أمير سعيد | 6/9/1433 هـ
المناخ الذي اختير فيه د.هشام قنديل رئيسا لوزراء مصر يجعله أحد الخيارات القليلة المناسبة للمرحلة؛ فلقد حُشر الرئيس مرسي في زاوية صعبة:
ـ فريق غير بريء من خصومه السياسيين حاولوا دفعه بقوة إلى اتجاه خيار إخواني لاعتبار أن منفذ مشروع النهضة لابد أن يكون فريقا مؤمنا بهذا المشروع وينتمي إلى التيار الذي يتبنى المشروع، وهي كلمة حق يراد بها منهم باطل بحيث يبدو الرئيس ناقضا لتعهداته ويدخل نظامه في نفق مظلم ويجيش كل الخصوم والتيارات ضده.
ـ فريق يحاول فرض شخصيات غربية الهوى بدعوى أنها الأقدر على حمل الأمانة، لكن هذه الشخصيات عند التفاوض أرادت أن تتمسك بأخذ كل الصلاحيات من الرئيس، وهي هنا صلاحيات الوزارات الخدمية؛ فيبقى عمليا أن للرئيس وزارات السيادة ولرئيس الوزراء كل الوزارات الأخرى، فيما الحقيقة أن تلك ستكون للمجلس الأعلى ويخرج الرئيس بمشروعه النهضوي من التأثير السلطوي، وبالتالي لا يتم تنفيذ أي من محاور مشروع النهضة.
وبين هذا وذاك بدت هناك مجموعة من التكنوقراط واقعة تحت ضغوط "الدولة العميقة" بحيث لا تقبل تلك المسؤولية رغبة في إطالة أمد اختيار رئيس الوزراء ومضاعفة الأزمات، وتحميل الرئيس كل سلبيات المرحلة وحده دون حكومة أو فريق رئاسي، لذا كان عامل الوقت ضاغطا بقوة على الرئيس، وسيظل كذلك حتى بعد تسمية رئيس الوزراء، غير أن الأخير سيتحمل معه جزءًا من تبعة تأخير تشكيل الحكومة إن حصل.
ـ ثمة محدد يلجئ الرئيس إلى عدم اختيار شخص تجافيه المؤسسة العسكرية، وبرغم أن معظم المرضي عنهم لا يجسدون طموح الرئيس؛ فإنه مضطر إلى حد ما إلى اختيار شخصية لا تضع المؤسسة القوية علامة حمراء عليها.
ـ وفي ظل وجود جهاز كامل للدولة لا يبدي تعاطفا يذكر مع الرئيس (البيروقراطية المصرية التقليدية)؛ فإن الرئيس مأخوذ اضطرارياً إلى خيار من داخل هذه البيروقراطية أي موظف كبير يدرك مسارب وأزقة النظام الحكومي وتعقيداته، ويمكنه التعامل معه بمرونة مطلوبة.
ـ هو أيضا لا يريد أن يختار رئيس حكومة له أجندته ومشروعه الخاص المتعارض كلية مع مشروع النهضة وآمال فريق الرئيس في حل الأزمة الطاحنة التي تمر بها البلاد، وبالتالي عليه الانحياز أكثر إلى خيار تكنوقراطي مقبول.
ـ من نافلة القول أن خيار الرئيس من المنطقي أن يتلاقى أيديولوجيا مع رئيس الحكومة الجديد، ليس على قاعدة تنظيمية، وإنما على قاعدة أخلاقية بالأساس، ثم رغبة في اختيار شخصية ليست فاسدة أصلاً، ولا يتوقع في المستقبل المنظور أن تكون كذلك، وإلا سيتعرض مشروع الرئيس للخطر، والمقصود هنا في نظري ليس اختيار رئيس حكومة من الإخوان أو التيار الإسلامي برمته، وإنما من يتوفر فيه مقومات شخصية لا تتعارض في خطوطها العريض مع توجه مؤسسة الرئاسة.
ـ بالنظر إلى حالة الاحتقان السائدة في مصر؛ فإن كل الشخصيات السياسية الحالية تقريباً قد تعرضت خلال العام ونصف العام الماضي إلى انتقادات لاذعة من القوى الأخرى وأنصارها، حتى بات من الصعب اختيار شخصية تحظى بتقدير الجميع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكان اختيار أي شخصية سياسية معروفة مهما علا قدمها في نظر أصحابها مؤذنا بحالة استقطاب جديدة، مصر في غنى عنها.
على أن اختيار لم يكن محض توفيق بين متعارضات؛ فمن غير المنطقي أن نبخس الرجل حقه في كونه شخصية تكنوقراطية لها خبرتها في التعامل داخل الدولاب الحكومي، وخارجه لاسيما على الصعيد الإفريقي، ونحن إذ ذاك نجد في الرجل بعض المميزات التي يتوافر بعضها لغيره لكن لا يمكن إهمالها على كل حال:
1 ـ رئيس الحكومة أحد الأكاديميين الذين تلقوا تعليما راقيا في المجال الهندسي في الولايات المتحدة، وهو ما يبعث بالمناسبة إشارة إيجابية تجاه الولايات المتحدة.
2 ـ د.قنديل كان وزيراً في حكومتي عصام شرف والجنزوري، وهو ما يدفع عنه "تهمة الانتماء الإخواني"؛ حيث لم يكن د.مرسي بدعاً في اختياره لكفاءته، حيث سبقه رؤساء حكومة لا ينتمون للإخوان بالطبع كالجنزوري كان لهم الرأي الإيجابي ذاته في الرجل.
3 ـ لم يعرف عن الرجل انتماءه لا للفلول ولا للقوى السياسية المتصارعة بما فيها الإخوان وبالتالي قد ينجو من الانتقادات المعولبة العاقلة بخلاف الخرقاء المعروفة.
4 ـ رئيس الوزراء المكلف ينتمي إلى السياق الأكاديمي ذاته الذي ينتمي إليه الرئيس؛ فكلاهما دكتور مهندس عمل أو درس في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا أدعى للتناغم بين طريقة تفكيرهما، وهذا بحد ذاته مطلوب في بعض الأحوال.
5 ـ سمت الرجل (لا أعني لحيته)، بل ما يبدو عليه من دماثة خلق وهدوء وقدرة ـ تبدو لأول وهلة على الاحتواء ـ تؤهله لأن يعمل كرمانة ميزان وعاملاً توافقياً في لحظة تعصف بالبلاد عوامل التمزق والتراشق السياسي والاجتماعي.
6 ـ انغماسه في ملف المياه والعلاقات مع دول الحوض الإفريقية، وهي دول كثيرة، ولدى مصر علاقات تاريخية واستراتيجية وثيقة بها، وتحتاج إلى من يطبع تلك العلاقات ويضعها على السكة الصحيحة، لاسيما أن هذا الملف بالغ الأهمية، ويتعلق بموضوعات غاية في الخطورة كأمن البحر الأحمر، ومياه النيل، والتنمية المشتركة، والأسواق الإفريقية..
وهنا نلفت أولئك الذين نظروا إلى قضية حوض النيل بنوع من الاستخفاف ظناً أن الأولى كان اختيار شخصية اقتصادية بحتة، أن اقتصاد مصر وأمنها الاستراتيجي ظل مرتبطاً بشكل وثيق بالجنوب إلى حدود القرن الإفريقي منذ زمان حتشبسوت، وحتى عهد عبد الناصر (مع الاختلاف مع طريقة تنفيذه لهذا البعد الاستراتيجي والاقتصادي)، مروراً بولاية محمد علي الذي كان يحتفظ بحامية عسكرية مهمة في هرر بالحبشة، ويقيم جنوده باستمرار في الصومال حفاظاً على أمن مصر القومي الذي كان يعيه على وجهه الأكمل..
والآن، على هؤلاء أن يدركوا أن العالم كله يتجه إلى إفريقيا بقوة لاعتبارها الأمل المنشود في إنقاذ أوروبا من الإفلاس، ولو راجع هؤلاء الدراسات الاستراتيجية التي تؤكد على تزاحم القوى العظمى والدول الناهضة (ككوريا والهند وماليزيا) على إفريقيا.. ربما انتابهم بعض الخجل!
مع هذا؛ فإن ما تقدم ليس إلا محاولة قراءة لما تأسس عليه قرار اختيار د.هشام قنديل، وإلا؛ فتقويم أداء رئيس الحكومة لن يكون إلا بعد ممارسته مهام منصبه، ومروره من اختبارات الأزمات الصعبة في مصر.