5 شعبان 1437

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.. أنا فتاة أبلغ من العمر27 عاما، وقد تزوجت منذ سنة تقريبا، وحاليا أنا حامل بطفلي الأول، ومعاناتي بدأت منذ اليوم الأول من زواجي، حيث كنت أعيش بدولة عربية، ولما تزوجت سافرت إلى فرنسا، وهناك وجدت اختلافا في اللغة، والدين، والعادات والتقاليد، والأفكار، ونمط الحياة.. ومنذ بداية زواجي أحسست بغربة ووِحدة قاتلة، لابتعادي عن أفراد عائلتي وأحبَّتي، وصديقاتي، على الرغم من أن هذا ما كنت أتمناه، وأن أبتعد عن المحيط الذي كنت أعيش فيه، لأنني ذقت فيه معاناة مريرة كادت أن تقضي على كل ما يربطني بالحياة، ولكن مرارة الغربة كانت أشد معاناة، وخصوصا أن زوجي يقيد حريتي، ويمنعني من الخروج وحدي إلا لو كنت معه، ويمنعني من التعرف على صديقات من مجتمعي، مع أنهن صاحبات دين وخلق عالي، وحاليا أعاني من تدهور نفسيتي، وتضاعف شعوري بمرارة الوحدة والفراغ القاتل، وصرت أهلوس، وصرت أخاف من أشياء ما كنت أخاف منها في السابق، كخوفي من المستقبل، والناس، مع أنني معروفة بقوة شخصيتي وشجاعتي، وفقدت المتعة في الخروج والاختلاط بالناس، حتى أنني فقدت الرغبة الجامحة في الرجوع إلى بلدي لرؤية أهلي وإخواني..
فساعدوني أرجوكم، فأنا لا ادري ما الذي يحدث لي، ولا أريد أن تتسبب هذه المعاناة في تحطيم زواجي وحياتي، خاصة وأنني حامل وسأصير أما لطفل قادم إلى الحياة، وفي الوقت نفسه أريد علاجا لتدهور حالتي النفسية، حتى أتمكن من تربية ابني تربية صالحة وكما كنت أحلم به، فأفيدوني وجزاكم الله عني ألف خير، وختام كلامي بالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أجاب عنها:
صفية الودغيري

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أختي السائلة الكريمة، بداية يسرني استقبال رسالتك، وأشكر لك صراحتك في طرح استشارتك، وعرضِك لتفاصيل مشكلتك، وأتمنى من الله العلي القدير أن يوفقني لأقدم لك الحلول المناسبة والمرضية..
أما بالنسبة لمشكلتك فألخصها فيما يلي:
ـ انتقالك بعد زواجك من بلدك العربي إلى فرنسا
ـ معاناتك من الاختلاف بين البلدين، من جانب اللغة، والدين، والثقافة، والتقاليد، ونمط العيش بالكامل..
ـ إحساسِك بالوحدة القاتلة، والغربة الشديدة، لابتعادِك عن محيطِك الأسري، وعن صديقاتِك وأحِبَّتك، ومعارفِك، وإخوانِك..
ـ تدهور حالتِك النفسية، وإحساسِك بالإحباط والاكتئاب، والعزلة النفسية، ومخاوف كثيرة، وهواجٍس، تزداد مع اشْتداد شعورك بالوحدة والغربة..
ـ عدم قدرتِك على مواجهة واقعِك الجديد، وتطَلُّعاتِك المستقبلِيَّة لعلاج حالتِك النفسية، للتخلُّص من تأثيراتِها السِّلبية على حياتِك الزوجية، وعلى تربيتِك الصالحة لمولودِك الجديد..
أختي الكريمة: بداية أنا أراعي ظروفَك الحالية التي تعيشينها في بلاد الغربة، وأقدِّر حجم معاناتِك من الحياة بعيدا عن بلدك، وعن محيطك الأسري، وعن كل من كنت ترتبطين بهم في السابق، فليس من الهيِّن على الإنسان ـ كيفما كانت حياته قاسية وشديدة في بلده ومحيطه ـ أن ينفصل فجأة عن كل ذلك، ويفقد ذلك التواصل اليومي بأولئك الذين كان يتواصل معهم، ويحادِثُهم، ويشارِكُهم الحياة بحُلْوِها ومُرِّها، فلكلِّ منا ذاكرة ٌوتاريخٌ لا يقدر أن يحذِفَه، أو أن يتخَلَّص من كل ذكرياته الحزينة والسعيدة..
ومن الإرشادات التي أنصحك بها أختي الكريمة:
أولا: ابْحَثي عن أسباب السعادة، وطمأنينة النفس، من خلال إبْصار حقائق الإيمان التي كثيرا ما تضيع منا وسط زحمة الفتن، واسْتشْعِري قيمة النِّعَم التي حباك الله بها، فقد أدركْتِ بمنِّه، وفضله، وكرمِه الواسِع، ما كنت تَطْمَحين إليه وتَحْلُمين به، وخَلَّصَكِ من معاناتِك الشَّديدة التي كنتِ تقاسينَ ظروفََها في بلدِك ومحيطِك، ثم رزقك بزوج صالح والحمد لله، يغار عليك ويخاف على مصلحتك، ثم ستُرْزَقين قريبا إن شاء الله بمولود جديد، فكل نعمة من هذه النِّعَم كافية لتَجْعَلكِ تشعُرين بالسَّعادة..
ثانيا: تسلَّحي بالرِّضا بما قدره الله واخْتارَه لك من قسمَةٍ عادلة، فهذا من دواعي الإيمان وشروطه، والمؤمن الحقيقي هو كما وصفه حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له)..
والرِّضا شعورٌ باعِثٌ للطُّمأنينة ولسكينَةِ النفس، وباعِثٌ للإحساسِ بلذَّةِ العيْشِ الرَّغْد، والحياةِ الهنيئة، ومُتْعَةِ السَّعادة بما يتوفَّر لديك من أسبابِها البسيطة، والسعادة لا تُشْترى بل توهَب منحةً مُهْداة لمن إذا أُُعْطِي نعمَةً شكَر الله عليها، وإذا ابْتُُِلَي بمِحْنة، أو شِدَّة، أو كرب، صبر على الابتلاء صبرا جميلا..
وتوهَب لمن تشبَّع قلبُه وعقلُه باليقين والإيمان بأنَّه لا اختيار له أفضل من اختيار الله له، حتى ولو كان خلاف ما كان يحبه ويرضاه لنفسه، وما مِن شدّة إلاَّ ويَعْقُبُها الفرج، وما من حزنٍ أو غمٍّ إلا ويَعْقُبُه الفرح، وأنَّ مع العسر يسرا..
ثالثا: الْزمي الاسْتغفار فهو دواؤُكِ النَّاجِع، وعِلاجُكِ من كل ما يؤْلمُك ويُتعِبُك نفسيًّا، وله حلاوة يجِدُها العبد في نفسِه، وقلبِه، وحياته، والاستغفار كفيلٌ بأن يحرِّرَكِ من شعورِك المرير بالوحدة والغربة، وهو من سيرزٌقُكِ راحة البال، والأُنْس بالله والاسْتِغْناء به عمَّن سواه، وسيشْرحُ صَدْرك، وسيمنحُكِ استقرارًا نفسيًّا، وستجِدي طمأنينةَ في قلبِك، وسكينةً في روحِك، وسيُمَتِّعك الله متاعًا حسنا، ولو تتبعت القرآن الكريم ستجِدي آيات كثيرة توجِّه العبد وترشِدُه إلى الإكثار من الاستغفار لما له من ثمار جنِيَّة، كما جاء في قول الحق سبحانه: { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً }، وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، ولهذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار في كل حالاتِه، ويحثُّ الناس على الاقْتداء به، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه، فإني استغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)..
فعليك أختي الكريمة.. بالاستغفار، والإكثار من ذكر الله تعالى في السَّراء والضَّراء، فبذلك ترْتفِعين عن مدارجِ السُّقوطِ والإسْفاف الأخلاقي، والانْزِلاق في متاهات الدنيا وفتنها، وتَرَْْتقين مدارج العارفين بالله، السَّالكين طريق النَّجاة، الآمنين على أنفسهم من سُحُُبِ الهُمومِ، وقطع الغيومِ المظلمة، وهو بلْسَمُكِ الشَّافي، ودواؤُك الكافي لنَيْلِ محبَّتِه ورضاه مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}، وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}..
رابعا: تطهَّّري من الذنوب والآثام، ونقِّي قلبك مما رانَ عليه من أصداء، وعالِجيه من أمراضِِ القلوب، وآثار الذنوب التي كلما اشْتدَّت نشرت السَّواد كقطع الليل المظلمة، وبَعَثَت في النَّفس الكآبة والضَّجَر من الحياة بكاملها، والقُنوط من رحمة الله الواسعة، خاصَّةً وأننا في زمنٍ تيسَّرت فيه أسباب الفتن والمُغْريات الكثيرة، والشهوات والملذَّات التي تشْغل النفس عن الطاعة والعبادة، إلا من شملهم الحق سبحانه برحمته ومَنْجاته منها..
خامسا: تخلَّصي من ذلك الارتباط الوثيق الذي يشدُّكِ إلى التفكير الدَّائم في حياتك القديمة ببلدك وبيت الأسرة وذكرياتك الجميلة، وتأقْلمي مع حياتك الجديدة، وتَعايَشِي مع ظروفِ واقعك، واغتنمي هذه المرحلة الحاسمة في حياتك، لتبدئي صفحة جديدة، وكأنك ولدت بفرنسا لا في بلد عربي، واصْنعي لكِ تاريخًا جديدا، وذاكرة لها آفاق تتَّسِع لهذا التَّغيير الطَّارِئ على حياتك، واصْنعي لك عالمًا جديدًا بتفكير جديد، وأسلوب مختلف في العيش، مع احْتفاظِك بمبادِئك، وقيمِك الدينية، والاجْتماعِيَّة، والثقافيَّة، وبعاداتِك وتقاليدِك، وباحْتفاظِك بذلك الشُّعور بالشوق والحنين لبلدك ولكن باعْتدال وتوسُّط..
سادسا: صارِحي زوجك بمعاناتِك ومشاعرك الحزينة، وفكِّري معه في إيجاد حلول مُمْكِنة لمشكِلتِك، واجْتهِدي في إقناعِه بضرورة وجودِك مع رُفقَة صالحة وأخوات مسلمات صالحات، تعينُكِ على التَّأَقْلُم مع حياتِك الجديدة خارج بلدك، وتُؤازِرُك في محنتِك وحلِّ مشاكلك، وتُقَوِّيك على طاعة الله، وتخلِّصُك من الإحساس بالفراغ العاطِفي والنَّفسي، وتؤنِس وِحْدتك، وتبدِّد لديك مشاعر الغربة، والعُزْلة، والاكتئاب النفسي..
ولا تُكْثِري عليه من الشَّكوى في كلِّ وقتٍ وحال، فالأزواج لا يطيقون ذلك، لتحمُّلِهِم لأعباء الحياة ومشاقِّها، ولانْغِماسِهم في العمل وواجباته، وتحمُّلهِم لمسؤولِيَّات الوظيفة التي تسْتحوِذ على تفكيرِهم، وتسْتنْزف طاقتهم النَّفسِيَّة والعَصَبية، ولهذا توقَّعي من زوجِك أن لا ينصِت لحديثِك في كل حالاتِه، واسْتخدمي معه أسلوبا لطيفا وجميلا، وحكمة وذكاء في التَّأثيرِ عليه وإقناعِه بطلبِك، ولا تمَلِّي من تكرار محاولاتك لإقْناعِه في أوقات مناسبة، وتأكَّدي بأنه بالتدريج سيفكِّر في مشكلتك بجدِّية، وسيبحث معك عن حلول تُرْضيك..
سابعا: خصِّصي لزوجك مساحة من تفكيرِك، ومشاعِرِك، واهتمامِك، ولا تجعلي مِحْوَر تركيزِك منصبًّا على الاهتمام بمعاناتك الخاصَّة فقط، ووفِّري له أسباب السكينة والاطمئنان، وكوني مَرْفأه الآمِن الذي يُزيحُ عن قلبِه الهموم ومُنغِّصات العيش، وخفِّفي عنه ما يواجِهه من صعوبات أو ضغوطات في محيط عمله، وامْلَئي حياتك باهتمامٍ أكبر بحياتِك الزوجية، وباسْتقلالٍ عن سيطرة الذَّاتية على تفكيرِك واهتمامِك، وثِقي بأن كثيرا من مشاكل حياتِك اليومية ستذوب في ذلك القِدْر المُمتلِئ بمشاعر الحبِّ، والمودَّة، التي تبْذُلينها بسخاء وصدق لزوجك، وبقدر ما تمنحينََه من أسباب الراحة لإسعادِه ولإرْضائِه طاعَةً لله، فأنتِ تُسْعِدين نفسِك كذلك، وتشْعُرين بالرضا والفرح، وتَحْصُدين ثمارَ ما تزْرعينه داخل بيتك، ومع زوجك..
ثامنا: نظِّمي وقتك بصورة صحيحة، وأعيدي ترتيب أهدافِك وأولوياتك بالحياة، وطريقة إدارَتِك لاهْتماماتِك، وهذا يتطلَّب منكِ أن تُحْسِني إدارة أعمالِك اليومية، والتَّحرُّك وِفق خارطة ذهنية منظَّمة، بحيث تَخصِّصين لكلِّ يومٍ عملا وواجبا، وضعي لنفسك أهدافا كبيرة وغاياتٍ نبيلة، ورسالةً عظيمة تسْعَيْنَ لتبْليغِها، وتعْملين بجدٍّ ونشاط لتحقيقِها، فمن أسباب معاناتنا اليومية، هو الإغراق في التفكير بأمور ثانوية أو هامشية بالحياة، أو بسبب انْشِغالِنا بالمهِم عن الأهَم، وبالفَرْع عن الأصل، وبالأسباب عن الغايات، وبالقشر عن لُبِّ النواة وثَمَرتِها..
ولهذا أنصحُكِ أختي بأن تخصِّصي وقتا لعبادتك، ولأداء فروضِك، ووقتا لقراءة وحفظ وِرد من القرآن، ووقتا لترتيب بيتك، ولتهيئ الطعام، ووقتا لتثقيف نفسك، وشحْذ أفكارك، كقراءة كتاب، أو مشاهدة برامج مفيدة ونافعة، أو الاشتراك في معاهد ومراكز دينية لتحفيظ القرآن الكريم في منطقتِك، أو المواظبة على حضور دروس العلم والمحاضرات التي تُلْقى بالمساجد والمراكز المخصَّصة للجالية المسلمة التي تعيش بالخارج، أو مارِسي أنواعا من الأنشطة الرياضة ولو داخل المنزل، فمزاولتُك للرياضة اليومية من شأنها أن تساهم بشكل كبير في تنشيط دورتِك الدموية، ومكافحة الاكتئاب النفسي، وطَرْد الملل والقلق، ونحرِّرُك من الشعور بالرَّتابة، واسْتَثْمِري يومك ووقتك فيما هو نافِع ومفيد من الأعمال المُثْمِرَة والمُنتِجَة، التي من شأنِها أن تحقق لك الاسْتقرار والتوازن النفسي، والإحساس بمتعة النشاط والحركة والإنجاز، ولابدَّ وأنك تمتلكين طاقات كثيرة للإبداع والابتكار، وللقيام بأعمال جليلة، وشخصيتك هي قوية بما يكفي لمكافحة هواجسك ومخاوفك، والصمود أمام معاناتك اليومية..
تاسعا: تسلَّحي بالصبر حتى تنجبي مولودك الجديد إن شاء الله، وحينها بمجرد ما تحْمِلينه بين يديك، وتحْضُنينه وتضُمِّيه لصدرك، وتُرْضعينه من حليبك، ستتبَّدد كل تلك المشاعر الحزينة، وسيَنْقَشِع إِحْساسُكِ بالغربة والوحدة، وسينبع بداخِلِك مَجْرى عَذب من المشاعر المتدفِّقة بإِحْساسِ الأمومة وحنانِها، وستجِدي لذَّةً عجيبة، وحلاوةً لم تتذَوَّقيها من قبل من خلال رعايتِك لابْنِك، واهتمامِك بشؤونِه، واعتنائِك بتربيته وتنشِئَته، وستزْرعين بداخله تلك الفسيلة الخضراء من الحب والعاطفة، وكل ما كنت تحلمين أن تبُثِّيه إليه من أحاسيس الأمومة الدافئة، وهذا كفيلٌ بأن يعوِّضَكِ عن ذلك الحرمان العاطفي من ابْتعادِك عن بلدك وافْتقادِك لحُضْنِ أسرتك وبيت العائلة..
عاشرا: صحِّحي مفاهيمك الخاطئة حول غايات الزواج، وأهداف الحياة، وأسباب وجودِك، ووظيفتك كإنسانة، وكزوجة، وكعُنْصُرٍ مهم وفاعِل داخل البيت والمؤسسة الاجتماعية، وابْدئي في خوضِ الحياة بعقل وقلب ناضِج، يسمح بامْتصاص غضبك وحزنك الشديد، ومعاناتك من الغربة، ويساعدك على ممارسة حياتك الزوجية حتى في بيئة مختلفة وبلد أجنبي عن بلدك، ومجتمع غير مجتمعك، والتواصل مع زوجِك بشكل أفضل، وحسن الاختيار واتخاذ القرار المناسب، لأنك الأكثر ذكاء وحكمة في مواجهة مشاكلِك، فقط عليك أن تشْعُري بقيمتك الإنسانية، وباسْتقلالك الذَّاتي، وبكفاءتِك ومؤَهِّلاتِك، وقدُراتك الذِّهنِيَّة وتوظيفها في العمل، والإنجاز، والنجاح بالحياة، وأَن تحِبِّي نفسك وزوجك وابنك حتى ولو كان حملا لم يرى النور بعد، فأنتم جميعا خلقٌ مكرَّم من ربِّ العالمين، تحملون أمانة عظيمة، وأنتم خليفته على الأرض، الملزمون بحق عبادته وطاعته، والسعي للإصْلاح والتغيير والإنتاج في الأرض..
إحدى عشر: إذا شعرت بأن حالتك لا تتحسن، وتزداد سوءا وتدهورا نفسيا وصحيا، فالأولى بك أن تعرضي نفسك على طبيبة نفسية مختصة، أو تزوري أحد مراكز الإنصات الاجتماعية المخصَّصة لمساعدة الجالية العربية والمسلمة، التي تعيش في المهجر وتعاني من مشاكل الغربة ومن مشاكل نفسية نتيجة عدم قدرتها على التأقلم مع المجتمع الغربي..
فهذا من شأنه ان يساعدك كذلك على إيجاد حلول عملية، وعلى التخلص مما يعتريك من هلوسة ومخاوف شديدة، ومن متاعب نفسية..
وختاما.. أقول لأختي الكريمة.. تسلَّحي بالإيمان فهو مصدر طاقتَِِك، التي تمُدُّكِ بالقوة، ومفاتيح النجاح بالحياة، وهو الذي سييسِّر لك أسبابَِ القوة، والقدرة على الصُّمود، والطاقة على الصبر، وطَرْد أسباب الخُمول، والكَسل، والوهَن، وكل ما يعْتريك من اكتئاب وقلق وخوف وملل وشعور بالغربة..
وأسأل الله العلي القدير أن يؤْنِس وحدتك وغربتك، وأن يرزقك الصبر والسُّلوان، ويمدَّكِ بأسباب الطاقة والفرح والسعادة، ويرزقك الذرية الصالحة، والحياة الهنيئة..

عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء