ابني صديقي .. أبي صديقي
28 جمادى الثانية 1438
د. خالد رُوشه

لا أبالغ إذا قلت لكم إن نصف المشكلات الاسرية بين الابناء وآبائهم – في مرحلة نهايات الصبا وبدايات الشباب - قد تحل إذا نجح الآباء في أن يكونوا أصدقاء لأبنائهم , وأن نصف معاناة الابناء التربوية ستنتهي إذا نجحت تلك الصداقة بين الاب وابنه , وأن نصف القلق المكنون داخل نفوس الآباء وعدم الثقة الموجود في قلوب كثير منهم سيذهب ويتلاشى .

 

 

أعلم جيدا أن الموضوع ليس جديدا على أعين القراء وأسماعهم , كما أعلم جيدا أن مطلبا عزيزا على الآباء هو أن يكونوا أصدقاء لأبنائهم , وأن مطلبا مقابلا في قلوب الابناء أن يرضى عنهم آباؤهم .

 

 

لكنني كذلك أعلم أن معظم محاولات انشاء علاقة صداقة بين الآباء وأبنائهم تبوء بالفشل , وأنها تنقلب يأسا من الإصلاح , وتصير بعد فترة بعدا وانطواء , هذا كله برغم المقدار الكبير من المحبة المغروسة في قلوبهما لبعضهما !

 

 

لندخل مباشرة إلى الموضوع الذي اريد نقل صورته إليكم :

 

 

هناك صورة مرتكزة في عقل الآباء , أن أبناءهم لن يكبروا في أعينهم , سيظلون هم الصغار الذين كانوا يحملونهم على أكتافهم , ويشترون لهم الحلوى , كما أن هناك صورة مقابلة مرتكزة في أعين الابناء عن آبائهم , بأن هناك فارقا واسعا في العمر والرؤية , وأن الاب دائما يريد ويأمر وأنه دائما لايهتم بالجانب الآخر من التعامل مع ابنه !

 

 

الصورة سلبية إذن من الجانبين .. فماذا كانت النتيجة ؟!

 

 

النتيجة غالبا في معظم العلاقات بين الاب وابنه فتور , وسعي راكد لآداء بعض الحقوق , كل تجاه الآخر , مع شعور دائم بتقصير كل تجاه الآخر , وعدم رضا يسيطر على تلك العلاقة , وقد تتطور في احيان ليست بالقليلة إلى شكل من أشكال التنافر بين الشخصيتين ..

 

 

عندنا في البيت إذن شخصيتان مؤثرتان ومهمتان , الأب بما له من هالة الوقار والاحترام , وكبر العمر , وسطوة النفوذ , والقدرة على الإنفاق , والابن بما له من أثر في حركة الأسرة , وبما يحيطه من هالة رجاء تحقيق آمال والديه , وبما يعنيه وجوده من معنى حياتي إيجابي للوالدين وباقي الأسرة , لكن الشخصيتين لا خطوط رابطة بينهما ..

 

 

نحتاج الآن أن ننسج خطوط تواصل بين الشخصيتين , بما يحفظ لكل منهما مكانته , كما نحتاج أن نجدد نقاط التلاقي بينهما , وايضا نحتاج أن نفتح ابوابا جديدة لعلاقة متجددة بشكل إيجابي , وأخيرا نحتاج أن نبحث عن إطار مناسب للتعامل العاطفي بينهما بما يتيح لهما التعبير عن مشاعر الأبوة والبنوة المخبوءة تحت هذا النفور .

 

 

لو استقبلنا من أمرنا مااستدبرنا , ولو دار بنا الزمان , لقلنا للآباء لابد أن تحرصوا على القرب من أبنائكم لفترات طويلة بقدر الإمكان في مرحلة الصغر , وان يستمروا في ذلك في المرحلة الحساسة المؤثرة في تلك العلاقة وهي مرحلة ما بين 14 عاما الى 20 عاما تقريبا ..

 

 

لو دار بنا الزمان لنصحنا الآباء أن يشاركوا أبناءهم ألعاب , وتنزهات , ويتركوا لهم حرية في محادثات فردية بينهما ومساحات حرة في التساؤلات والأسئلة حول كل ما يشغلهم , ولنصحنا الآباء بأن يبنوا أسسا ثابتة لعلاقة ستنمو وتكبر فيما بعد .

 

 

لو دار بنا الزمان لمنعنا الآباء أن يعاقبوا ابناءهم بالضرب القاسي أثناء الغضب , أو بالإهانة الشديدة , أو الانتقاص امام الناس او الاصدقاء او غيرهم .

 

 

ولنصحناهم أن يحسنوا معاملة الأمهات أمام الابناء , وأن يجعلوا مشكلاتهم وخلافاتهم مع أمهاتهم في غرفة مغلقة , فكل ما سبق يتراكم تراكما نفسيا سلبيا , وينبني كجدار نفسي فاصل تظهر آثاره كلما بدأت شخصية الابن في الكبر والقوة والقدرة على الاعتماد على النفس , والقدرة على المناقشة والجدل , والقدرة على بناء صداقات ومعارف , وغيره

 

 

دعونا الآن في واقعنا ... كيف سنبني ما سبق وتحدثنا عنه من خطوط تواصل ونقاط تلاقي ؟!

 

 

ابتداء يجب ان نقنع أنفسنا بقيمة أبنائنا , والحديث نفسه يمكن أن يوجه للابناء , أن يقنعوا أنفسهم بقيمة آبائهم وقدرهم ومكانتهم , وكنت كثيرا ما أنصح أن يتحدث الآباء لأبنائهم عن تاريخ حياتهم وعطائهم .

 

 

قناعتنا بقيمة بعضنا تنشأ بملاحظة الإيجابيات الشخصية , ودائما ما كنت اتساءل لماذا نلاحظ السلبيات في بعضنا ونقف عليها في حين أننا نغفل تماما عن الإيجابيات ..

 

 

هل يدرك الآباء أن كثرة نقدهم لأبنائهم وحديثهم عن الشخصية المثالية يجعل الابناء يتساءلون تلقائيا عن تلك الشخصية المثالية في الآباء , وحينئذ سيبحثون عن السلبيات ايضا , وفي أحيان كثيرة لن يجدوها !

 

 

نحتاج إذن أن نبحث عن الإيجابيات في ابنائنا لنقتنع بها في أنفسنا , وستكون هذه هي البداية في معرفة قيمة الابن , تلك الإيجابيات التي سيجدها الأب في المبادىء والقيم أو في العبادة والدين أو في التصرف والسلوك أو في الصفات الشخصية أو حتى في المواقف العابرة ..

 

 

كذلك فنحن بحاجة الى فتح آفاق التعبير النفسي أمام ابنائنا , نعبر لهم عن قيمتهم عندنا , عن إعجابنا بإيجابياتهم تلك التي انتبهنا لها , نعبر لهم عن قدرهم في قلوبنا عن محبتنا لهم , عن كونهم حلمنا المتحرك واملنا المتمثل .. لماذا يصمت الآباء دائما في وجوه ابنائهم الا في الكلام الجاف والنصائح المطولة ؟!

 

 

ثم تأتي خطوة أخرى هامة للغاية , هي خطوة الثقة , أعني بها أن نعبر لهم عن ثقتنا فيهم , نصرح لهم تصريحا واضحا ( يابني أنا اثق بك ) ..ونكرر ذلك على مسامعه كثيرا .

 

 

 لست أرفض مراقبة الأبناء , بل إنني أحبذ مراقبتهم ومتابعتهم , والحرص على معرفة صديقهم وطريقهم وفيم يقضون أوقاتهم , لكن يجب علينا أن نفعل ذلك بحكمة وذكاء , حكمة تجعلهم يصدقون معنا , وذكاء يجعلهم لايشعرون بالضغط عليهم منا  الوسيلة المثلى التي تجمع ذلك كله هو أن نبث فيهم أننا نثق فيهم , نثق في أخلاقهم , وفي تحملهم المسئولية , وفي حسن تصرفهم , وفي ذكائهم , ودينهم  لست معوذا ههنا أن أقول إن هذه الثقة هي ثقة الحكماء , الفطنين , الذين يعرفون أبناءهم وطبائعهم , ويفرقون بين الثقة والتسيب , فلا تنقلب ثقتهم فيهم غفلة عنهم , أو دعما لأخطائهم .

 

 

ماذا نتج عندي الآن – في حالة نجاح الاب في الخطوات السابقة ؟!

 

 

نتج عندي اب وابن , كل منهما يعرف إيجابيات الآخر , ويدرك حقيقة مميزاته , فهو مقتنع به شخصيا , كذلك فهناك ثقة متبادلة بدات في النشوء , وهناك أبواب من العاطفة بدأت في الانفتاح نتج عنها بعض التعبيرات الدافئة بينهما .

 

 

لايزال جدار الفصل النفسي موجودا بينهما , فما العمل ؟

 

 

دور هدم هذا الجدار يقع بالأصالة على الأب , ومعوله الرئيس هو المحادثات الطويلة , البعيدة عن مناطق الخلاف , التي يستمع فيها الاب جيدا مبديا تقديره لحديث ابنه , ويتكلم فيها الاب قليلا متحدثا مثبتا صحة كلام الابن .. ذلك جيد جدا ومؤثر

 

 

كذلك من معاوله أشكال الاعتراف العابرة من الاب إلى ابنه بالخطأ في بعض المواقف التي مرت بالأسرة أو بالاب , عبر حكايات التاريخ التي تحدثنا عنها

 

 

هذا يجدي نفعا بشكل كبير إذا كان يحصل في لقاءات مفردة أو في متنزهات واسعة أو جلسات مفتوحة بينهما وحدهما .

 

 

كذلك من معاوله , تقليل كلمات العتاب , واستبدالها بكلمات الثناء , وتقليل محاضرات النقد واستبدالها بأحاديث الأمل , وتقليل البحث عن خصائص الابناء وخصوصياتهم , أو السؤال عنها , والاكتفاء بالمراقبة الحكيمة , مع الدعم النفسي الحثيث , والاكتفاء بالتغافل عن إظهار الاهتمام الثقيل .

 

 

في الاخير يجب ان ندرك ان بناء الصداقة لا يتكون في مرة او اثنتين من تطبيق لتلك الخطوات , فليس الأمر تجربة معملية , إنما هي علاقة اجتماعية نفسية , تتغير بالتراكم الإيجابي .

 

 

ولست في حاجة أن نذكرك ايها القارىء الكريم أن التوفيق الإلهي , والدعاء الدائم , وتحري الحلال في مأكلك وكسبك , واستشارة الخبراء ,علامات مضيئة في طريقك نحو تربية ناجحة لولدك .

 



11 + 9 =
د. خالد رُوشه
أميمة الجابر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر