحكم هما طرفا النزاع، إلا أنه يعطي التحكيم مدى أوسع مما هو عليه لدى فقهاء الشريعة كما هو ملاحظ في الجملة الأخيرة من التعريف، فهو بذلك يجري في كل الأمور التي يجري فيها الاختلاف والنزاع، من غير تفرقة بينه وبين القضاء إلا في مصدر التولية في كل منهما، وفي اختصاص التحكيم بالموضوع المتنازع فيه وشمول القضاء لكل ما يدخل تحت ولاية القاضي من غير اختصاص بنزاع معين.

 

أما التحكيم في الشريعة فهو مخصوص ببعض الأمور المتنازع فيها، وليس في كلها، وإن كانت هناك جوانب تشابه عديدة بين التحكيم في الشريعة وفي القوانين الوضعية، منها اشتراط الرضا، وكون تولية المحكم من قبل طرفي النزاع، واختصاص التحكيم بالأمر المتنازع فيه مع ملاحظة ما تقدم من شمول التحكيم في القوانين لكل النزاعات، واختصاصه في الشريعة ببعضها.

 

الأدلة الدالة على جواز التحكيم:

1 – قوله تعالى في سورة النساء في شأن الخصام بين الزوجين: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35].
فهذه الآية الكريمة دلّت على مشروعية التحكيم في حل النزاع بين الزوجين، وعلى ذلك فيمكن اعتماده في حل كل نزاع ينشب بين طرفين مع الأخذ بعين الاعتبار ما يصلح أن ينظر فيه من قبل التحكيم، وما يختص بنظر القضاء.

 

2 – قوله تعالى في شأن اليهود الذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة:42]، فقد جعل الله حكم نبيه عليه السلام بينهم من باب التحكيم لقوله تعالى في الآية بعدها منكراً عليهم صنيعهم {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة:43] الآية.

 

والقصة كما رواها الإمام البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعاً، فقال لهم: "ما تجدون في كتابكم" قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتحبية، قال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتي بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له ابن سلام: ارفع يدك فإذا آية الرجم تحت يده، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. قال ابن عمر: فرجما عند البلاط، فرأيت اليهودي أجنأ عليها(9).

 

ثانياً: السنة النبوية وقد وردت فيها أحاديث عديدة منها:

1 – ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجلٌ من قريش يُقال له حِبّان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلام واغتسل فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار فقال وضعتَ السلاحَ والله ما وضعته اخرُج إليهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأين فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه فردّ الحكم إلى سعدٍ قال فإني أحكم فيهم أن تُقْتل المقاتِلة وأن تُسبى النساء والذرية وأن تُقْسم أموالهم"(10).

 

ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي عليه السلام قد حكّم سعداً، وهذا يدل على رضاه به، وقبل به اليهود لأنه كان مرضياً عندهم؛ لما بينهم من علاقة في الجاهلية.

 

ما رواه الصحابي الجليل شريح بن هانئ أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى بأبي الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟" قال: لي شريح ومسلم وعبد الله، قال: "فمن أكبرهم؟" قلت: شريح، قال: "فأنت أبو شريح"(11).
استحسان النبي عليه السلام لصنيع هذا الصحابي مع قومه، وهو تحكيم.

 

ثالثاً: الإجماع:

عمل الصحابة بالتحكيم فيما بينهم، وشاع ذلك فيهم من غير نكير في وقائع عديدة منها:
1-    من ذلك ما كان بين عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهما من منازعة في نخل، فحكّما بينهما زيد بن ثابت رضي الله عنه.
2-    واختلف عمر رضي الله عنه مع رجل في أمر فرس اشتراها عمر بشرط السَّوم، فتحاكما إلى شُريح.
3-    وحكم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف.
4-    وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم، ولم يكن زيد ولا شريح ولا جبير من القضاة.
5-    وتحاكم علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فكان من جهة علي أبو موسى الأشعري ومن جهة معاوية عمرو بن العاص. وغير ذلك من الوقائع.

 

رابعاً: الحاجة داعية إليه؛ لأن فيه تسهيلاً على المتخاصمين في سرعة فصل الخصومة، وعدم الإثقال عليهم بحضور مجالس القضاء، وما يترتب على ذلك من التعب والإرهاق.
وربما لا يتيسر التقاضي لعدم وجود قاض أو لبعد المكان، أو وجود عارض يحول دون الذهاب إليه.

 

وبعد هذا يمكن أن يقال: إن التحكيم المعاصر في القوانين لما كان مداه واسعاً شاملاً فإنه يخالف التحكيم في الشريعة في اقتصاره على أمور معينة، وعدم جوازه في أمور لا يصلح للفصل فيها إلا القضاء، ومن هنا فإن اللجوء إلى التحكيم في مثل هذه الأمور في القوانين حتى مع رضا الطرفين يُعد مخالفة شرعية لا يجوز ارتكابها.

 

2 – إن المحكم في الشريعة تشترط له شروط، ومنها الإسلام، والعدالة بينما فقدانها لا يؤثر في حكم المحكم في القوانين الوضعية، وعليه فإنه لا بد من كون المحكم مسلماً عدلاً كما تقدم في شروط المحكم، ولا يصلح أن يكون على غير ذلك مع الإمكان.
أما في حال عدم التمكن فإن هذه المسألة سيجري بحثها مع نظيرتها في مبحث القضاء.

 

وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي الدولي موضوع التحكيم في دورته التاسعة وأصدر فيه القرار رقم 91 (8/9)، وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين:
بشأن مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي
إن مجلس الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمر التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1-6 ذي القعدة 1415هـ الموافق 1-6 نيسان (أبريل) 1995م.

 

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله قرر ما يلي:
أولاً: التحكيم في اتفاق طرفي خصومة معينة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحق ملزم، يطبق الشريعة الإسلامية.
وهو مشروع سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية.

 

ثانياً: التحكيم عقدٌ غير لازم لكل من الطرفين المحتكمين والحكم، فيجوز لكل من الطرفين الرجوع فيه ما لم يشرع الحكم في التحكيم، ويجوز للحكم أن يعزل نفسه – ولو بعد قبوله – ما دام لم يُصدر حكمه، ولا يجوز له أن يستخلف غيره دون إذن الطرفين لأن الرضا مرتبط بشخصه.

 

ثالثاً: لا يجوز التحكيم في كل ما هو حق لله تعالى كالحدود، ولا فيما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه بالنسبة لغير المتحاكمين ممن لا ولاية للحكم عليه، كاللعان، لتعلق حق الولد به، ولا فيما ينفرد القضاء دون غيره بالنظر فيه.
فإذا قضى الحكم فيما لا يجوز فيه التحكيم فحكمه باطل ولا ينفذ.

 

رابعاً: يشترط في الحكم بحسب الأصل توافر شروط القضاء.

 

خامساً: الأصل أن يتم تنفيذ حكم المحكم طواعية، فإن أبى أحد المحتكمين، عرض الأمر على القضاء لتنفيذه، وليس للقضاء نقضه، ما لم يكن جوراً بيناً، أو مخالفاً لحكم الشرع.

 

سادساً: إذا لم تكن هناك محاكم دولية إسلامية، يجوز احتكام الدول أو المؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية، توصلاً لما هو جائز شرعاً.

 

المبحث الثاني: التحاكم إلى غير شرع الله.

تدل لفظة التحاكم في اللغة على المخاصمة إلى الحاكم، والترافع إليه ليقضي في الخصومة، يقال: تحاكم، واحتكم(12).
ومعناها في الاصطلاح كذلك، وهذا أمرٌ لا حرج فيه في الشريعة؛ لأن القضاء إنما وضع لفصل الخصومات، لكن جاءه الحرج والذم هنا من كونه طلباً لفصل الخصومة عند من لا يحكم بشرع الله.

 

والحكم لا بد أن يكون بشرع الله، وهذا يوجب على أطراف الخصومة وعلى القاضي عدم مجاوزة ذلك إلى غيره.

 

وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تحرِّم وتجرِّم التحاكم إلى غير ما شرعه الله سبحانه، ومن ذلك:

1 – قوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:60].
وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

 

قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله: "كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في ذلك"(13).

 

وقد رويت في سبب نزولها رواياتٌ عديدة تدور على معنى واحد، وإن اختلفت في ذلك من حصل منه ذلك.
روى ابن عطية في تفسيره عن الشعبي أنها نزلت في منافق اسمه بشر خاصم رجلاً من اليهود، فدعاه اليهودي إلى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، فأبى ذلك ودعا اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاتفقا بعد ذلك على أن يأتيا كاهناً كان بالمدينة فرضياه فأنزل الله هذه الآيات(14).

 

وروى السدي أنها نزلت في المنافقين من قريظة، والنضير، وذلك أنهم تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام وطلبوا المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعا المنافقون منهم إلى كاهن كان بالمدينة فنزلت(15).

 

قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50].
قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، ثم قال: فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير(16).

 

قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:44-45].
وقوله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47].

 

ووجه الدلالة من هذه الآيات أن الله سبحانه وصف الحكم بغير ما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق، وهذا كافٍ في التنفير منه، لمنابذته للخالق سبحانه وتعالى والعدوان على سلطانه، وبتقديم كلام البشر وأهوائهم على ما شرعه الله سبحانه، وقد تحدث العلماء عن المقصود بالكفر المذكور في الآية الأولى هل المقصود به الكفر الأكبر المخرج عن الملة في كل الأحوال، فذكروا أنه يكون كفراً أكبر يخرج عن الملة إذا كان من باب الرفض لحكم الله، أو تفضيل غيره عليه، ويكون كفراً أصغر لا يخرج مرتكبه عن الملة فيما إذا كان معتقداً لشرع الله، أو متأثماً حال حكمه بغير ما أنزل الله ونحوه.

 

قال ابن أبي العز الحنفي: وهذا أمر ينبغي أن يتفطن له، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراص إما مجازياً وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفرٌ أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ فهذا مخطئ له، أجر على اجتهاده(17).

 

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به، أو احتقاراً له أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق، أو مثله فهو كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملة"(18).

 

هذا حال من يحكم بغير ما أنزل الله، ومن يرضى بالتحاكم إلى أحكام وقوانين هؤلاء الذين ذمهم الله وتوعدهم فهو مثلهم لأنه راضٍ بما يخالف شرع الله مناقض لما نهاه الله عنه.

 

قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

 

أخرج الإمام أحمد والترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه عندما دخل النبي عليه الصلاة والسلام رأى في عنقه صليباً من فضة، فقرأ النبي عليه السلام هذه الآية، فقال عدي: إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بلى، إنهم حرَّموا عليهم الحلال، وأحلُّوا لهم الحرام فتبعوهم فذلك عبادتهم إيَّاهم"(19).

 

قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ} [الشورى:10]، والذي يحكم بغير حكم الله أو يتحاكم إليه يخالف أمر الله، ويعطي لغير الله ما لا يصح إلا لله، فإن الله يقول جلَّ ذكره: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57]، فينسحب عليه حكم ما تقدم في الدليل الثاني إن كان قاصداً مفضلاً لحكم غير الله، أو متهاوناً أو جاهلاً أو مخطئاً في اجتهاده.

 

فما يجري الآن من النص في العقود على أن يكون التحاكم إلى أحد القوانين الوضعية حال وجود خلاف بين المتعاقدين فيه معارضة واضحة لظاهر الأدلة الشرعية الدالة على تحريم الحكم والتحاكم إلى غير شرع الله، والأمر في غاية العسر والخطورة كما تقدم؛ لأنه إما أن يؤدي إلى مصادمة الأدلة الصريحة الواضحة عند القول بجوازه، أو أن يؤدي إلى تعطل كثير من أبواب التجارة، وانسداد باب التعامل عند القول بحرمته.

 

المبحث الثالث: أقوال العلماء المعاصرين في مسألة التحاكم إلى القوانين الوضعية في المعاملات المالية والعقود.

وللعلماء المعاصرين في هذه المسألة قولان:

الأول: يرى حرمة النص على التحاكم إلى هذه القوانين لكونها مخالفة لشرع الله فهو إعراض عن شرع الله ورضا بغيره، وهذا أمرٌ قد يخرج المرء المسلم من دائرة إيمانه، ويجعله مستحقاً لعذاب الله، والدليل على ذلك الأدلة المتقدمة، والتي لا ينازع في صحتها ولا في ثبوتها أحد.

 

وممن قال به من المعاصرين الشيخ سليمان بن سحمان.
قال الشيخ سليمان: "إذا كان التحاكم كفراً، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز أن تكفر لذلك؟ فإنه لا يؤمن أحد حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من والده والناس أجمعين، فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر، وخيَّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت"، وبمثله قال الشيخ حمد بن عتيق(20).

 

واستدل الشيخ بأن الصحابة ألزموا بالهجرة مع كون أموالهم ضاعت عند قريش، فذهبت دنياهم، ولم يجز لهم ترك الهجرة.

 

والقول الثاني: يرى أن التحاكم إلى غير شرع الله لا يجوز، وأنه يترتب عليه ما ذكره أصحاب القول الأول، لكن في حال السعة والاختيار، أما الحال التي يعيشها الناس في هذا الزمن فإنها حال تفرض على المتعامل اللجوء إلى ذلك، ولا مفرّ له منه، فالحياة الآن تشابكت علاقاتها، وتعددت جوانبها التجارية والاجتماعية بحيث يتعذر أو يتعسر على المسلم أن يجد نظاماً تجارياً يتحقق به المقصود ولا توجد فيه هذه المخالفات الواضحة، بل جميع جوانب الحياة اصطبغت بالرضوخ لهذه القوانين ومن ذلك مسائل النقل الجوي والصرف والسفر والدراسة والعلاج وغيرها، كما يمكن القول بأن الدنيا بأسرها الآن لا تحكم شرع الله في جميع أقطارها، اللهم إلا عدد قليل منها قد لا يصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة، وهذا العدد لا يستوعب كل الحاجات التجارية، ولا يفي بمطالب الناس، الأمر الذي جعل التعامل مع الكثرة الكاثرة من الدول التي لا تحكم شرع الله ضرورة أو حاجة ملحَّة، ولذلك فإنه يجوز القبول بهذا الشرط، - شرط التحاكم إلى القوانين الوضعية – وتنفيذ مقتضاه عند وجود ما يدعو لذلك استثناء للضرورة أو الحاجة، ودليلهم في ذلك ما يلي:

 

1 – قوله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:172-173].

 

وقوله جل ذكره في سورة المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:3].

 

ووجه الدلالة من هذه الآيات أن الله رفع الإثم والمؤاخذة عمّن ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من هذه المحرمات من غير رضا بها، ولا قصد لها، وهذه الآيات وإن كانت واردة على سبب خاص يتعلق ببيان المحرمات من اللحوم، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على ما تقرر عند جماهير علماء الأصول.

 

2 – قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون منهم وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا"(21).

 

والاستدلال من هذا الحديث على المطلوب من وجهين:
الأول: أن ما ينكر من تصرفات الأمراء هو ما خالف شرع الله في أعمالهم، وأحكامهم، وهو يشمل الحكم بغير ما أنزل الله، وعلى ذلك فالحديث نص في قصر المؤاخذة الشرعية فيمن تحاكم للقوانين الوضعية عن من رضي بذلك، أما من أنكر ولم يرض مع عدم استطاعته التغيير فإنه سالم منها.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: معناه: ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به أو بأن لا يكرهه بقلبه(22).

 

الوجه الثاني: على التسليم بأن الحديث وارد في شأن الأمراء المخالفين لشرع الله، وليس فيه ذكر للاحتكام إلى القوانين، إلا أنه يشمله بعمومه، بناءً على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما تقدم، والمسلم الذي يقبل محتاجاً أو مضطراً بشرط التحاكم إلى القوانين الوضعية ظاهراً، مع عدم رضاه به في نفسه له مندوحة في ذلك.

 

3 – الاستدلال بمسألة عموم البلوى، وهي الأمر الذي يشمل الناس جميعاً أو فئة معينة منهم، وهي تشمل أمرين:
أ – ما تمس الحاجة إليه في عموم أحوال الناس، ويعسر عليهم الاستغناء عنه إلا بارتكاب مشقة زائدة.
ب – ما يشيع بين الناس، ويكثر التلبس به، ويعسر على المكلف الاحتراز أو الافتكاك منه(23).

 

وقد اشترط العلماء لجواز التخفيف والتيسير بناءً على عموم البلوى شروطاً عديدة:
منها أن يكون عموم البلوى متحققاً في الحادثة نفسها، أو في حق جميع الناس.
ومنها أن يكون عموم البلوى بالشيء ناشئاً من طبيعة الشيء بحيث لا يمكن أن يكون إلا كذلك، أما إن كان ناشئاً عن تساهل المكلف في التلبس به فإنه لا يعد حينئذٍ سبباً في التيسير والتخفيف.
وأن لا يعارض نصاً شرعياً لا يمكن الجمع بين مقتضاه ومقتضى عموم البلوى.
وأن يكون مقيداً بالحال نفسها، بحيث يزول بزوالها، بناءً على أن ما ثبت للضرورة يقدر بقدرها، وما شرع للحاجة يتقيد بوجودها(24).

 

ويتفرع على اعتبار عموم البلوى عدد من القواعد الفقهية المقررة عند العلماء:
أ – ومنها قاعدة: المشقة تجلب التيسير(25). فإنها دلت عليها أدلة عديدة منها قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "بعثت بالحنيفية السمحة"(26).
ب – قاعدة: إذا عمَّ الحرام جاز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة.

 

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: إذا عم الحرام بحيث لا يوجد حلال فلا يجب على الناس الصبر إلى تحقق الضرورة؛ لما يؤدي إليه من الضرر العام(27).

 

وقال في موضع آخر: لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال، جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى ذلك إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر، والعناد على بلاد الإسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع، والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام(28).

 

ولدى التأمل في أقسام عموم البلوى، وفي الشروط التي ذكرها العلماء لجواز إعمالها والقواعد المتفرعة عنها يتبين أن القبول بالتحاكم إلى القوانين في العقود ونحوها، مما يدخل تحت هذا المعنى بقسميه، فإنه أمرٌ تمس الحاجة إليه في عموم أحوال الناس، كما أنه أمر يكثر التلبس به، ويعسر على المكلف الاحتراز أو الانفكاك عنه. والشروط التي وضعها العلماء لجواز الترخص والتيسير بناء على هذا الدليل متحققة فيه.

 

4 – الاستدلال على إباحة ذلك بالاستحسان، وهو: العدول بحكم المسألة عما حكم بها في نظائرها إلى ما يخالفه، لوجه معتبر يقتضي ذلك(29).

 

ومبناه على اليسر والتخفيف وإزالة العسر والحرج، وله أنواع عديدة بحسب الدليل الذي يستند إليه؛ وكل هذه الأنواع عائدة إلى اليسر والتخفيف، ورفع الحرج عن المكلفين كما يقرر ذلك فضيلة الدكتور يعقوب أبا حسين(30).

 

يقرر الدكتور حسين حامد حسان أن الاستحسان في حقيقته: استدلال بالمصلحة المرسلة التي شهدت النصوص الشرعية لجنسها في مقابلة القياس بمعنى القاعدة العامة، أو الأصل، لا القياس الجزئي(31).

 

وبناءً عليه فإن الاستناد إلى هذا الدليل في القول بإباحة التحاكم إلى القوانين الوضعية عند عدم إمكان الانفكاك عن ذلك عملاً بمقتضى الضرورة والحاجة امرٌ ملتئم مع أدلة الشرع وقواعده، وليس خارجاً عنها.

 

5 – أن القول بمنع ذلك يؤدي إلى انسداد باب التعامل، وهو يفضي إلى مفسدة كبيرة لا تقرها الشريعة، وقد راعى العلماء هذا المقتضى في عدد من المسائل منها:
أ – ما ذكره العلماء من أن القبول في العقود لا بد أن يتصل بالإيجاب فإذا تأخر عنه بطل، لكنهم أجازوا تأخر القبول ما داما في المجلس للضرورة.
قال الكاساني: القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في مجلس واحد لأنه كلما وجد أحدهما انعدم الثاني في زمان وجوده، فوجد الثاني والأول منعدم فلا ينتظم الركن، إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى انسداد باب التعاقد، فاعتبر المجلس جامعاً للشطرين حكماً للضرورة(32).

 

ب – ما ذكره العلماء من جواز كون رأس مال السلم مما يوزن، مع أن الأصل في رأس المال الدراهم والدنانير وعللوا لذلك بأنه حتى لا ينسدَّ باب السلم في الموزونات(33).

 

جـ - وذكروا مثل ذلك في الصيد إذا رماه الصائد فغاب عنه فوجده فإنه يباح للصائد؛ مع احتمال كونه مات بسبب آخر، قالوا: حتى لا ينسدَّ باب الصيد ويقع الصيادون في الحرج(34).

 

د – عدم اعتبار الغبن اليسير في تعامل الوصي في مال الموصى عليه، والعلة في ذلك عدم انسداد باب الوصاية(35).

 

هـ ومن ذلك قبول خبر الفاسق في المعاملات لعسر التحقق من العدالة في مثل هذه الأحوال، ولو لم يقبل لامتنع باب المعاملات ووقعوا في حرج عظيم(36).

 

6 – ما اشتهر وشاع بين الصحابة من غير نكير من اتجارهم إلى بلدان لا تخضع لحكم الشريعة، ودخولهم إليها، وتعاملهم مع أهلها بمقتضى أعرافهم، والأحكام السائدة بينهم.

 

مناقشة وترجيح:

وقد يعترض على ما قتدم من استدلال على إباحة التحاكم إلى القوانين الوضعية للحاجة ونحوها بأمرين:

أحدهما: الأدلة المتقدمة في تحريم ذلك، واعتباره كفراً، وهي أدلة صريحة واضحة محكمة لم يرد ما ينسخها، أو يغير حكمها.

 

والآخر: قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود:113]، والرضا بهذا التحاكم ركون إلى هؤلاء الظالمين يستحق فاعله ما أعده الله له من دخول النار وخذلان الله له.

 

قققال الإمام الطبري في تفسيره نقلاً عن أبي العالية في تفسير هذه الآية: لا ترضوا أعمالهم، يقول: الركون: الرضا(37).
وقال الإمام القرطبي: الركون حقيقته: الاستناد، والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به(38).

 

والجواب عن ذلك: التسليم بصحة وثبوت ووضوح دلالة الأدلة المذكورة وعدم نسخها، إلا أنها خصت بالأمور المذكورة، مع بقاء مقتضاها فيما عدا ذلك.

 

وبأن الركون لا يتحقق – كما فسَّر ذلك العلماء – إلا بالرضا، وهو منتف عند من قال بالجواز، إذ شرطه الإنكار ولو بالقلب، وعدم وجود مندوحة عنه.

 

إذا تبين ذلك، فإنه يتجه القول بإباحة اشتراط التحاكم إلى القوانين الوضعية وفعله سواء نص عليه، أو اقتضاه الحال فيما إذا لم ينص عليه مع عدم وجود مندوحة عنه، وكذلك الحال بالنسبة للتحكيم، وقال بهذا جماعة من العلماء المعاصرين:

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة، إذا لم يتيس له الحول على حقه إلا بذلك"(39).

 

وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: "بقدر الإمكان لا يتحاكم إليها، وأما إذا كان لا يمكن أن يستخلص حقه إلا عن طريقها فلا حرج عليه"(40).

 

وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بعدم جواز التحاكم إلى القوانين الوضعية إلا عند الضرورة، إذا لم توجد محاكم شرعية(41).

 

وجاء في الفقرة السادسة من قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (95/8) في دورته التاسعة: إذا لم تكن هناك محاكم إسلامية يجوز احتكام الدول أو المؤسسات إلى محاكم دولة غير إسلامية توصلاً إلى ما هو جائز(42).

 

أما في حال إمكان التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، أو في حال إمكان اختيار محكمين مسلمين عدول، أو اللجوء إلى بعض المؤسسات التي تلتزم بتطبيق أحكام الشريعة في التحكيم ولا تخرج عنها مثل المركز الإسلامي للمصالحة والتحكيم بدبي ونحوه، فإنه لا يجوز للمسلم المتعامل إهمال ذلك، أو اختيار محكمين من غير المسلمين؛ لأنه بفعله هذا يرضى بحكم غير الله، ويفضله على حكم الله، فينطبق عليه مقتضى الأدلة التي اتفق العلماء جميعاً على صحتها، وعلى القول بمقتضاها في حق من رضي بالاحتكام إلى غير شرع الله من غير عذر.

 

ويجدر هنا دعوة المسلمين جميعاً إلى الاستكثار من مراكز التحكيم المنضبطة بضوابط الشرع والحرص على النص عند اللجوء إليها في العقود والمعاملات التجارية ما أمكن، والحرص مهما أمكن إذا اضطروا إلى القبول باللجوء إلى قانون وضعي معين أن يضيفوا إليه شرط عدم مخالفة الشريعة الإسلامية، فإن هذا مما يدخل في قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، كما يجب على الدول الإسلامية مجتمعة السعي إلى إنشاء محكمة العدل الإسلامية كما أوصى بذلك مجمع الفقه الإسلامي في دورته التاسعة، ولا بد أيضاً من التذكير بأن جواز التحاكم إلى القوانين الوضعية بشروطه المتقدمة لا يحل الحرام، فمن حكم له بشيء لا تبيحه الشريعة فإنه لا يجوز له أخذه، وعليه أن يتخلص منه بصرفه في مصالح المسلمين ونحو ذلك، وبالله التوفيق.

 

_________________________________

(1)    معجم مقاييس اللغة، باب الحاء والكاف وما يثلثهما 2/91.
(2)    القاموس المحيط، فصل الحاء، باب الميم 4/99.
(3)    البحر الرائق لابن نجيم 7/27.
(4)    تبصرة الحكام لابن فرحون 1/72.
(5)    أدب القضاء للماوردي 22/596.
(6)    المغني لابن قدامة 16/444.
(7)    مجلة الأحكام العدلية 1/365، الفصل الأول: في بيان أوصاف الحاكم.
(8)    طبعة عام (2008م).
(9)    صحيح البخاري 6/2499.
(10)    صحيح البخاري 4/1511، صحيح مسلم 3/1389.
(11)    سنن أبي داود 4/289، سنن النسائي 8/226، صحيح ابن حبان 2/257، وصححه الألباني.
(12)    الزمخشري: أساس البلاغة، ص91، الجوهري: الصحاح، باب الميم فصل الحاء 5/192، الفيروز آبادي، القاموس المحيط، باب الميم فصل الحاء 4/99.
(13)    تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 2/90.
(14)    المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 2/72.
(15)    المرجع السابق.
(16)    التفسير 2/68.
(17)    شرح العقيدة الطحاوية، ص323.
(18)    مجموع فتاوى ورسائل الشيخ 6/161.
(19)    تفسير ابن كثير 2/349.
(20)    الدرر السنية في الأجوبة النجدية، علماء نجد، تحقيق: عبد الرحمن قاسم، ط:6، 1417هـ.
(21)    صحيح مسلم 3/1480، حديث (1854).
(22)    شرح النووي على صحيح مسلم 12/243.
(23)    انظر رسالة رفع الحرج في الشريعة الإسلامية لمعالي د/ صالح بن عبد الله بن حميد.
(24)    عموم البلوى للدكتور الدوسري، ص 340-351.
(25)    انظر على سبيل المثال: الأشباه والنظائر لابن الملقن 2/348، والأشباه والنظائر للسيوطي، ص 162-166.
(26)    مسند الإمام أحمد 5/266.
(27)    قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/237، وانظر أيضاً المنثور للزركشي 2/317، وقواعد السيوطي 1/84.
(28)    قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/159.
(29)    انظر: الأحكام للآمدي 4/210، كشف الأسرار على البزدوي 4/3، شرح مختصر الروضة للطوفي 3/197.
(30)    الاستحسان، ص127، 128، ويقول فضيلته ص209: مؤكداً هذا المعنى: إن الاستحسان له شكل ومضمون، أما الشكل فهو الاستثناء، وإخراج الجزئية من حكم نظائرها، وأما المضمون: فهو التيسير والتخفيف، وهو الذي جعل بعض العلماء يعرف الاستحسان بأنه: (ترك القياس، والأخذ بما هو أرفق للناس، أو طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام).
(31)    فقه المصلحة وتطبيقاته المعاصرة، ص48.
(32)    بدائع الصنائع 5/137.
(33)    المغني 4/12، نهاية المحتاج 3/410.
(34)    بدائع الصنائع 5/59.
(35)    البحر الرائق 8/533.
(36)    تبيين الحقائق 6/12.
(37)    تفسير الطبري 12/127.
(38)    تفسير القرطبي 9/108.
(39)    الفتاوى 23/214.
(40)    فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي 1/120.
(41)    الفتوى رقم (19504).
(42)    قرارات الدورة التاسعة المنعقدة في أبو ظبي في الفترة من 1-6 ذي القعدة عام 1415هـ.



7 + 1 =