مكاسب أردوغان وازدواجية الغرب
14 شوال 1437
خالد مصطفى

لا زالت تداعيات المحاولة الانقلابية الفاشلة التس شهدتها تركيا تلقي بظلالها على المشهد السياسي في المنطقة بل وفي العالم أجمع, ولكن من المؤكد أنه رغم الخسائر التي تعرضت لها تركيا على الصعيد المادي والمعنوي جراء هذه المحاولة إلا أن لها مكاسب كبيرة للحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب أردوغان وللشعب التركي بصفة عامة كما أنها كشفت أسوأ ما في الغرب وهو ازدواجيته وكيله بأكثر من كيل على حسب مصالحه فالغرب البرجماتي النفعي لا يعرف المبادئ إلا بعد تحصيل مكاسبه أولا...

 

نبدأ بالمكاسب التي تعود على أردوغان وحزبه وحكومته جراء المحاولة الفاشلة ومن أهمها: إنها أثبتت صحة الاتهامات والمخاوف التي كان دوما يشير إليها أردوغان في تصريحاته وخطاباته عندما يتكلم عن الكيان الموازي وتغلغله في الدولة واستهدافه لمؤسساتها ومحاولة إشاعة الفوضى وزعزعة استقرار البلاد ...

 

كان أردغان حريصا على التحذير من هذا الكيان وسعى بقوة من اجل تصفية أركانه ولكنه كان دوما يواجه من المعارضة والخارج بالتشكيك وأنه يريد أن يكون دكتاتورا وأنه ينفي معارضيه والمخالفين لتوجهاته السياسية, وجاءت هذه المحاولة لتؤكد مدى تغلغل هذا الكيان في الدولة وأن جهود أردوغان في محاربته ساهمت بقوة في تحجيم قوته وإن لم تتمكن من القضاء عليه تماما بسبب التشكيك المستمر من الداخل والخارج...من مكاسب أردوغان أيضا أنه سيستطيع وبدعم شعبي كبير أن ينظف أهم مؤسسة في البلاد وهي الجيش والذي يعد أكبر بؤرة للعلمانية المتطرفة من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم فوق الشعب وفوق القانون وفوق الدستور ويزعمون أنهم "حماة الدولة"..

 

لقد كان الجيش في تركيا سيفا مسلطا طوال عشرات السنين على رقاب السياسيين والحريات والنظام المدني في البلاد فإذا ما غضب جنرالاته على حكومة أو وضع معين حركوا دباباتهم وقاموا بانقلاب بحجج وذرائع مختلفة حتى أوشكت تركيا على الانهيار التام قبل أن ييسر الله للبلاد حكومة حزب العدالة والتنمية لتنتشلها من الإفلاس بل وتخلصها من طغمة عسكرية فاسدة ومتسلطة إلى غير رجعة...

 

من مكاسب أردوغان وحزبه وحكومته كذلك زيادة شعبيتهم بشكل واسع حيث أظهرت المحاولة شجاعة واضحة في مواجهة الموقف على صعوبته وثبات على الحق في أحلك الظروف وهو ما يشير لصفات هامة يجب أن يتمتع بها القادة الذين يتولون المسؤوليات الجسام...

 

ومن مكاسب أردوغان أنه علم جيدا صواب الطريق الذي اتخذه في التعامل مع الشعب حيث اعتمد من اللحظة الأولى على تحقيق انجازات ملموسة يشعر بها هذا الشعب حتى تكون حماية له وللشعب من أي مخاطر مستقبلية وهو ما حدث حيث وقف الشعب لأول مرة في تاريخه ورغم تعدد الانقلابات العسكرية السابقة, بصدره عاريا أمام الدبابات وفي مواجهة الرصاص الحي للدفاع عن حقوقه ..أما مكاسب الشعب التركي من هذه الامتحان فيكفي أنه وجه رسالة واضحة للعالم بأن الشعوب الإسلامية عندها القدرة على الاختيار والتضحية بحياتها من أجل الهدف الذي تسعى إليه وأنه قضى وللأبد على فكرة الانقلابات العسكرية السهلة التي تعودت عليها بلاده والتي أورثتها سنوات طويلة من الضياع...

 

أما الغرب الذي صمت أولا ثم عندما تبين له فشل الانقلاب استنكر فقد ظهرت حقيقته الآن بوضوح عندما بدأ يهاجم أردوغان من جديد بحجة أنه ينتقم من معارضيه غير مبالين بدماء المئات الذين سقطوا بين قتيل وجريح ومستقبل البلاد الذي كان على وشك أن يتم تدميره ..

 

الغرب يبيح لنفسه قتل الآلاف من اجل الانتقام من عدة أشخاص قتلوا عددا من ابنائه بينما يستنكر على أردوغان أن يعاقب من سفكوا الدماء وقصفوا المدنيين وأوشكوا على قتله هو وجميع أفراد حكومته..الغرب يخشى على الانقلابيين الآثمين أكثر مما يخشى على مستقبل بلد بأكمله, متجاهلا الإجراءت المتعسفة التي اتخذوها ضد الأبرياء لأسباب أقل بكثير مما جرى في تركيا!