أنماط الزواج الحديثة والظرف الاجتماعي المعاصر
04/16/1430 - 23:26
د. خالد رُوشه

جعل الله سبحانه الزوجية سنة من سنن خلقه , وجعلها عامة مطردة في شتى أنواع المخلوقات , قال تعالى :" ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " , وقد جعلها الله سبحانه وسيلة للتكاثر واستمرار الحياة , قال سبحانه : " ياايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " , وشاء سبحانه أن يقنن غرائز الإنسان ويضع لها معالمها المستقيمة , ويزين العلاقة بين الرجال والنساء بالقيم السامية والمبادىء الرفيعة العالية , ووضع النظام الملائم كي يحفظ للإنسان شرفه ويصون كرامته , وجعل العلاقة بالمرآة علاقة كريمة تقوم على رضاها , وعلى إيجاب وقبول – كمظهرين لهذا الرضا والقبول – وعلى إشهاد من الناس ورضا من وليها , ثم أمن للمرأة حقوقها وحمى نسلها من الضياع وصانها أن تكون كلأ مباحا لكل أحد , وجعل المنهج الإسلامي الزواج قيمة كبيرة وأساسا أصيلا لبناء المجتمع الفاضل وإنشاء الحياة السعيدة الناجحة , فينبت الأبناء نبتا حسنا , وتثمر تربيتهم ثمرة يانعة ..

 
وقد رغب الإسلام في الزواج بصور متعددة , فتارة يذكر أنه من سنن الأنبياء " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " , وتارة يذكره في معرض المنة والنعمة " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " ...
 
كما يسر الله شأن الزواج وشجع في الإقبال عليه لمن خاف من تكاليفه وأعرض عنه بسبب الفقر فقال سبحانه " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم " وفي حديث الترمذي " ثلاثة كان حقا على الله أن يعينهم : المجاهد في سبيل الله والمكاتب يريد الأداء والناكح يريد العفاف " ..
 
 ولاشك أن الظروف الاجتماعية الحديثة والمعاصرة قد ولدت من المشكلات المتراكمة ما أصبح معوقا كبيرا في سبيل الزواج , فظروف الفقر التي تمر بها كثير من المجتمعات وظروف الهجرة والاغتراب وظروف التوجيه الثقافي السلبي وغيرها قد أدت إلى مشاكل متعددة في رؤية الزواج ومسارات السعي إليه , حيث أصبحت هناك عدة مفهومات جديدة تطرح على الشباب المسلم تؤطر الزواج إلى مفهومات مستغربة على القيم الإسلامية والثقافة الشرعية ..
 
 ومن ثم تختلف الرؤى نحو أنماط الزواج التقليدي والشرعي والجائز وتختلف ردود الأفعال الفردية والجماعية تجاه فتاوى الإباحة والحظر الصادرة من العلماء الأجلاء أو من المجمعات الفقهية الموقرة , وأصبحت الإشكالية الكبيرة التي تواجهها المجتمعات الإسلامية الآن ليست هي السعي نحو حلول عملية لمشكلات الزواج ولكنها الاتفاق على الصور المقبولة مجتمعيا للزواج والتي على أساسها ينبني النسق المجتمعي الفعال , وتفاقمت المشكلات الخلافية بين مختلف التخصصات في النسق المجتمعي ابتداء من الاجتماعيين وعلماء العمران إلى الاقتصاديين إلى السياسيين إلى الكتاب وأصحاب الرأي ..
 
 وقد أدى هذا اللغط في المجتمع الإسلامي إلى نوع من التيه قد وقعت فيه المؤسسات الاجتماعية تجاه حلول مشكلات الزواج بطرق عملية مقبولة , خصوصا وأن هناك قوة داخلية تعمل نحو جذب الأفراد في المجتمع الإسلامي نحو الصورة الغربية الاجتماعية التي ترى العلاقة بين الرجل والمرأة بمنظور مختلف عن الرؤية الإسلامية في جوانب متعددة وأقصد بها القوة الإعلامية الموجهة نحو تغريب المجتمع الإسلامي ..
 
وينبغي هنا أن نضع أطرا واضحة للانطلاق منها نحو نظرة نقدية صادقة لما يحدث في مجتمعاتنا تجاه هذه المشكلة :
 
أولا : يجب أن نتفق جميعا أن الإطار الشرعي الفقهي هو المنطلق الأول والأساسي الذي تنطلق منه صحة العلاقات أو فسادها , كما أنه هو المنطلق الأول والأساسي الذي يسمح بتطبيق هذا الأسلوب أو ذاك فيما يتعلق بالعلاقة الزواجية بين الرجل والمرأة , ومن ثم فإن الفتوى الشرعية إذا خرجت بالحل أو الحظر من المجمعات الفقهية الشرعية أو من المؤسسات العلمية المعتبرة لزم المجتمع المسلم أن يعتبرها قاعدة للانطلاق نحو الخطا الأخرى والتصرفات التي تليها .
 
ثانيا : أن الفتوى الشرعية المعتبرة هي التي تأخذ في اعتبارها أثناء الإفتاء الحالة المجتمعية الحاضرة والظروف الاجتماعية القائمة والمشكلات الطارئة والعقبات والأزمات والمعطيات العالمية والمحلية وما إلى ذلك , وهو ما يعتني به فقهاؤنا دوما في فتاواهم , ومن ثم لزم الوثوق في صحة تناولها للمشكلة من الوجهة الشرعية وعدم التشكيك فيها .. خصوصا إذا تمت صياغة الفتوى صياغة واضحة الجوانب من حيث الأدلة والاعتبارات التي قامت عليها , وهنا أود أن اشير إلى مواقف بعض المخالفين لفتاوى الإباحة لبعض أنماط الزواج الذي أباحه علماؤنا باعتبارات شرعية وحكمية صحيحة وثابتة , ولست أعني إغلاق باب الاختلاف الشرعي ولكنني أعني تحمل المسئولية المجتمعية وما ينتج عن الخلاف من تفرق في التوجهات واستغلال هذا الخلاف من كثير من المؤسسات المشبوهة والمندسة داخل مجتمعاتنا وبث التردد وعدم الثقة في الفتوى , ومن ثم استحب كثير من العلماء إخفاء الخلاف وإظهار الاتفاق فيما يمكن أن ينتج عنه فتن أو أزمات عامة , لاسيما إذا كان هذا الخلاف ضعيفا .
 
ثالثا : تتسم الفكرة الإصلاحية دوما بالعموم والشمول المجتمعي حيث إن اعتبار مصلحة الفرد وحده قد يعوق مسيرة الإصلاح وإنما تعود المصلحة الفردية من خلال الإصلاح الفردي والمجتمعي بالعموم , وقد يكون هناك بعض الأضرار الفردية على بعض الأشخاص سواء على المستوى النفسي أو غيره ولكن تعود المصالح على عموم المجتمعات ,  ومن أقرب ما يتعلق بذلك قوله تعالى " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " فالقتال ومقاتلة الغزاة والمعتدين هو كره على المستوى الفردي وضرر وألم , ولكنه على مستوى المجتمع مصلحة كبيرة عامة ومنفعة عائدة بالضرورة على أفراد المجتمع ككل , ولذلك فقد ينظر البعض لإباحة تعدد الزوجات مثلا على أنه ضرر نفسي للزوجة أو تنظر بعض الزوجات له على أنه ألم من نوع ما أو قلة وفاء من زوجها لها أو غيره ولكن النظرة الإصلاحية العامة للمجتمع والتي نظر بها الإسلام تبين أن إباحة التعدد فيه من المصالح الكثيرة ما يقي المجتمع المسلم كثيرا من الأزمات المتوقعة والفعلية .
 
رابعا : هناك فرق بين إباحة الفعل الشرعي وبين ما يمكن أن يترتب عليه من آثار تربوية وعملية مختلفة , فقد يكون الفعل مباحا وجائزا ولكنه لا يكون مناسبا في ظرفه أو لا يكون ملائما لنوعية المجتمع الذي يطبق فيه أو قد يكون غير مرغوب في نتائجه على مستوى بعض الأفراد أو حتى بعض المجتمعات , فقد ينصح التربويون في بعض الحالات بنصائح زواجية قد يمتنعون عن النصح بها في غالب الحالات الأخرى نظرا لما يمكن أن تسببه من سلبيات , وضع مثالا لذلك إباحة الزواج مكتمل الشروط إذا تنازلت الزوجة عن حق النفقة والسكنى وهو ما يسميه البعض بزواج " المسيار " , وهو زواج أباحه المجمع الفقهي الإسلامي على أنه مستوف لشروط الزواج الصحيح , فقد ينتفع بهذا النمط من الزواج في بعض الأحوال الخاصة التي يتعذر فيها إتمام الزواج بالشكل التقليدي المتعارف عليه نظرا لأسباب دعت الزوجين إلى ذلك واعتبرها ولي الزوجة , ووافق عليها , كما رضيت بها الزوجة , فلا شك أن هذا النمط من الزواج له سلبياته التربوية على الأسرة وعلى الزوجين والأولاد , إلا أنه قد ينصح به البعض في ظل ظروف قد يمنع معها هذا الزواج أنواعا كثيرة من المعاصي والعبث وما يتعلق بذلك نتيجة ظروف شخصية أو أسرية معينة , بل قد تكون مثل هذه الأنماط المباحة والتي بين العلماء جوازها من نوع السعة التي وسع الله سبحانه بها على أمة الإسلام إذا ضاقت بهم الشئون الحياتية .
 
خامسا : هناك من الموازنات ما يبدو ضروريا عند طرح تلك الأنماط الزواجية على بعض المجتمعات - التي لم تكن تعرفها من قبل -حتى لا ينتج من طرحها المباشر نتائج سلبية على المستوى الأسري أو في مفهوم الترابط المجتمعي , فقد يرى البعض أن هناك نتائج غير مقبولة لهذه الأنواع من الزواج التي قد لا تجتمع فيها الأسرة في مسكن واحد أو غيره فإنها رغم أنها تحل مشكلة موجودة إلا إنها ستنشأ عنها مشكلات أخرى - كما سبق وأشرنا - يجب البحثعن علاج فوري لها، كالاستقرار بين الزوجين و القلق النفسي المتبادل والناشىء من تباعد الزوجين لفترات قد تطول وقد تعرضهم لأنواع إنحرافية نتيجة ذلك التباعد , وما يتعلق بأسلوب تربية الأولاد , وقد يزداد إحساس المرأة بالندية والاستقلالية عنالرجل , وضعف قوامة الرجل ؛ كما يرى البعض أن هذا يعتبر من العلاجات الخاصة لمشكلة يجبعلاجها علاجا جذريا وهي عقبات الزواج بالكلية من مغالاة في المهور واشتراط الشروط القاسية وغيرها ؛ ويخشى البعض أنتكون هذه الأنماط دافعا للتراخي في حل المشكلات التي تحول دون زواج متكامل الجوانب , في حين أن دعوى الجانب الآخر تشير إلى أنها تحل قدرا كبيرا من مشكلات الزواج وتقضي على نسبة العنوسة المتكاثرة وتقي المجتمعات شر الانحرافات الجنسية من الجانبين وتتجاوز مشكلات المغالاة في المهور وصعوبة الحصول على مسكن أو اشتراط شروط أخرى معينة قد تحول دون إتمام الزواج وغيره من الإيجابيات .
 
 ولذلك فإننا نرى أن تعرض المؤسسات المجتمعية هذه الأشكال من الارتباطات الزواجية بحلوها ومرها مركزة في بيانها على السلبيات والإيجابيات المتوقعة في كل حالة ليستبصر أبناء المجتمع بكل جزئية ويعون كل جانب حول تلك القضية .
 
سادسا : هناك دور فعال يجب أن تقوم به المؤسسات التربوية في المجتمع لتعليم وتفهيم وتوجيه الأفراد نحو المناسب لهم في كل موقف من المواقف وأن تسعى المؤسسات البحثية التربوية نحو دراسة الآثار المترتبة على العلاقات في المجتمع المحلي والعام وتخرج ذلك على هيئة نتائج ميسرة تكون في متناول أفراد المجتمع وتكون على هيئة نشرات دورية تطرح في متناول الجميع مذيلة بمواقف واقعية وحالات ونماذج حية وما نتج عنها من نتائج مع تحليل عملي لتلك النتائج بما يضىء التصور نحو تلك القضية 

شكرا جزيلا

5 + 4 =

وفرق بين أن نقول: "إن هؤلاء شعروا بمرارة الظلم، فلما جاء هذا الدين الذي يرفع الظلم؛ أحسوا بأن هذا الدين حق من عند الله -سبحانه وتعالى"، وبين ما يقوله أهل الجاهلية من أن هؤلاء ما اتبعوا هذا الدين إلا ليرفعوا الظلم عن أنفسهم،...