21 ربيع الثاني 1437

السؤال

أنا فتاة عمري 27 سنة، ولديَّ طموح للحصول على الماجستير، متوسطة الجمال، تقدم لخطبتي عدد من الشباب خلال دراستي وبعدها، وتم رفضهم، إما لعدم وجود تعليم لديهم، أو عدم توفر وظيفة لديهم، أو أنهم أجانب، أو لديهم زوجة أولى، وما إلى ذلك.
كنت ملتزمة ومحافظة، وأدرس في حلق تحفيظ القرآن، وأُكثر من النوافل والطاعات. لكن مشكلتي تعلق قلبي بمدرس خصوصي عمره 35 سنة، يقوم بتدريس أخي وأختي في المنزل، بداية قصتي معه أني كنت أستشيره في بعض الأمور الدينية، وحصل بيننا عدة مكالمات هاتفية، تطورت العلاقة خلال أشهر من احترام بين معلم وطالب، إلى إعجاب متبادل. كنت أستشيره في كل صغيرة وكبيرة من المشاكل العائلية التي تحدث في بيتي، والمشاكل بين زوج أمي ووالدتي، فكنت أتوسم فيه الخير والصلاح.
بعد ستة أشهر حدث عقد قران أختي الكبرى، وتقدم لخطبتي من والدتي، لكن أختي الكبرى وزوج أمي رفضا زواجه مني بحجة أنه أجنبي، ومن بعدها زادت علاقتي به وقويت، وأمي فقط تعلم علاقتنا مع بعض، كنا نناقش كل المواضيع حتى دخلنا في أمور العلاقة الزوجية!
الآن عمر علاقتنا سبع سنين، ذهبت ابتعاث إلى الخارج لدراسة اللغة الانجليزية، وحينها أخذنا حريتنا في كل شي لدرجة أصبحنا نتحدث كالأزواج، كل منا يعرف كل شي عن الآخر، زوجته عاقر، وهو كافل لابن أخيه كي يشغل الفراغ في حياتهما
. المشكلة بعد خمسة أشهر من الابتعاث أعجب بي طالب آخر من نفس مدينتي عمره 38 سنة، وأنا أعجبت به، وهو أسود البشرة، ومتزوج ولديه طفل.
تعرفت على زوجته، وأصبح بيننا زيارات متبادلة، بعدها عادوا إلى أرض الوطن لقضاء الإجازة فيه، وقتها صرح لي بحبه برسالة الكترونية، صدمت بالخبر وأخبرته أن هذا التصرف خاطئ، وأنني مخطوبة، لكنه أصرَّ على التواصل معي، وأخبرت خطيبي بذلك، فنصحني بالابتعاد عنه، واستجبت لأمره.
استدرجني الآخر بالحديث، وأخبرني أنه طلق زوجته طلقة واحدة، بحجة أنها باردة، وأنها أصبحت عاقرًا بعد إنجابها الطفل الأول، الذي حملت به بصعوبة بعد مرور خمس سنوات من عقد نكاحهما، وأنها مقصرة في حقه الخاص.
ذهلت من خبر طلاقه لزوجته، وصارحني أنه يريد الزواج مني، وأخبرت أمي فرفضت بحجة أنه أسود البشرة، فأخبرتها أن أخي الأكبر أيضًا أسود البشرة، وأنا حنطية.
المصيبة أننا دخلنا في الحديث في الأمور الخاصة اللإباحية بسرعة فائقة، وأنا أصبحت لدي خلفية في هذا المجال بسبب علاقتي مع الأول، وأصبحنا انا والثاني نمارس العلاقة هاتفيًا.
علاقتنا الآن عمرها سنتين ونصف، وأقنعته أن يرجع زوجته بعد أربعة أشهر من طلاقها، وهم الآن في أستراليا لكي تدرس الماجستير.
المشكلة الأدهى أن الاثنين يعرفان أنِّي على علاقة بهما جميعًا، في بداية الأمر غضبوا من ذلك، وخيروني باختيار شخص واحد، فاخترت الأول، لكن الثاني أصبح مدمنًا على الحديث معي، وعلى ما يحدث بيننا.
أعتقد أنني تعلقت بالأول، من أجل الهروب من مشاكل حياتي، وبعدها أصبح هو متعلقًا بي بقوة، بينما الثاني دخل حياتي بطريقة عجيبة من طريق حديثه، الذي يتقارب بشدة من حديثي وأسلوبي، فأصبحنا متعلقين ببعض.
أنا محرجة جدًا من زوجة الثاني، وكيف أنها تعرضت للخيانة من قبل زوجها وصديقتها، الآن أحاول مرارًا وتكرارًا الابتعاد عنهم جميعًا، لكن أضعف وأنكسر أشعر أنهم أزواجي، ويجب عليَّ الآن أن أحدد أيهما أختار.
بصراحة الأول تعجبني مكانته العالية في مجتمعه، محترم ذو خلق، لديه أسلوب راقي في النصح والتعامل، والأجمل أنه لا يخبرني بشي عن زوجته، ولا يتحدث عنها بسوء، مشكلته فقط أنه أجنبي، على النقيض من الثاني، حار غيور جدًا، صريح جدًا، بحيث أنه يفصح عن رأيه بدون مجاملات، يحب زوجته بقوة، ويتحدث عنها باستمرار.
صراحته تجرحني، وأبكي بحرقة، ويحدث بيننا نقاش حار وقوي، أنا الآن عائدة إلى الوطن، وأريد أن أتزوج بأسرع وقت ممكن، لأنني أصبحت مدمنة على الحديث الحرام والعادة الحرام، وسأعود للخارج لدراسة الماجستير، المشكلة أن قلبي يريد الثاني، وعقلي يريد الأول.
وكلاهما مستعدان لخطبتي بمجرد وصولي للوطن، أنا مترددة جداً في نقطة أنهما متزوجان، ولكن باقي مواصفاتهم تعجبني جدًا، ولست متفائلة بموافقتي، حيث أن شخصيتي عاطفية جداً ومسالمة، وأريد أن أرضي الجميع، وأضحي بسعادتي من أجل الآخرين، وأغير رأي بسرعة بسبب الضغوط من الآخرين.
أخشى أن أرمي بنفسي لهذه الزيجة وأتعب فيها كثيراً، حيث سأكون الزوجة الثانية، وبعد ذلك أعيش بعذاب نفسي وندم، وبنفس الوقت أخشى أن تكون فرصة جيدة، حيث أنهم طالبون لودي، فكيف لي أن أضيع هذه الفرصة من يدي، وربما يتقدم العمر، وأنا أنتظر الشخص المناسب ولا يتقدم، أمي على علم بكليهما، وتحدثت معهما، وتركت لي الخيار، لكنها تفضل الأول.
أنا متخوفة أيضًا من نظرة المجتمع لي، فإذا قبلت بهذا الشخص، فغالباً لا ينظر للزوجة الثانية إلا بانتقاص، وأنها لم تقبل بمتزوج إلا لعيب بها، أو لم يتقدم لها خطاب.
حاولنا جميعا التوبة والندم، ونبكي بحرقة في الحرم المكي، لكننا نعود مرة أخرى، أعترف أننا في خطأ عظيم، وأن الله سيعاقبنا بشدة، وسنعذب في النار، لكننا نتوب ونعود.
أرشدوني جزاكم الله خيراً، فأنا في حيرة شديدة من أمري، أريد رأياً سديداً يساعدني في اتخاذ القرار. بارك الله فيكم.

أجاب عنها:
سعد العثمان

الجواب

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه...
السائلة: فهمت من خلال عرضكِ لمشكلتكِ، أنَّكِ تعانين من أزمة حيث دخل في حياتكِ شخصان، كلاهما له مواصفاته وأخلاقه، والاثنان متزوجان، عرفت الأول من تردده على منزلكم لتدريس إخوتك، وتعرفت على الثاني وقت ابتعاثك للخارج لنيل درجة الماجستير، والأول تم رفضه عندما تقدم لخطبتك كونه أجنبي، والثاني أيضًا تم رفضه كونه أسود البشرة، وتذكرين أنك متعلقة بالأول بعقلك وبالثاني بقلبك، وتذكرين أنك تتواصلين مع الاثنين، من خلال الهاتف، ويحدث بينكم أحاديث تصل لحد أحاديث الجماع، وفراغ الشهوة عن طريق العادة السرية، وتقولين أن الشخصين مستعدان للزواج منك، وأنت محتارة أيهما تختارين، وتخافي من نظرة المجتمع للزوجة الثانية، وتخشين لو رفضت ألا يتقدم لك شاب عازب، ويفوتك القطار، كونك الآن عمرك 27 سنة، أنصحك بما هو آت:
ابتداء،
لقد ساءني للغاية سؤالك، وآلمني أن يتسرب هذا النموذج من السلوك إلى مجتمعنا المسلم، كما آلمني هذا السلوك الذي أصفه "بالمستهتر" من فتاة تصفها مجتمعاتنا بالمثقفة.
أما وإنك قد وقعت في الخطأ وطلبت المساعدة، فأرجو أن تصدقي الله سبحانه ليصدقك ويخرجك مما أنت فيه من هذه الظلمة.
وننصحك بالآتي:
أولاً: قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً}.
تحذر الآية الكريمة من أن تسمع ما لا يحل لك، أو تنظر إلى ما لا يحل لك، أو تعتقد ما لا يحل لك، فأنت مسئول عما سمعت، وعما نظرت إليه، وعما اعتقدته بقلبك، والفؤاد هو القلب، والإنسان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، فعلى المؤمن أن يتقي الله في سمعه وبصره وقلبه، وأنت تتواصلين مع رجلين أجنبيين عنك، وتصل الأحاديث إلى حد شعورك أنهما زوجان لك، وتمارسان أحاديث الحرام، إن هذا العمل من الفحشاء البغيضة فاتقي الله واتركي هذه الأفعال التي ستكون نارًا محرقة لسمعتك وعائلتك في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة.
ثانيًا: "الفراغ العاطفي دمار محقَّق".
كل إنسان يحتاج إلى صدر يرتمي عليه، ليبوح له بكل أسراره، وصدر الأم هو المؤمَّل والمقصود، وكون والدتك مشغولة عنك، حدث عندك فراغ عاطفي، تحتاجين إلى من يملؤه، فوجدت ذلك عند المدرس الخصوصي لإخوتك، وعند زميل الدراسة في فترة الابتعاث، وهما طريقان موحشان، يرضيان الشيطان، ويبعدانك عن رضا الرحمن، ولو كان في الشخصين تقدير وحب لك لما تواصلا معك بهذه الطريقة المنكرة، ولعبا بعاطفتك، وكذبا عليك، وتسلا بك على حساب دينك وسمعتك، فهما وحشان كاسران يريدان افتراسك، ثم يرميانك كما ترمى الثياب البالية، فاحذريهما واهجريهما فورا وتطهري من الدنس
ثالثًا: " زواجك من زوج بالحلال مكتوب ومقدر ".
كل شيء منذ خلق الله القلم إلى يوم القيامة مكتوب في اللوح المحفوظ، لأن الله سبحانه وتعالى أول ما خلق القلم قال له‏:‏ ‏(‏اكتب قال:‏ ربي!! وماذا أكتب ‏؟‏ قال‏:‏ اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة‏)‏.‏ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكاً ينفح فيه الروح ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.‏ فالرزق مكتوب مقدر بأسبابه لا يزيد ولا ينقص، وكذلك الزواج مكتوب مقدر، وقد كتب لكل من الزوجين أن يكون زوج الآخر بعينه، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏، فلا تعجلي وتخطي خطوة تندمين عليها مستقبلاً.
رابعًا: " إن الذي خلق الظلام يراني ".
عَنْ ‏ ‏ثَوْبَانَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ:
‏لأعلمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ ‏‏ تِهَامَةَ ‏‏ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَالَ ‏ ‏ثَوْبَانُ:‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ!! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَلَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ: " أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا " رواه ابن ماجه في سننه، وصححه الألباني.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: " الحذر الحذر من الذنوب خصوصاً ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر، يصلح لك أحوال العلانية) صيد الخاطر.
خفت عليك أختي من كلامك، أنك عندما وصلت إلى بلد الابتعاث، ستفعلين ما تشائين في الغربة، وكأنك نسيت أن عليك رقيبا وعتيدا يحصيان عليك كل صغيرة وكبيرة، وسيوافيك بما عملت في يوم أنت أحوج ما تحتاجين لحسنة واحدة تدخلين بها الجنة، وسيبخل أقرب الأقربين منك عليك بها.
خامسًا:اعلمي أن الشخص المرجو زوجا ينبغي ان يكون تقيا دينا يخشى الله سبحانه، ليكون امينا عليك، ويبدو أن الشخصين بعيدان عن تلك الصفة، فاتركيهما ذلك اسلم لك
سادسا: نصيحتنا لك أن تجعلي ما مر بك تاريخا سلبيا مضى وذنبا يجب التوبة منه، وابدئي حياة جديدة مع ربك
سابعا: يبدو أن ابتعاثك مدعاة للذنب والبعد عن الله سبحانه، فإما أن يكون معك محرم يصحبك ويعينك على دينك مع الالتزام بكل الشروط الشرعية التي بينها العلماء للابتعاث وإلا فعودي إلى بلدك فوراً.

عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء