ابن جبرين ...علو في الحياة وفي الممات
21 رجب 1430
د. خالد رُوشه
 
 
البداية ..
من هنا كانت البداية , قرية صغيرة تلفها البساطة بثوب الطبيعة وترسم لوحة الخطى بلا رتوش , حيث لا زهو للدنيا يرتجى , ولا زخرف لها يبدو , ولا أطماع فيها للتسابق عليها , إنما صحراء واسعة تقوي القلب معيشتها , وتصفي النفس صحبتها , فتضاءلت في القلب قيمة المتاع , وتصاغرت في النفس شهوات الدنيا ...
 
ومن هنا كان الطموح , لكنه من نوع سرمدي عذب رقراق , حيث مرتجاه العلم والفهم والهدى والمعروف والإصلاح والبيان .. 
ومن هنا تدرب اللسان على لفظة الحق, فلا خوف ولا تردد ولا وجل ولا تراجع عن قول الصواب والصدح به..
 
ومن هنا تقوى القلب وتربى ونبتت المعاني في الصدر الجريء , ثم صحبة عالم دافعة نحو حب العلم , وتربية بيت كريم مثبتة على طريق الاستقامة, وصدق عزيمة مُدِيمة على طول رفع الأكف نحو السماء..
 
الطريق..
إن طريق الصالحين ليست كطريق الناس أجمعين, إنما هو طريق يبتدئه العزم الثابت , وتصحبه النية النقية, وتدفع خطواته الجدية والإيجابية, وتوفقه صالح المباركات من الملائكة التي تضع أجنحتها رضا بالصناعة والعمل..
 
وهنا لم تكن نفس الراحل الحبيب تواقة لشيء توقها لمجالس العلماء ودروس القرآن والسنة, فكان ثني الركب في مجالس العلم هوايتها, والبحث عن فوائد الفهم والفقه غذاؤها, وصحبة العلماء وقودها نحو المعالي..
 
وبرغم مراتب العلم التي تحصل عليها ونبغ فيها, لم يكن البحث عن المناصب والمراكز والمقامات ليشغل باله يوما فكان يكتفي منه بأقل القليل, لكن كأن المقامات العلى كانت تسعى إليه سعي الباحث عن قدرها , فترقى في قلوب الأمة إلى لقيا السحاب..
 
ولم تكن الخصومة تجد مكانا في حياة الراحل الكبير؛ فأحاطته القلوب المحبة وصار ينثر على الجميع معاني العفو والصفح حتى تاهت من قاموس حياته حروف الكراهية والخصومة أو معاني النزاع أو الشقاق..
 
لكن ذاك القلب الرحيم بينما هو في هبته وعطاياه وبذله, كان دافعا لمواقف حازمة وصلبة في مصابات الأمة ومواقفها الملمة, فصلابة في الدفاع عن أمهات المؤمنين والصحب الكرام أمام غلاة الشيعة الرافضة, وصلابة في الدفاع عن فقراء الأمة ومطحونيها, وصلابة في مواجهة الفساد وناشري الرزيلة وصلابة في مواجهة البدع وأهلها, وصلابة في دعم أبناء فلسطين والعراق وغيرهم..
 

الفراق..

واليوم نبكيه, وننثر فوق قبره الدمعات الصادقة.. لكأن العالم يسقط في عمق حزين, ولكأن الكون تغرقه العبرات المكلومة, والقلوب قد لفها الأسى وقاربها الانكسار وعم بها الألم..

يأيها الكون الرحيب, اليوم ساعة الفراق, ولحظة الفقد, وملتقى البكاء..
 
فيا تراب القبور, كم من جسد كريم قد واريت؟ كم من حبيب قد خبأت, كم من غال عزيز قد دثرت؟ لكن راحلنا اليوم يا تراب القبور ليس كأي راحل, وفقيدنا اليوم ليس كأي فقيد.. لكم واريت أجسادا ودماء, لكن فقيدنا خلاياه علم وعمل, ودماؤه دفقات خير وهدى, وآثاره أشعة نور وبنيات ضوء منير..
 
لكأني أسمع أنات الطريق الواصل بين بيته وبين دروس العلم بعد فراقه, وقد بح صوت بكاء القلم الذي كتب به الحروف وسطر به الكلمات الخالدة..
 
علو في الحياة وفي الممات..

إنها المشيئة الربانية العلية, أبت إلا أن ترفع في الخافقين قدر كرام القلوب وصالحي الأعمال - نحسبه ولا نزكيه على الله - وتمجدهم بذكرى عاطرة, في حين ينتظر عدوهم سوء العواقب وقبيح الذكرى..

فليهنأ الصالح الراحل بسنين قضاها في خدمة كتاب الله وليخسأ عدوه بسنين قضاها في نكران كتابه ونسبة النقص إليه..

 وليهنأ العالم الراحل بعمر أنفقه في نشر سنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم, وليخسأ شانئه بعمر نفق في إنكار السنة وسباب أمهات المؤمنين والصحب رضوان الله عليهم ..

إنه العلو الحقيقي.. في الحياة حيث الرضا والحياة لهدف أسمى , والقناعة والسعادة بحب الإله وصحب الطريق, والثبات على المبادئ والقيم السامقة... وفي الممات حيث للعلماء المخلصين والصالحين الصادقين النعيم الوارف والظل المقيم. - نحسب الشيخ منهم ولا نزكيه على الله -

اليوم مؤتمر ألم واجتماع حزن يشارك فيه التلاميذ والمقربون, والعلماء والدعاة, والكبار والمبتدئون.. وتشارك فيه القلوب قبل الأجساد والنفوس قبل الكلمات, ويسارع فيه الجميع إلى وداع بالدعاء والابتهال أن يرحمه الله رحمة من عنده ويقبل حسناته الكريمة ويغفر زلاته ويتجاوز عن عثراته إنه رحيم ودود.