كلمات في السياسة
15 رجب 1435
د. محمد العبدة

لا أريد في هذا المقال القصير أن أعرّف السياسة وأهميتها ودروبها ولكن لا بد من القول إن السعي نحو السياسة دون ربطها بالدين والأخلاق والتاريخ ، هو سعي مهلك ، وإذا كان من الخطأ الجسيم أن نثق بدجالين ممن يدعون مهنة الطب ، فمن الكارثة أن نثق بدجالين في السياسة ، لأن إدارة شؤون الناس من أصعب الأمور .

 

في السياسة لا تنفع الشكوى ولا ينفع التباكي على أحوالنا وأن الأعداء متكالبون علينا ، بل يجب أن نتعلم الدرس من نبي الله يوسف عليه السلام ، كيف كان ايجابياً وهو في السجن وكان مبادراً بتفسير رؤيا الملك ، ومبادراً حين دعا الذين معه في السجن الى التوحيد .

 

في السياسة يجب ألا نعيش حالة الخوف من المستقبل لأننا لا نثق في غيرنا ولا نثق بأنفسنا ونضخم من قصة المؤامرات ، وحتى لو كانت موجودة فهل نستسلم لها ؟ لماذا نتصرف وكأننا أقلية ، وكأننا محاصرون ، مع أننا أكبر كتلة حضارية في العالم . ولماذا لا يكون التخطيط على المدى البعيد كما هو على المدى القريب ، نطرح رؤيتنا في كل مكان لعلها تؤتي أكلها ولو بعد حين . ولماذا لا نقول ( لا ) لأننا مقتنعون بها , ولعلها تؤدي إلى ( نعم ) ايجابية بعد ئذ .

 

في السياسة لا بد أن نكون واقعيين ، ونعلم أن هناك دائماً فجوة بين المثال والتطبيق ( عدا فترة الراشدين ) والصحيح هو أن يكون شعارنا ( سددوا وقاربوا ) لأن أمر التغيير والتجديد ليس بالأمر السهل ، وذلك عندما نعلم من خلال التاريخ الحديث ما وقع لحركات تجديدية في القرن الثامن عشر ميلادي ، ثم إجهاض هذه الحركات  ومجيء الاستعمار ، ثم انشغال الموجة الثانية من دعاة النهضة في الدفاع عن الاسلام أمام التغريب والعلمنة ، والصراع الذي نشأ بين هذين التيارين : الاسلامي والتغريبي ومن ثم كيفية اخراج الأمة المسلمة من هذا الخبط والخلط .

 

في السياسة ليست المشكلة في الاختلاف ، ولكن في الجهل بالطرق الصحيحة لمعالجة الاختلاف ، فما المانع من الحوار مع الأقرب فالأقرب ممن نختلف معهم لنتجاوز حالة التشرذم السياسي الواقع .

 

إن على الاسلاميين المواءمة بين موضوع الوطن والمواطنة وبين الفكر الأممي حتى لا يبقى هذا الانفصام الذي لا مبرر له  ، فالقضية السورية الآن هي قضية داخلية وإقليمية وعالمية ، وأحد جوانب الحل هو أيضاً إقليمي وعالمي ، وهذا بحاجة إلى علاقات جبهوية بين المؤسسات والجماعات دون حساسيات شخصية . إن أي عمل جهادي أو قتالي لا بد أن يؤول في النهاية  إلى عمل سياسي ( بالمعنى العلمي لكلمة سياسة ) يحقق مطالب الثورة ويستثمر كل الجهود العظيمة التي بذلت لصالح الإسلام والمسلمين ، ولا بد لمن يقود العمل السياسي أن يتنبه لخطورة ما يجري على الساحة السورية ، ولماذا هذا الاهتمام الغربي بما يسمونه ( الأقليات ) وإنه من الخيانة للثورة أن نعود بسورية إلى الوراء أو أن تتحول الثورة للمحاصصة الطائفية ( مثل لبنان ) وإنه من المهم أن لا يوجه هذه الثورة صاحب مال حسب رأيه ورغباته ، ولا أناس ضعفاء يرضون بالقليل ، ولا انتهازيون يتقنون فن تقديم الخدمات لأنفسهم . إن الشعب السوري وبرغم الجراح والمعاناة يأمل ويتطلع إلى قيادة علمية سياسية وعسكرية ، تدير الأمور بقدرة وذكاء دون تنازلات تؤدي إلى خسارة الجهود التي بذلت لاقتلاع الاستبداد ، قيادة يتمحور حولها الشعب لأنها تهتم بقضايا ه الجوهرية .

 

إن الربيع العربي لا يأتي بمجرد المظاهرات ولا بمجرد القتال ، بل لا بد من نخبة تقود العمل وتنير له الطريق ، نخبة ذات خبرة وإخلاص تحشد كل الطاقات وكل الأشخاص الغيورين الذين يكرهون الظلم والاستبداد . نخبة من الحكماء تستطيع تكوين الجبهات أثناء الأزمات . ولا ينفع هنا الانسحاب من الساحة لأنها لا تعجبنا في بعض مساراتها ، بل نفكر في كيفية دخولها بقوة وعلم ، وندفع الشباب المثقف لممارسة القيادة مدعوماً من الكبار ، ولا بد أن يأتي بعد ذلك السلم العادل والسلم الإيجابي بعد اشتداد المعارك ، فبعد بدر وأُحد والخندق كانت الحديبية ، وكان الفتح بانتشار الاسلام .

دع من أراد أن ينسحب وشأنه, لإن هذا من مصلحة جهاد الشام, نفي الخبث بتركهم له عنوة, أو إجبارهم قسرا بالسلاح, ثم إنه ليس هناك فصل بين الجهاد والقتال كما تم التفريق بينهم في المقال (عمل جهادي أو قتالي) لأن العمل الجهادي إن لم يكن دعوة فهو قتال, ونحن كمسلمين نعلم أن أمر الشام مستمر ما دام أنه اشتعل ولن يكون للشرق والغرب فيه يد في مراحلة القادمة لأن الله تكفل بالشام وأهله, ولأن عمود الكتاب هناك, وفيه يحتشد من يبغض الكفر والشرك ويحب الإسلام وأهله, لا من يكرهون الظلم والاستبداد على الطريقة الأدبية التسويقية الترويجية للمناهج البهلوانية الباطلة, لأن أهل الرفض على سبيل المثال ينعقون بخطاب بغض الاستبداد والظلم, وعبيد إبليس أيضاً يعتقدون أنه مظلوم, مع أن حقيقته أنه كافر بالنعمة محارب للدين في كل الميادين, جهاداً كان أو دعوة, ولعل الصورة أتضحت.

لفت الانتباه لهذا الامر مهم جدا ، ولكن الاهم هو الممارسة السليمة على ارض الواقع، فالفتن مستعرة من كل جانب ، بل ان الصحابة الكرام في اول تجربة لهم، بعد معاركهم مع مشركي قريش والجزيرة، في صلح الحديبية لم يدركوا الفتح في هذا الصلح وكان منهم معترض عليه، اظن ان المخرج الحقيقي بعد بذل الاسباب هو باللجوء الصادق الى الله ، فهو سبحانه من يلهمنا الصواب اذا علم منا الاخلاص والصدق وحسن التوكل .

من أهم ما يواجه الاسلاميين اليوم هو عدم وضوح هذه الصورة وقد ظهر هذا جليا في تعاملهم مع الأحداث منذ بداية ما يسمى الربيع العربي الذي كشف بالمقابل مخزون النوايا المسبقة لدى الغرب و الشرق و المحلي و هذا يحتاج الى طرح مفصل و نقاش جماعي على مستوى الخلماء والساىة والثوار ..

جزاك الله خيرا على هذا المقال التوعوي والشباب بحاجة إلى حكمة الشيوخ وعلمهم بحاجة ماسة الى تفتيح آفاق الفكر والدهاء والذكاء والايمان والتوكل على الله
1 + 3 =