التغيير وتأثير وسائل الإعلام

 
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان، وبعد..
الحديث عن الإعلام في العالم العربي، ودوره في التغيير الاجتماعي والأخلاقي بأسلوب علمي يقتضي منا الحديث عن الموضوع من خلال الإجابة عن عدد من التساؤلات تتركز في التساؤلات الثلاثة التالية:
ما مفهوم التغيير؟ وما مفهومه في الدراسات الإعلامية الحديثة؟
كيف تؤثر وسائل الإعلام؟
ما واقع الإعلام العربي؟
ولا شك أن الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة ليست بالسهلة، فكل واحد من هذه التساؤلات يتطلب للإجابة عليه بحوثاً مستقلة، لكن طبيعة الوقت المتاح، والجمهور المعني بهذه الورقة،  وظروف الندوة تقتضي الإجابة في حدود ما يسمح به الوقت، وباختصار وتركيز شديدين.
والله أسأل أن يجعل التسديد لنا طريقاً، والتوفيق لنا رفيقاً..
والله المستعان..
التغير بمفهومه العام، وهو التحول من حال إلى حال، إما بشكل جزئي أو كلي، سواء كان تحولا إيجابياً،أم سلبياً، سنة كونية قائمة، سواء على مستوى الفرد، أم المجتمع، أم الدولة، أم العالم والكون كله.
فالفرد يمر بمراحل التغير الخلقي، ويتبعه تغير في المعرفة والفهم والسلوك اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُالروم: ٥٤
والأسرة تمر كذلك بمراحل تغير وتحول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا النساء: ١
والأمم كذلك تتعرض لهذه السنة الكونية الثابتة: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَآل عمران: ١٣٧
بل الكون كله خاضع لهذه السنة: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِإبراهيم: ٤٨
يقول ابن خلدون: ( إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو الاختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأبصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت ) المقدمة/24.
فالتغيير في حد ذاته لا يتعلق به حسن أو قبح، باعتباره سنة كونية، لكن نوع التغيير هو الذي يتعلق به الحسن أو القبح.
غير أن القرآن الكريم يعرض معنى محدداً للتغيير في عدد من الآيات الكريمة، فقد ورد لفظ التغيير في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌعَلِيمٌ الأنفال: ٥٣
وفي قوله سبحانه: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍالرعد: ١١
وبالتأمل في الآيتين السابقتين، يظهر أن لفظ التغيير فيهما ينصب على المعنى السلبي، فقوله سبحانه: ( لم يك مغيراً نعمة أنعمها ) يعني من الأحسن إلى الأسوأ، وقوله سبحانه: ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) يعني ما فيها من الخير إلى السوء، كما يذكره المفسرون، قال الشوكاني –رحمه الله-: ( عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم، (حتى يغيروا ما بأنفسهم ) من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمط إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه)[1].
فكأن الفطرة والخير والاستقامة هي الأصل في السنة الشرعية، والتحول عنها هو التغيير، وبالتالي فلا تسمى العودة إليها بعد تركها والبعد عنها، فضلا عن التمسك بها تغييراً، لأنها أصل، كما أن النعمة ورغد العيش وغير ذلك من الفضل الإلهي هو الأصل كذلك في السنة الكونية، والتحول عنه إلى ضده تغيير، كما يفهم من ذلك أن التغيير لا يكون بالعودة إلى الأصل، وإنما بالتحول عنه، وهذا معنى مفيد في تتبع مسيرة التغيير في المجتمع ومآلاته القدرية المؤلمة..
كما أن هذا المفهوم للتغيير هو نفسه التغيير الذي تتحدث عنه الدراسات الإعلامية كما سيتضح فيما بعد..
ارتبط مفهوم التغيير في الدراسات الإعلامية، ومثلها الدراسات الاجتماعية، في العالم الثالث ومنه العربي بمفهوم التنمية، ويقر الكثير من الدارسين بالارتباط بين مفهومنا للتنمية والفكر الذي نؤمن به، فالفكر وعاء للتنمية تتشكل بحسبه، والتنمية في مخرجاتها تعبير عن رؤيتنا الفكرية التي تحكم عملية التنمية، ولذا يمكن القول بأن الفكر الليبرالي الرأسمالي نظرية في التنمية، وكذا الفكر الماركسي نظرية في التنمية كذلك[2].
وقد أصبحت التنمية الشغل الشاغل للعالم الثالث بعد تشكله في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتحوله إلى بؤرة نزاع وصراع سياسي وثقافي، ولذا تسابق الباحثون الغربيون في تقديم الدراسات التي تستجيب لهذه الحالة في هذا العالم، وظهرت العديد من النظريات في هذا المجال، والتي جاءت بعناية وتوجيه مباشرين من جهاز الأمم المتحدة ممثلا في منظمة اليونسكو.
وقد كان من نتيجة ذلك الدراسة التي أعدها ولبور شرام عام 1962م بطلب من اليونسكو بعنوان: دور الإعلام في البلدان النامية، ونشرته بالعربية وزارة الثقافة في مصر، وجاء في مقدمة المؤلف قوله: ( الإعلام الحر ليس غاية فحسب، بل إنه أيضاً وسيلة لتحقيق التحول الاجتماعي المنشود )[3].
وقد تحدث في ثنايا الدراسة عن العديد من التصورات التي يراها لازمة للتنمية، وهي وإن كانت دراسة شملت العديد من الدول النامية في أفريقيا وآسيا، على اختلاف ثقافاتها وأديانها، إلا أن الدراسة تعرضت للكثير من القيم المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية والأسرية، بل والدينية كذلك التي تمس قيم المجتمعات المسلمة باعتبارها عوائق للتنمية.
ولم تكن النظريات مجرد رؤى تأملية بقيت في دائرة النقاش العلمي، أو نصائح ظلت في دائرة الوعظ التنموي، بل إن الكثيرين من الدارسين للنظم الإعلامية في العالم الثالث يعترفون بأثر تلك النظريات على صناعة القرار في العالم الثالث، كما يقول أحدهم: ( وعلى الرغم من أن مناقشات دارسي الإعلام قد أخذت في بعض الأحيان الطابع التأملي، فإنها كانت مؤثرة للغاية على صانعي القرار السياسي في كثير من دول العالم الثالث في المرحلة الأولى الحرجة للتنمية الوطنية )[4].
لقد تعرضت مسيرة الإعلام العربي إلى صور متعددة من التأثيرات الفكرية والرؤى التنموية لهذه الدراسات، واصطبغت جوانب منها بالعديد من الطروحات المتعلقة بالقيم الاجتماعية، والعلاقات الأسرية، وكل ذلك تحت ذريعة التنمية والتحديث، حتى أخذت في الوقت الراهن صوراً أكثر عمقاً في التغيير تحت مسميات التغيير أو التسويق الاجتماعي.
وأما منا في هذا الجانب ثلاث نظريات، أو ثلاث مراحل، هي مرحلة أو نموذج التحديث، ومرحلة أو نظرية انتشار المبتكرات، ومرحلة أو نظرية التسويق الاجتماعي.
ويبرز في هذا الجانب (نموذج التحديث) الذي قدمه ( ليرنر )، من خلال كتابه ( اندثار المجتمع التقليدي ) في عام 1964م والذي ( حظي باهتمام كبير بين الباحثين في الإعلام التنموي، لما قدمه من أفكار اعتمدت البحث الميداني في الدول النامية " دول الشرق الأوسط" لتبيان الصلة بين عملية التنمية-أو التحديث كما أطلق عليها-والاتصال الجماهيري )[5]، وهو النموذج الذي يعتمد على مفهوم التقمص الوجداني الذي يعني: مقدرة المرء على وضع المرء نفسه مكان الآخر وفي ظروفه، والتشبه به وذلك من خلال التعرض لوسائل الإعلام التي تقوم بدورها بعرض وتقديم شخصية وبيئة وظروف المجتمع النموذج من أجل محاكاتها وتقمصها"[6].
ثم جاء نموذج انتشار المبتكرات، أو ( التجديد ) على يد الباحث (روجرز) عام 1971م، الذي يركز على ( نشر المعلومات المتعلقة بالمبتكرات والتجديد بين أفراد المجتمع أو قطاع منه بهدف تحقيق التنمية، وهو في الوقت نفسه يعتبر التغيير الهدف النهائي لنموذج الانتشار، ويأتي على المستوى الفردي في صورة تغيير الأفكار والعادات كنوع من التعلم أو التنشئة الاجتماعية أو التحديث وتطور الفكر، وعلى المستوى المجتمعي كنوع من التنمية أو التكيف المجتمعي )[7].
ويمثل هذا النموذج ( نموذج روجرز ) نوعاً من التعديل في فهم التعامل مع الإنسان، حيث يسعى للتأثير عليه ليس من خلال التقمص والمحاكاة كما في النموذج السابق، وإنما من خلال الفكر والمعرفة والتعليم.
وقد تطور مفهوم التغيير أو التنمية هذا حتى ظهر ما أطلق عليه مفهوم أو نظرية التسويق الاجتماعي الذي أخذ بعداً جديداً عندما عقد أول مؤتمر دولي لليونسكو عام 1975م عن التسويق الاجتماعي في بروكسيل والذي خلص إلى أهمية تسويق الوعي عبر وسائل الإعلام، وسار في مرحلتين، الأولى الإعلان الاجتماعي، حيث برز استخدام الإعلان لتغيير الاتجاهات العامة والسلوك من قبل منظمات تنظيم الأسرة في بعض الدول، والثانية عندما تحول إلى منهج الاتصالات الاجتماعية من خلال التركيز على وسائل البيع الشخصي والنشر بالإضافة إلى الإعلان.
وفي عام 1995م وضع ستانلي ودنس الملامح الرئيسة لنظرية التسويق الاجتماعي التي تتلخص في: ( كيفية ترويج الأفكار التي تعتنقها النخبة في المجتمع، لتصبح ذات قيمة اجتماعية معترف بها )[8].
وتقوم النظرية على مبدأ استخدام أدوات اتصالية مختلفة ( حملات إعلامية-اتصالات شخصية-علاقات عامة-أحداث مفتعلة) لترويج فكرة اجتماعية، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الانتشار للموضوع، والتأثير على الجمهور، لتبني سلوك يتفق والفكرة المطروحة.
وتسير من خلال مجموعة من الخطوات كما يلي:
الخطوة الأولى: إثارة وعي الجمهور نحو الموضوع: من خلال الحملات الإعلامية التي تستهدف تكثيف المعرفة المطلوبة، حول القضية المستهدفة، حيث يتم تعديل السلوك من خلال زيادة المعلومات المقصودة عنها.
الخطوة الثانية: تدعيم الرسائل الإعلامية بالاتصالات الشخصية:
للتأثير في القطاعات المستهدفة من الجماهير من خلال الاتصالات المباشرة ( الزيارات-المناقشات الجانبية..) إلى جانب الاستمرار في عرض الرسائل الاتصالية في وسائل الاتصال.
الخطوة الثالثة: تكوين صورة ذهنية تربط الموضوع بمصالح الجمهور:
وذلك بإثارة اهتمام الجمهور بالأفكار الجديدة عبر تكوين صورة ذهنية من خلال المعلومات أو الأفكار التي تؤدي للربط بين الفكرة ومصالح الجمهور، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، أو الشخصية...
الخطوة الرابعة: تصميم رسائل جديدة" أكثر تعقيدا" بناء على التأثيرات المتحققة:
بهدف الوصول إلى نتائج سلوكية أكثر تحديداً ( عمليات اتخاذ قرار-القيام بسلوك محدد ) لتعبر عن مدى عمق تبني الأفكار لدى الجمهور المستهدف.
الخطوة الخامسة: صناعة أحداث معينة لضمان استمرار الاهتمام بالموضوع:
وذلك من خلال تدعيم هذه الأحداث بالتغطيات الإعلامية الواسعة، وما تسمح به من مشاركة جماهيرية في فعالياتها.
الخطوة السادسة: التركيز على الفكرة من خلال تنشيط التبني للأفكار:
وذلك بالحث المباشر للجمهور على اتخاذ فعل محدد معبر عن الفكر الذي يتم تسويقه، بعد التأكد من تحقيق الخطوات السابقة لأهدافها.
وكل هذه النظريات أخذت حظها من العناية والتطبيق، وجرى التعامل معها باعتبارها وصفات للعملية الإعلامية وأساليب ممارستها والتعامل الاجتماعي معها في عالمنا العربي والإسلامي كما تؤكد ذلك الدراسات التحليلية، واعترافات العديد من الدارسين والعاملين في هذا المجال.
أو: كيف تؤثر وسائل الإعلام؟
الحديث عن تأثير وسائل الإعلام حديث يطول، وليس هذا المقام المبارك مناسباً للحديث عن تفاصيل هذا الموضوع، لكن الذي يهم في هذه النقطة بالذات الإشارة إلى أن النظرة الساذجة التي كانت سائدة في بدايات ظهور الإذاعات، بأن لوسائل الإعلام تأثير مباشر على المتلقي يوازي تأثير الطلقة النارية إذا أصابت هدفها، تلك النظرة لم يعد لها معنى في ظل الحقائق العلمية الإنسانية، النفسية منها والاجتماعية، التي تؤكد أن الإنسان كائن معقد التركيب، وليس هدفاً سهلا لوسائل الإعلام، وأن التأثير الذي تحدثه وسائل الإعلام لا يمكن تفسيره بتأثير العامل الواحد، وإنما يتم عبر عملية معقدة من العلاقات والعوامل الاتصالية والسياسية والثقافية المتداخلة، وفي ظروف معرفية واجتماعية معينة، ووفق مراحل وخطوات بالغة التعقيد والاحتراف في التخطيط والإعداد والتنفيذ.
وبالتالي يمكن القول بأن تأثير وسائل الإعلام العربي في التغيير جاء ضمن مجموعة من العوامل والمؤثرات التي أسهمت في صناعة التغييرات التي طرأت على الأفراد والمجتمعات العربية، ومن جانب آخر أسهمت في إعطاء وسائل الإعلام الفرصة للتأثير، وهيأت لها المناخ المناسب لتحدث ما أحدثته، ومن أبرز تلك المؤثرات:
إن التخلف الحضاري الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية، في مقابل التقدم المادي التقني والإداري في الغرب جعل من هذا الوضع المتخلف بيئة مناسبة لنمو الأفكار الأخرى التي تنادي بالتحديث مدخلة في هذه الدعوة النمط الغربي أو الشرقي باعتباره النموذج الأمثل لتحقيق بيئة التقدم باعتباره المثال الحي للمجتمع المتقدم، لاسيما في مرحلتي التحديث، ونشر المبتكرات.
في بيئات التصوف الخرافي، أو الغلو في الصالحين لدرجة التعبد والتدين التراجيدي، كما في البيئات التي تطغى فيها العادة على العبادة، والعرف على الشرع، تنبت بذور التمرد على الدين، والخروج على الثوابت، وتنشأ البيئة المناسبة لاستنبات بذور الشك والريبة، وهو القدر الذي تستطيع وسائل الإعلام أن تؤثر فيه، حيث تستطيع أن تؤثر في القيم غير الراسخة، لكنها تؤثر أيضاً فيما له علاقة طردية بها. 



هناك العديد من الدول العربية تبنت الفكر الشرقي، وأعلنت اشتراكيتها مثل العراق سابقاً، وليبيا، والجزائر واليمن الجنوبي، ودول أخرى صرحت بأنها دول علمانية مثل تركيا وتونس على سبيل المثال، ومثل هذه الأوضاع السياسية جعلت من وسائل الإعلام أدوات طيعة للتغيير وفق مقتضيات هذا الفكر المتبنى رسمياً، وتهيأت البيئة السياسية لهذا النوع من التغيير، الذي أصبح توجهاً رسمياً تسخر له كافة الوسائل والفرص ليأخذ طريقه في حياة الناس بجوانبها المختلفة.
وقد لعب العامل الاقتصادي دوراً مزدوجاً، فقد هيأت الطفرة الاقتصادية في بيئة مثل دول الخليج العربي الفرصة للتواصل المفتوح مع ثقافات المجتمعات الأخرى، والوصول بالصناعة الإعلامية إلى مستويات متقدمة في تطويع التقنية، وتوفير البدائل الإعلامية بشكل كبير للجمهور الخليجي، كما أسهم العامل الاقتصادي من جانب آخر في توجيه وسائل الإعلام الوجهة التي يريدها الممول، والذي يتمثل في شركات الإعلان الكبرى، التي كان لها أثرها الفاعل في استمرار العديد من وسائل الإعلام وبلوغها مستويات قياسية في التطور بسبب التمويل المدفوع من هذه الشركات، وهو تمويل مشروط باستحقاقات فكرية ومنهجية معينة.
لقد كان للحروب التي شنتها أمريكا ودول العالم الغربي أثرها الواضح والجلي في التغيير الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي، وكانت الحرب الأمريكية الأخيرة على أفغانستان والعراق تعلن أنها لم تكن حرب تحرير كحرب الخليج السابقة، وإنما هي حرب نشر للديمقراطية وقيم الحرية، وقد صاحب هذه الحرب حملات إعلامية ودعائية واسعة النطاق، شملت العديد من أساليب التأثير الإعلامي، سواء في شكل إعلام دعائي أمريكي مباشر، أو غير مباشر من خلال التأثيرات المتعددة على وسائل الإعلام ورجاله في العالم العربي.
بل قدمت الوصفات الدقيقة لطرائق العمل الإعلامي من أجل نشر القيم الأمريكية من خلال العديد من التقارير التي أصدرتها مؤسسة راند وغيرها.
لقد وجدت الكثير من وسائل الإعلام العربي نفسها مشدودة بصورة أو بأخرى نحو مفهوم التنمية، وتحت وطأة مفهوم التخلف الذي قبلت أن تصم مجتمعاتها به وجدت أن النموذج الغربي هو المثال والنموذج الذي يصلح أن يكون بديلا للوضع الراهن، ولا شك أن المجتمع الغربي وحضارته لديه الكثير مما يمكن الاستفادة منه في مجتمعاتنا في تلك الفترة، والتي كانت تعيش تحت وطأة الأمية والفقر وسطوة الأمراض، والتخلف التقني والإداري، لكنه مع شديد الأسف خلط بين ما نحتاج إليه وما لا حاجة لنا به، وفي كثير من الأحيان جعل الشكل هو الهدف، فكانت قضية عمل المرأة، والاختلاط، والولاية وقضايا الحجاب، والسينما والمسرح هي القضايا التي تمثل معارك التنمية الكبرى، تاركاً وراءه المعترك الأكبر في التقدم الحقيقي المتمثل في اكتساب التقنية، ونقلها، وتكريس مفاهيم المسؤولية والشفافية الإدارية.
ويصعب علينا استعراض نتائج العديد من الدراسات التي تناولت بالتحليل مضمون البرامج والمواد الإعلامية التي تقدمها وسائل الإعلام في عالمنا العربي، ولعلي أشير إلى دراسة لأحد الزملاء أجريت في عام 1408هـ على عينة من المسلسلات التلفازية في تلفزيونات ثلاثة مجتمعات عربية هي: مصر والأردن والكويت، وهي مسلسلات ربما وجدت طريقها إلى تلفزيونات دول عربية أخرى بما فيها المملكة، ومن بين النتائج التي توصل لها البحث فيما يتعلق بالأسرة والمرأة ما يلي[9]:
1.    نسبة القيم السلبية المعروضة أكثر من 51%.
2.    مشاهد الاختلاط أكثر من 53%
3.    مشاهد الخلوة 42%.
4.    نسبة من تبلغ أعمارهن بين 15-30 سنة 67%
5.    نسبة الشخصيات ذات السلوك المنحرف أكثر من 30%.
6.    بلغت مشاهد العلاقات غير الشرعية أكثر من 28% .
كما أثبتت دراسة سابقة على برامج التلفزيون الكويتي أن المسلسلات والأفلام الأجنبية تحتل ما نسبته 22% من مجموعات ساعات البث بما يساوي (629ساعة) وقريب منه المسلسلات والمسرحيات العربية في مقابل نسب متواضعة للبرامج الثقافية والعلمية فضلا عن الدينية[10].
وفي واقعنا المحلي بالمملكة، لنأخذ مثالا حياً في هذا الجانب يتعلق بموقف " النخبة المثقفة" من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال تطبيقه على نموذج التسويق الاجتماعي، لتنكشف الحقيقة بأبعادها العلمية والعملية من خلال النموذج التالي:
الخطوة
التطبيق
الخطوة الأولى: إثارة وعي الجمهور نحو الموضوع:
ادعاء أن الهيئة عائق أما الحريات الاجتماعية والشخصية، وتقوم بممارسة سيئة لتنفيذ دور صنعته لنفسها
الخطوة الثانية: تدعيم الرسائل الإعلامية بالاتصالات الشخصية:
...........................
الخطوة الثالثة: تكوين صورة ذهنية تربط الموضوع بمصالح الجمهور:
ماذا سنكون دون وجود الهيئة؟
سيمارس المجتمع وأفراده حرياتهم دون تدخل من أحد، سنكون أكثر قدرة على ممارسة ما نريد..
الخطوة الرابعة: تصميم رسائل جديدة" أكثر تعقيدا" بناء على التأثيرات المتحققة:
الإيحاء للجمهور بأهمية اتخاذ موقف من الهيئة-الاعتراض على قيامهم بمهامهم-المقاومة أثناء أدائهم لمهامهم...
الخطوة الخامسة: صناعة أحداث معينة لضمان استمرار الاهتمام بالموضوع:
الأمثلة في هذا كثيرة من خلال التركيز على الأخطاء، بل واعتبار مجرد وجود رجل الهيئة في مكان حادث يكون فيه رجل وامرأة سبباً لتوجيه التهمة إليه.
الخطوة السادسة: التركيز على الفكرة من خلال تنشيط التبني للأفكار:
لا أدري هل وصل الأمر إلى هذه المرحلة أم لا؟؟
ولعل ما ورد في الملحق (ج) بعنوان: في عمق الاستراتيجية الوارد في تقرير مؤسسة راند ( إسلام حضاري ديمقراطي عام 2003) يفسر كثيراً مما ورد في هذا النموذج، واستخدام الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى لتحقيق خطوات هذه الاستراتيجية.
وبالله التوفيق..
 
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه..
في الورقات السابقة استعرض سريع لقضية كبيرة، وقد يكون في مثل هذا النوع من العرض ابتساراً لكثير من الحقائق، لكن الشيء الذي أود التأكيد عليه، أن الحكم على عامل واحد بأنه هو السبب فيما حدث ويحدث من تغيرات سلبية سواء على المستوى الفردي أم المجتمعي، حكم غير دقيق، وليس له رصيد علمي يسنده، والواقع العلمي والعملي يؤكد أن التأثيرات تلك تحدث نتيجة العديد من العوامل التي تعمل في نسق متكامل لإحداث التغيير المراد..
وبالتالي تبقى وسائل الإعلام عاملا من بين العوامل المتعددة التي أسهمت في تلك التغيرات وهيأت البيئة المناسبة لحصولها..
وحقيقة أخرى ينبغي عدم إغفالها، وهي أن الله سبحانه حينما خلق الإنسان جعله مكلفاً، وأعطاه من القدرة على اختيار أحد النجدين ما يجعله مسؤولا عن اختياره أمام الله عز وجل، فلا تزر وازرة وزر أخرى، وليس للإنسان إلا ما سعى.
وحقيقة ثالثة كذلك، هي أن الله سبحانه جعل الحياة ميداناً للتدافع بين الخير والشر، والحق والباطل، والطيب والخبيث، وقال سبحانه: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )، فهي دعوة لأن تقوم الأمة بكافة فئاتها، دولا وحكومات ومؤسسات وأفراداً، بواجبها في حمل رسالة ربها، وسنة نبيها كما أراد الله ورسوله، وأن تدفع بالتي هي أحسن، كي تعذر أما ربها ثم التاريخ والأجيال.
والله أعلم..
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان...


[1] الإمام الشوكاني: فتح القدير، 2/318.
[2] انظر: د. محمد سيد محمد: الإعلام والتنمية/ 83.
[3] ولبور شرام: أجهزة الإعلام والتنمية الوطنية/ ص11.
[4] جون مارتن وشودري: نظم الإعلام المقارنة/ ص 152.
[5] عصام سليمان/المدخل في الاتصال الجماهيري/ص202.
[6] المرجع السابق/203.
[7] المرجع السابق/204-207.
[8] ياسر الشهري/ تسويق قيم العمل الخيري في ضوء نظرية التسويق الاجتماعي/ رسالة دكتوراه غير منشورة/ص53 وبعدها
[9] د. مساعد المحيا: القيم في المسلسلات التلفازية/ 292 وبعدها.
[10] الإحصاءات الإعلامية لوزارة الإعلام الكويتية عام 1983م.

إضافة تعليق جديد

6 + 0 =