Skip over navigation

إقرأ للكاتب
    فلتسع بشدِّة ساقيك إلى الصومالمن القلب إلى الإسلاميين فى تونس روح العلمكلمة الافتتاحيةرداء الوقار
إقرأ ايضا
    كيف يجب أن يعرض المنكر في القصة والرواية؟مصانع العقول .. والتكيف الدراسيأفكارٌ إداريةٌ للدوراتِ القرآنيةبيوت الخبرة الدعوية.. حلم متى يتحقق؟مركز العناية بالمسلمين الجدد.. خطوة رائدة في طريق العمل الدعوي
فتنة القدوات

أحمد بن عبد الرحمن الصويان  | 13/11/1431 هـ

مضى أكثر من ثلاثين عاماً على زيارتي لفضيلة الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود –رحمه الله-، وقد كنت متشوقاً لتلك الزيارة، لكنه شوق مشوب بالهيبة؛ فذلك العالم الفذ كان يهز المنبر بخطبه البليغة، وصوته المتخشع، وجرأته في الحق. كان مسجده يغص بالمصلين الذين يتسابقون إلى الجلوس بين يديه، والاستفادة من علمه ومواعظه.

 

 

وكان أول ما لفت انتباهي في تلك الزيارة، ما اتسم به الرجل من الأدب الرفيع، والتواضع الجم، والزهد الواضح، الذي لا تكلف فيه ولا تصنع.

كنت أرى صورة الشيخ على المنبر خطيباً عالماً، صادق اللهجة، قوَّالاً بالحق، فلما اقتربت منه وجدت فيه – بالإضافة إلى ذلك - مثالاً للعالم الرباني، والداعية الزاهد، والمربي الناصح. وأحسب أنه كان يؤثر في الناس بزهده وخلقه وعمله، أكثر من تأثيره فيهم بعلمه وقوله وكذلك كان السلف. وقد استحضرت هذه الصورة الربانية المشرقة في ذهني، وأنا أتابع نقد بعض العامة لمواقف وتصرفات بعض العلماء والدعاة ممَّن فتنوا بألوان من المغانم الدنيوية!

إنَّ التزام العالم والداعية بالمبادئ والمثل التي يدعو إليها له أثر كبير في توثيق صلته بالناس ومحبتهم له، وإيمانهم بالرسالة التي يحملها، ولهذا كانت سنة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – التأكيد على تحقيق هذا المبدأ، قال الله – تعالى – على لسان شعيب – عليه الصلاة والسلام -: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) (هود: 88).

 

 

وقد كان السلف الصالح يعتنون أشدّ العناية بتتبع أحوال العلماء للاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم، فالقدوة الحية التي يراها الناس لها أثر كبير في بناء النفوس، وتهذيب الأخلاق، وقد كان أصحاب عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – يرحلون إليه؛ فينظرون إلى سمته وهديه ودلِّه، فيتشبهون به([1]).

ولهذا كانت رؤية بعض أئمة السلف تذكر بالله – تعالى -، فها هو ذا أبو إسحاق السبيعي يقول عن التابعي عمرو بن ميمون: (كان إذا دخل المسجد فرئي ذُكر الله) ([2]).

وقال أبو عوانة: (رأيت محمد بن سرين في السوق؛ فما رآه أحد إلا ذكر الله) ([3]).

 

 

ومن اللطائف التربوية الجميلة أن الإمام مالك بن أنس قال: (كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلَّم من أدبه قبل علمه) ([4]).

وقد ظهرت آثار هذا الأدب على إمام دار الهجرة؛ فها هو ذا عبد الله بن وهب يقول: (ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه) ([5]).

ونظير ذلك ما نقله الحسن بن إسماعيل عن أبيه أنه قال: (كان يجتمع في مجلس أحمد بن حنبل زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت)([6]).

وقال أبو بكر المطوعي: (اختلفت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده، فما كتبت منه حديثاً واحداً، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه) ([7]).

 

 

ومن الأمثلة العملية اللطيفة التي تدل على عمق تأثير القدوة ما نقله الحافظ ابن الجوزي عن أحد شيوخه قائلاً: (وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق، بكى واتصل بكاؤه، فكان – وأنا صغير السن حينئذ – يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي) ([8]).

وكانت ديانة واستقامة حال العلماء سبباً رئيساً من أسباب تلقي العلم عنهم، والثقة بهم، فعن إبراهيم النخعي قال: (كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه) ([9]).

وقال أيضاً: (كنا إذا أردنا أن نأخذ عن شيخ سألنا عن مطعمه ومشربه، ومدخله ومخرجه؛ فإذا كان على استواء أخذنا عنه، وإلا لم نأته) ([10]).

وإذا كان صلاح وديانة العلماء والدعاة سبباً لمحبتهم وقبول رأيهم، والتفاف الناس حولهم، فإن خطأ العالم أو الداعية وفساد أمره سبب لفتنة الناس، وانصرافهم عنه، ويزداد الأمر خطراً إذا كثر طلاب الدنيا في أوساط العلماء والدعاة، وظهر صيتهم بذلك، ورأى الناس من أحوالهم وانكبابهم على الدنيا، وتطلعهم للشهرة والسمعة، وبحثهم عن المغنم، ما لا يليق بأمثالهم..!

 

 

وقد صح عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه) ([11]). فإذا كان التشوّف للدنيا سبب في فتنة وفساد العالم، فإن هذه الفتنة سيظهر أثرها أيضاً على الناس، لأنهم يرون قدواتهم قد طارت بهم الدنيا بزخارفها، وألهتهم عن كثير من الكمالات والمحامد!

ولهذا كانت وصية العلماء الربانيين أن القدوات ينبغي أن يربأوا بأنفسهم عن خوارم المروءات، ومواطن الشبهات، وأن يترفعوا عن بعض المباحات – فضلاً عن غيرها من المكروهات –، حتى لا يفسر فعلهم أو قولهم على غير وجهه، ولهذا قال الإمام الأوزاعي: (كنا نمزح ونضحك، فلما صرنا يقتدى بنا، خشيت ألا يسعنا التبسم) ([12]). وقد عدّ بدر الدين بن جماعة ذلك قاعدة عامة في أخلاق من يقتدى بهم فقال: (ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها ؛بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم القدوة، وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون، ويقتدي بهم من لا يعلمون)([13]).

 

 

وقد رأينا في واقعنا الاجتماعي كيف أن العامة يلوكون أحياناً أعراض بعض العلماء أو الدعاة، بسبب توسعهم الزائد في الدنيا، وتعلقهم بزخارفها، أو بسبب وقوعهم في بعض الممارسات المفضولة([14])، وتصبح تلك المواقف فتنة تصرف الناس عن العلماء والدعاة، وربما تسقط هيبتهم وقدرهم وتؤدي إلى تنقصهم وازدرائهم، وقد تكون باباً يتندر به بعض أهل الأهواء ممَّن يتصيدون العثرات ويفرحون بالزلات..!

 

 

إنَّ الناس في حاجة ماسة للقدوات الصالحة التي يلمسون نزاهتها وترفعها عن كلِّ ما يشين، ويرون تأثيرها في الواقع بعملها أكثر من قولها، وكما قال ابن الجوزي: (الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول) ([15]). وسمو الرسالة التي يحملها الداعية، ليست كافية وحدها للتأثير في المدعوين؛ بل لا بد أن يقترن بذلك إيمان الداعية بها وصدق امتثاله وانتمائه لها، ولهذا كان أول ربا وضعه النبي "صلى الله عليه وسلم" كان ربا العباس بن عبد المطلب – رضي الله عنه – وأول دم وضعه دم ابن عمه([16]).

 

 



([1]) غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام: (3/384).

([2]) تهذيب الكمال: (22/263)، وتهذيب التهذيب (8/109).

([3]) سير أعلام النبلاء: (4/610)، وتذكرة الحفاظ: (1/78).

([4]) ترتيب المدارك: (1/119).
([5]) سير أعلام النبلاء: (8/113).
([6]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: (ص210).
([7]) المرجع السابق: (ص210).

([8]) صيد الخاطر: (ص 143)، وانظر: سير أعلام النبلاء: (20/136).

([9]) الكامل في ضعفاء الرجال (1/154).
([10]) المصدر السابق.

([11])  أخرجه: الترمذي، رقم (2376)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (2376). وللحافظ ابن رجب الحنبلي شرح ماتع لهذا الحديث في رسالة مستقلة.

([12]) سير أعلام النبلاء: (7/132).
([13]) تذكرة السامع والمتكلم (ص20).

([14]) قال ابن الجوزي: (واعلم أن يسير التفريط يشين وجه المحاسن) صيد الخاطر: (ص444).

([15]) المرجع السابق: (ص144).
([16]) أخرجه: مسلم في كتاب الحج، رقم (1218).

طباعة | الى مشرف النافذه | ارسل الصفحة   Tweet

  

غير مسجل (زائر) — 26/10/2010
جزاكم الله خير الجزاء فقد أشفيت وكفيت ووفيت وأحسنت وأبغلت
غير مسجل (زائر) — 26/10/2010
كم هم الذين كانوا قادة في القدوة الصالحة للجيل الإسلامي ثم انتكسوا وارتدوا على أعقابهم ، وقد أثر ذلك سلباً في مشاعر المسلمين ، فما أجمل أن نجعل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام قدوة لنا في حالنا وسلوكنا ، وما أجمل أيضاً أن نقتدي بالعلماء العاملين الصالحين المصلحين من السلف والخلف.
عمر عبدالله (زائر) — 27/10/2010
اتمنى من الاخوة ان يكتبوا اسمائهم او على الاقل كناهم . شكرا للكاتب لم انسى مداخلته في برنامج البيان التالي ردا على سلوك احد القضاة . اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق .
المحبة لدينها (زائر) — 27/10/2010
مقال جميل جدا جزاكم الله خيرا
مشرف التوعية (زائر) — 29/10/2010
مااحوجنا لهذا الموضوع أتمنى طباعة في موطوية صغيرة فهي تبقى لنا ولمن بعدنا . . اثابك الله
فهد (زائر) — 29/10/2010
شكر الله لك شيخي الجليل. أي كنز أعز من وجود القدوة في زمن الغربة والله المستعان ألا فل ينصح امرؤ لنفسه وليعلم أنها سويعات يعقبها حياة سرمد فأين الثرى من الثريا.
جزاكم الله خيراً (زائر) — 29/10/2010
كلام رائع وجميل .. رحم الله الإمام العلامة الشيخ عبدالله بن قعود . وجزاك الله خيراً ياشيخ أحمد على هذه الكلمات العظيمة .
صالح (زائر) — 30/10/2010
مقالة رائعة ، بارك الله فيكم .. و ما أحوج الدعة إلى قراءتها ، نسأل الله أن يحفظنا .
سالم (زائر) — 30/10/2010
بارك الله فيك يا شيخ أحمد فقد وضعت يدك على الجرح .. فجزيت الجنة .
غير مسجل (زائر) — 30/10/2010
نعم مر بنا زمن الصحوة والآن نعاني من ظاهرة الانتكاسة شيئا فشيئا ليتها وقفت على القدوات ولكن بعض من نحسبهم من أهل الخير والفضل وكنا نراهم قدوة تغيرت احوالهم فإلى الله المشتكى وعليه التكلان . اللهم نسالك الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد
أبو معاذ (زائر) — 03/11/2010
بارك الله فيك وأعظم الله لك الأجر والمثوبة على هذا الموضوع المهم خاصة في هذا الزمن الذي تعلقت نفوس كثير من المسلمين بالدنيا , والعلماء وطلاب العلم هم مخرجات هذا الزمن, ولكن مما يحسن الإشارة إليه أن لايربط بين الغنى- ضد الفقر - وبين التوسع في ملذات الحياة , فهاهم كبار الصحابة وأفاضلهم كان كثير منهم أغنياء ولكن لم يدعهم ذلك الغنى إلى التوسع في المباحات وملذات الحياة بل سخروا ذلك الغنى لنصرة الإسلام ورسول الإسلام صلوات ربي وسلامه عليه, بنما نرى كثيرا من الناس اليوم لم يملكوا تلك الأموال الطائلة ومع ذلك ترى أحدهم كأنه أحد الأغنياء جراء توسعه في المباحات. وأخيرا حتى وإن توسع العلماء وطلاب العلم في كثير من المباحات إلا أننا لابد وأن نزرع فيهم أن القدوة هو محمد بن عبدالله صلوات ربي وسلامه عليه وأصحابه من بعده وأئمة الهدى ممن سلف من هذه الأمة المباركة.
عبدالواحدعبدالرحمن (زائر) — 04/11/2010
ماشاء الله تبارك الله بارك الله فيك يا شيخ احمد . العلماء والدعاة هما رواد الامة ومشعل حياة الناس يتحتم أكثر من غيرهم أن يكونوا قدوات ربانيين تظهر أثر دعوتهم في نفوسهم . فالمجتمع المسلم يتطلع الي علماء أوفياءعليهم سيماء العلم والحلم والكرم والسمت والادب والترفع عن خوارم المرؤءة ومايخدش شرفهم وتعظيمهم فهم دلال كل شيء فأن دلوا علي خير وسمت وزهدوعمل بأقوالهم أجروا به وأن دلوا ماسو ذالك حلت بهم سقوط المنزله وتلاعب بهم الناس في مجالسهم ومنتدياتهم فأذا سقطوا عن أعين الناس سقط ما يحملونه من أمانة علمية . فالقدوات محل تأسي الناس يجب عليهم الالتزام الشخصي والذاتي حتي تصبح دعواتهم مثمرة وناجحة . ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبةأصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلهاكل حين بأذن ربها كذالك يضرب الله الامثال .والله أعلم بالصواب
غير مسجل (زائر) — 04/11/2010
اللهم يامقلب القلوب والابصار ثبتنا على دينك جزاك الله خير ونفع بك خادمكم ابومحجن
غير مسجل (زائر) — 12/11/2010
جزاكم الله خيراً ونفع بكم استدلال موفّق وطرح سديد -ما شاء الله- لكن كان بودي أن تُطرح أمثلة أكثر وتوسعة أطول
غير مسجل (زائر) — 10/12/2011
جزاااااااكم االلــــله خــــيرا ونفـــعا

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

 

 

 

 

  • اتصل بنا
  • |
  • عن الموقع
  • |
  • أرسل سؤالك

جميع الحقوق محفوظة لموقع المسلم © 1432 هـ